الراحل علي الوردي في ميزان (4): الوردي وابن خلدون

عبد الرضا حمد جاسم

 

الراحل علي الوردي في ميزان (4): الوردي وابن خلدون
عبد الرضا حمد جاسم
abdulredha hamad2مقدمة: المقطع التالي طويل اعرضه كاملاً.. ومن ثم اُجزئه (ج1.. ج2… الخ) بالشكل او الصيغة التي لا تُفقده معناه ومقصده ومرماه لتسهل عليَّ مناقشته او تفكيكه وتحليله وتسهل على القارئ الكريم متابعته…فأعتذر.

………………

من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي الصادر عام 1965/النسخة التي استعير منها تلك الصادرة عن دار ومكتبة دجلة والفرات/2013 … في ص37 تحت عنوان فرعي: أهمية أبن خلدون … كَتَبَ الراحل الدكتور علي الوردي التالي:

[أمتاز أبن خلدون بميزتين لم يماثله فيهما أحد من الباحثين الاجتماعيين في جميع الأمم: أولهما: أنه كان اول باحث في العالم درس المجتمع دراسة واقعية غير “وعظيه” وهو في ذلك سبق زمانه بخمسة قرون. الميزة الثانية أنه كان ولا يزال أعظم من درس المجتمع العربي على اساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة. حين ندرس نظرية ابن خلدون نجدها في معظمها تدور حول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما ولهذا جاز القول بأن هذه النظرية هي على الرغم من قدم زمانها خير مرجع لنا لدراسة المجتمع العربي انها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع كمثل ما انبعثت النظريات الاجتماعية الحديثة من طبيعة المجتمع التي نشأت فيه. مهما يكن الحال فان هذا الذي نقوله عن نظرية ابن خلدون لا يعني انها كانت صحيحة او كاملة في جميع تفاصيلها انها كأية نظرية اخرى من النظريات العظيمة لا بد ان تحتوي على نقائص واخطاء كمثل ما تحتوي على ابداع واصالة.

من هذه الاخطاء أنه عندما درس الصراع بين البداوة والحضارة في المجتمع العربي وظن أن هذا الصراع عام في جميع المجتمعات البشرية ولهذا رأيناه يحاول تفسير التاريخ البشري كله بأنه عبارة عن دورات متشابهة تتتابع مرة بعد مرة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم من الأمم. هو يصف كل دورة بأنها تنشأ من جراء هجوم البدو على الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة ولكن هذه الدولة تنحط وتضعف تدريجياً لما ينالها من الترف والنعومة حتى تسقط اخيراً أثر هجوم موجة بدوية جديدة عليها وهكذا يتوالى ظهور الدول وسقوطها مرة بعد مرة. أن هذه النظرية الخلدونية تصدق بدرجة كبيرة كما لا يخفى، على تاريخ المجتمع العربي وقد تصدق بدرجة أقل على تاريخ بعض المجتمعات الاخرى كما رأينا سابقاً. إنما هي على أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية. وهناك خطأ أخر اقترفه ابن خلدون هو انه ظن بأن العرب أشد الامم بداوةً وبعداً عن الحضارة ولهذا رأيناه يصف العرب بكل ما يناقض صفات الحضارة من تخريب ووحشية وخشونة وما اشبه. وهذا الذي جعل بعض دعاة القومية العربية في عصرنا يذمون ابن خلدون ويوصون بحرق كتبه ونبش قبره باسم القومية. الغريب من ابن خلدون انه قال بذلك الراي المتطرف في العرب وهو يعيش في عصر كانت وحشية المغول وتخريبهم ملأ الأسماع والأبصار في كل مكان وقد اتيح له ان يكون في الشام عند اجتياح تيمورلنك لها وشهد مدى التخريب الفظيع والنهب والحرق والقتل الذي حدث فيها على يد التتر المتوحشين وكان ابن خلدون يعرف ماذا صنع تيمورلنك في المدن الاخرى وما صنع اسلافه ك “هولاكو وجنكيز خان” قبله] انتهى.

المناقشة:

ج1.ورد أعلاه: [أمتاز أبن خلدون بميزتين لم يماثله فيهما أحد من الباحثين الاجتماعيين في جميع الأمم: أولهما: أنه كان اول باحث في العالم درس المجتمع دراسة واقعية غير “وعظيه” وهو في ذلك سبق زمانه بخمسة قرون. الميزة الثانية أنه كان ولا يزال أعظم من درس المجتمع العربي على اساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة] انتهى.

