مقالات دينية

الزواج المسيحي … لا طلاق حتى في علة الزنى

وردا اسحاق

الزواج المسيحي … لا طلاق حتى في علة الزنى

بقلم / وردا إسحاق قلّو

الزواج عند كل الطوائف المسيحية الرسولية يختلف جوهرياً عن الزواج عند سائر الأديان والمعتقدات لأنه مؤسس على العدل والمساوات بين الزوجين . ولا بد من المساواة حتى يصير الأنفتاح بين الزوجين متبادلاً ومنهما يتم الأنفتاح على الله الذي يشترك في سر الزواج فيجعل الأثنان واحداً . في الزواج المسيحي لا يجوز أستعلاء الرجل على المرأة ، لأن الإثنان مساويان في الحقوق ، كما يقول الرسول ( فليس حر بعد يهودي ولا يوناني ، ليس عبد ولا حرّ ، ليس ذكر ولا أنثى ، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع ) ” غل 28:3 ” لكن يجب على المرأة أن تخضع لزوجها كخضوع الأثنين للرب ، لأن الرجل رأس المرأة ، كما أن المسيح رأس الكنيسة ” أف 5: 22-23 ” كما على الرجل أن يحب إمرأته كما أحب المسيح كنيسته وضحى من أجلها ( أف 25:5 ) والإثنان يجب أن يخضعا بعضهم لبعض بتقوى المسيح ( أف 21:5 ) . هناك تمايز لكن الحب الحقيقي يجمع بين الوحدة والتمايز مثل الثالوث الأقدس ( إله واحد وثلاث أقانيم ) فعلى الزوجين العمل كقول المسيح لأبيه ( ليكونوا واحداً كما نحن واحد ) ” يو 11:17 ” .

الحب يبدأ محصوراً بيم الزوجين ، ولكن يجب أن يفيض سريعاً على آخرين ، على الأولاد ثمرة الزواج والحب ، ومنهم إلى المجتمع كله ، لأن المحبة من طبيعتها فياضة ولا يمكن أن تحبس لكي لا يصيبها داء الإنانية القتّال . فالزوجين اللذان يتفقان على عدم إنجاب الأطفال للإكتفاء بالمتعة ، وعدم تحمل مسؤولية الأطفال ،  يقترفان خطيئة بسبب حبهم لذاتهم وسيطرة الإنانية على كيانهم . والله بارك الأبوين الأولَين لكي يكثروا النسل ، فقال ( أنموا واكثروا ) ” تك 28:1″ ، إنه خصب الحب بين الأثنين ،  فيجب أن يكون موضوع الإنجاب هدفاً مهماً في خطة الزواج . أما الذي يتزوج لأجل اللذة فقط . فإنه ينهمك في سعي منفرد مع قرينه إلى اللذة الذاتية فيتخذ من الآخر مجرد ذريعة لبلوغ تلك اللذّة . سيثيرحتماً عند الآخر شعوراً مراً ، أو يخلق تباعد بين الأثنين وقد ينفجر خلافاً مدمراً ينتهي بالفراق . فالحب الحقيقي للزواج الناجح لايمكن أن يكون بدون إنجاب ، وإلا أصبح الزواج مجرد ممارسة جنسية أنانية وليس حباً طاهراً . وتلك الأنانية  تدفع البعض إلى إقتراف خطيئة الإجهاض التي يرفضها الإيمان المسيحي ، لا وبل حتى الشرائع المدنية لأنها قتل إنسان خلقه الله في بطن أمه . فالإنجاب مهم ، وله حدود وبحسب طاقة الزوجين الصحية والمادية وذلك لأجل تنشئتهم  وتربيتهم تربية مسيحية صالحة . كما أن حب الزوجين سيزداد بالإطفال اللذين سيزيدون العلاقة بين الأبوين لكي لا يفكروا بالفراق ، وكذلك المحبة المسيحية بينهما ستزيد بسبب وجود الأطفال ، وكذلك الحب سيرتقي و يتطور الميل الجنسي ، ولكن لا يتبع منه ، بل من الله كنعمة مجانية تثبت الميل الجنسي والعاطفي ، وعلاقة غير قابلة للإنفصام علماً بأن الغريزة الجنسية هي من الله الذي جعل كل من الجنسين غريزة تدفع أحدهما نحو الآخر ، إنها مزروعة في قلب الإنسان منذ ولادته وتنمو معه حتى بلوغه سن النضوج فيشعر بجاذبية نحو الفتاة التي يختارها . وكذلك الفتاة حين تبلغ النضوج جسدياً تضرم فيها شعلة الحب الذي يدفعها بالأرتباط بشاب لكي تعطي له حبها وكل كيانها من أجل حياة مسيحية مشتركة ، فيتحقق في الأثنين غاية الله في الخلق .