المناقشة: انظروا الى ما نهى عنه العلماء وأقره وكتبه ونشره الراحل الوردي نفسه واقصد الاطلاق والجزم والقطع والتأكيد الذي اعتمده الراحل الوردي هنا. “لم يماثله أحد” و”في جميع الأمم”. كيف وقف الراحل الوردي على هاتين الميزتين عند ابن خلدون؟

اليكم رأي الوردي الصريح بهذا الموضوع حيث كتب في ص312 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/الفصل 11/تحت العنوان الفرعي: ازدواج الشخصية في المدن: [يؤسفني حقا ان أرى أستاذا جامعيا يميل الى الجزم والقطع في اراءه العلمية فهو قد أجاب من سأله عن وجود ازدواج الشخصية في العراق قائلا “لا، بكل تأكيد” وهو لو اطلع على ما جاء به علماء الاجتماع في الموضوع لربما غير رأيه القاطع هذا. أن المنهج العلمي لا يعرف القطع والجزم والتأكيد بل هو يميل الى التشكيك والظن والترجيح عند ابداء رأي من الآراء وبغير هذا لا يمكن للعلم ان ينمو ويتطور يوماً بعد يوم] أنتهى:

ثم يعود الدكتور الوردي لنفس الامر حيث ذكر التالي:” أول باحث في العالم…الخ” و”أعظم من درس المجتمع العربي”

لو قال انه كان من أوائل الباحثين الاجتماعيين اوقال أنه من الذين درسوا…الخ. او قدَّم لما تفضل به بكلمات مثل اعتقد او أتصور او ربما او انهى ما تفضل به ب”أتصور” أو “على الأرجح” او “هذا رايي”. لكان ادق وأصح وأفضل.

ثم ماذا يعني الوردي: (دراسة واقعية غير”وعظية”)؟ دراسة واقعية قد تكون مقبولة ومفهومة. لكن”غيروعظية” ماذا تعني؟ هل تعني انها أسلوب اوطريقة لدراسة المجتمع كان عليها مجايليه وسابقيه من علماء الاجتماع وهو”ابن خلدون” طَرَقَ غيرها فتميز؟

ماذا يقصد الوردي ب:”سبق زمانه بخمسة قرون”؟ لو قال الوردي ان عقل ابن خلدون او تحليل ابن خلدون سبق زمانه بخمسة قرون لكان الحال اصح ويتوافق مع ما يرغب به الراحل الوردي أو أرادهُ.لأن هذا الاطلاق لا يتحدد بهذه الحالة انما بكل “ابن خلدون” وما ترك.

رأيي ان ابن خلدون قرأ ما كُتِبَ وسَمِعَ ما نُقِلَ شفاهاً عما حصل قبل زمانه بخمسة قرون اواكثر في بلاد المغرب وعايش ما جرى ويجري في بلاد الاندلس قبل الوردي بأكثر من خمسة قرون. عليه هو لم يسبق زمانه وانما عاد الى الوراء خمسة قرون ليأخذ ما يناسبه مما ترك الاقدمون اي اهل ذلك الزمان من دراسات وحكايات وآثار وكانت متيسره امامه لما كان عليه من موقع اداري/وطيفي وموقع وعظي ديني وموقع ادبي وعلمي فأخذ ما يريد وحلله وقارنه درسه وكتب ما توصل اليه في زمانه ووفق المعطيات التي كانت او التي استخلصها وصاغ تصوراته وفق فهمه وفهم زمانه اما إذا جاء بعد ذلك من يؤيد تلك الصياغات او الفرضيات بعد زمانه بخمسة قرون واكثر” كما عاد الراحل الوردي الى خمسة قرون” فهذا لا يعني ان ابن خلدون سبق زمانه بخمسة قرون. لأن ما جاء به ابن خلدون فرضية او اجتهاد يحتمل او تحتمل الصح والخطأ وعلى قول الوردي المأثور: “انها قد تَصُحْ اوقد لا تَصُحْ” والتواجد في الزمان كما أتصور لا يتحدد بعبارة واحدة او صفحة واحدة او فكرة واحدة من بين الاف الدراسات أو الآراء والأفكار…هكذا أتصور و”قد يصح هذا التصور اوقد لا يصح”.

ومِنْ مَزجْ الميزتين اعلاه نستخلص ان الراحل الوردي يعلن هنا ان ابن خلدون كان وما يزال من أعظم الباحثين الاجتماعيين في كل الأمم ممن درسوا “المجتمع العربي” دراسة واقعية غير “وعظية”…

السؤال الذي يقفز هنا هو: هل هناك باحثين اجتماعيين “كانوا” سبقوا او زاملوا او جايلوا ابن خلدون درسوا “المجتمع العربي” بطريقة أخرى ربما”وعظية” وجاء ابن خلدون فدرس المجتمع العربي دراسة غير وعظية وعلى أساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة حتى يتفرد ابن خلدون بتلك الميزة؟ يمكن ان يُفهم من هذه الصيغة بأن ابن خلدون ليس الوحيد لكنه الأعظم والأول والأوحد والأزلي.