في المسيحية ، الحب الزوجي هو أعظم حب إنساني ممكن ، إذ هو عطاء كامل نهائي لمدى الحياة هو أعظم من حب الوالدين لأولادهما . إذ أن الأبوين ينفصلون عن أولادهم بعد الزواج وحسب الوصية ( .. لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويتحد بزوجته ، فيصير الإثنان جسداً واحداً ) ” مت 5:19 ” . أما الزوجان فيتابعان حياتهما المشتركة حتى الموت ، في الكنيسة الكاثوليكية لا يجوز إبطال الزواج الصحيح لأي سبب من الأسباب ، إلا إذا كان الزواج خاطئاً منذ البداية وهناك أسباب بطلان العقد بين الزوجين لأنه لم يُعقَد بحسب قوانين الكنسية الصحيحة ، بل كان هناك إلتفافاً على قوانينها ، والعقد لا يكون صحيحاً إلا إذا عقد الطرفان بكامل المعرفة ومجرد من الغش والكذب على الآخر كمن كان متزوجاً من أخرى دون علم الكنيسة أو علم  الطرف الآخر. فالنقص في الزواج يبطل الزواج ، وكذلك كأن يكون الكاهن الذي بارك الزوجين غير ذي ولاية أو تفويض ، أو أتم الزواج بدون حضور شاهدان ، أو يتم بدافع الرشوة ، أو غير ذلك من الأسباب اللاقانونية كنسياً .

سِّر الزواج الكاثوليكي يتم بشروط لكي يصبح غير قابل للحل ، وليبقى الزوجان مرتبطان إلى يوم موت أحد الطرفين ، وهكذا كان الزواج منذ البدء ، لهذا قال يسوع لليهود ( من أجل قساوة قلوبكم رخص لكم موسى في طلاق نسائكم ، ولم يكن الأمر منذ البدء هكذا منذ البدء ) ” مت 8:19 ”  أي أن يسوع ألغى الطلاق الذي أباحه موسى وذلك للعودة إلى ما وضعه الله في بدء الخليقة . فلماذا نريد اليوم إلغاء وصية المسيح للعودة إلى الطلاق ؟ لماذا نجد اليوم  بعض الطوائف والمذاهب تبيح الطلاق في حال إرتكاب الزنى ، بينما الكنيسة الكاثوليكية لا تفهم الآية ( .. من طلق إمرأته ، إلا لفاحشةٍ ، وتزوج غيرها فقد زنى ) ” مت 9:19 ” على إنها حجة للطلاق . فغالبية المفسرين وعلماء النصوص يرون أن عبارة ( إلا في الفحشاء ) أي في علة الزنى ، أضيفت إلى النص الأصلي ، أي لم تكن موجودة  . وآخرون يقولون أن المقصود بالزنى هو الزواج غير الشرعي ، أي الزواج الخاطىء الكاذب المحرم كما أشرنا إليه . فالزواج الغير الشرعي يجب أن يلغى ليفترق الأثنين . كذلك هناك من يقول ، إن كلمة طلاق هنا تعني الهجر والفراق فقط لأن لا طلاق في المسيحية ، ويسوع يضيف عليها نص آخر لكي يكتمل المعنى ، فيقول ( من طلق إمرأته وتزوج أخرى ) هنا يحدد مفهوم الطلاق بالمعنى الواسع والواضح والغير مقبول إنجيلياً . وللأسف حتى في الكنيبسة الكاثوليكية  في هذه الأيام تتجاوز  لوصية المسيح في بعض الحالات .

نختم مقالنا بالقول ، الكنيسة الكاثوليكية تفسر الآية ( من طلق إمراته إلا لعلة الزنى وتزوج  من أخرى فقد زنى ) تعني إنه لا يجوز للزوج أن يطلق زوجته الزانية ويتزوج من أخرى . ولكن أن زنت فعلى الرجل أن لا يساكنها ، ولا يحل له أن يتزوج غيرها لأنه سيزني وبحسب قول الرب .  هو التفسير الصحيح الذي لا يتعلق به أدنى ريب ، وإلا فكيف يزني من يتزوج إمراة مطلقة ؟ فرباط الزواج إذاً باقٍ ولو زنى الرجل أو زوجته ، لا ينحل رباطهما إلا بالموت . الطلاق يفرّق ما جمعه الله . ورفض الخصوبة يصرف الحياة الزوجية عن أسمى عطية فيه ، أي إنجاب الأطفال . الطلاق إذاً مرفوض ، والزواج الثاني الذي يعقده الأزواج المطلقون ، في حال وجود الزوجة أو الزوج الشرعي في قيد الحياة  ينافي قصد الله وشريعته اللذين تعلّمناهما من المسيح . المطلقون لا يفصلون عن الكنيسة ولكنهم لا يستطيعون أن ينعموا باالأفخارستية . ويمارسون حياتهم المسيحية ، و خاصةً بتربية أولادهم في الإيمان .

أما البرهان اللاهوتي عن لا إنحلالية في الزواج المسيحي أي ( الطلاق ) ، فهو أن الزواج سر يحقق على مستوى الزوجية كإتحاد المسيح بالكنيسة ، وإتحاد الكلمة الأزلي بالطبيعة البشرية في شحص المسيح . فسِّر الزواج يرمز إلى إتحاد المسيح والكنيسة ، ويولي الزوجين أن يحب أحدهما الآخر كما أحب المسيح كنيسته  . كذلك نقول ، كما أن المسيح الرب لا يمكن أن ينفصل عن الكنيسة ، وكما أن الكلمة الأزلي لا يمكن أن ينفصل عن الطبيعة البشرية التي اتخذها ، كذلك لا مجال أيضاً للأخذ بإنحلالية الزواج ، وقد وضح الرسول بولس هذه العلاقة بقوله ( .. كما أحب المسيح الكنيسة … كذلك على الرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم ) ” أف 5: 25-28 ” فمن يستطيع أن يفارق أو ينكر جسده ؟

المصادر

  • الكتاب المقدس . النسخة الكاثوليكية للرهبنة اليسوعية
  • التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية
  • كتاب ( سر الزواج ) للخور أسقف ليون عبدالصمد .
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x