انا هنا وفي التاليات لا اريد ان يتيه القارئ في أمور جانبية …بل اريد ان يعرف ان الوردي درس ابن خلدون او قرأ ابن خلدون بتقديس غريب وبتطرف كما هنا. اعتقد ان هذا ليس ببحث علمي او دراسة واعتراضي هنا على صيغة التعظيم والتقديس التي بها الوردي هنا مع ابن خلدون والتي جعلت الوردي يكتب بعاطفة كما كُتِبَ عنه (الوردي) بعد ذلك من قِبَلْ محبيه. واُثيرُها هنا لأن الراحل الوردي سيعود ليذم ابن خلدون بتطرف لا يقل عن تطرفه في تعظيمه دون حتى محاولة ولو بسيطة كما يبدو لتفهم موقف ابن خلدون او وفق الشك بما نُقل من حوادث او مواقف نُسبت الى ابن خلدون… فالمتوفر هنا ركيك في ذم ابن خلدون.

اين وجد الوردي من كان يشير الى “المجتمع العربي” وقت ابن خلدون اووقت الفتوحات او الغزوات الإسلامية “البدوية”؟

بل هل كان هناك “مجتمع عربي “في بلاد المغرب عند الفتوحات الإسلامية او حتى على أيام ابن خلدون؟

اعتقد انه لا يوجد “مجتمع عربي” وقت ذاك حتى درسه ابن خلدون… ولا يوجد “مجتمع عربي” تعرض للفتوحات او الغزوات الإسلامية او الاحتلالات “البدوية” حيث أن كل البلدان التي خرج عليها او اليها البدو العرب في الفتوحات او الغزوات او الاحتلالات الإسلامية ليست عربية انما صار في بعضها بعض عرب على أيام ابن خلدون.ويمكن لي ان أقول “وهو اجتهاد” ان ما جرى كان وربما ما يزال هو صراع بين بداوة عربية وحضارة غيرعربية في مجتمع غير عربي.

ان كان الراحل الوردي على قناعة تامة بوجود “مجتمع عربي” وقتذاك فهذا يفرض عليه في حينه ان يبين حدود ذلك الجغرافية والثقافية ويبين بوضوح وأسانيد هل كانت الثقافة الاجتماعية السائدة وقت ابن خلدون وقبله بأكثر من خمسة قرون هي الثقافة الاجتماعية البدوية؟

أبن خلدون كما قلت اعلاه دَرَسَ او سَمِعَ او قرأ عن تأثير البدو الغزاة/الفاتحين /المحتلين على المجتمعات التي وصلوا اليها /فتحوها / غزواها /احتلوها. وهي ليست “مجتمعات عربية” او” مجتمع عربي” فكل خروج للمسلمين من جزيرة العرب كان الى بلدان غير عربية فلا يجوز ان نقول “مجتمع عربي”المجتمع العربي هوالمجتمع البدوي فقط والمحدد بشبه جزيرة العرب.علماً أن هناك بدو غيرعرب اولئك الذين وصلت جيوشهم الى بلدان صار فيها عرب مثل العراق والشام.

اليكم التالي أتمنى ان تقارنوا ما يرد فيه مع عبارة الوردي أعلاه حيث كتب الراحل الوردي في / كراسة شخصية الفرد العراقي/بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث/1951 ص15 التالي: [أن من دواعي الفخار لنا حقاً أن نجد أن الحضارة الاسلامية قد أنتجت مفكراً يختلف في هذا الصدد عن غيره من القدماء هو المفكر العربي المشهور عبد الرحمن ابن خلدون. فقد حاول هذا المفكر ان يدرس شخصية الانسان لا على اساس الموعظة والارشاد كدأب الناس قبله. بل على اساس الحقيقة الراهنة التي لا محيص عنها] انتهى.

لقد حدد الراحل الوردي هنا الحضارة الإسلامية وليس العربية. وتكلم عن الانسان بشكل عام ولم يخصص الانسان العربي وعن محاولة مفكر عربي اسمه ابن خلدون…اي انها في نظره حتى عام 1951 محاولة وليست نظرية …و لا اعرف هل ان الراحل الوردي حسم موضوع الانتساب او الانحدار القومي لأبن خلدون من انه عربي او امازيغي…لم يقدم لنا دليل غير ما منشور وهو ضعيف ومختلف عليه.

واكرر استغرابي هنا بسؤال :هل هناك دراسة مجتمع تتم بطريقة القاء المواعظ او الارشادات؟؟؟

وتطرق الراحل الوردي الى “الحقيقة الراهنة” التي كانت أساس دراسة ابن خلدون؟

و هنا يحق لي ان اسأل: هل ما جاء به ابن خلدون مطابق للواقع.؟ اوهل استمر الواقع الذي أنتج تلك الحقيقة متواصلاً منذ ما قبل ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون الى ما بعده بأكثر من خمسة قرون؟ وهل عاش ابن خلدون ذلك الواقع /الحقيقة أو اقترب منها او منه؟ هل يُعقل أن الحضارة “دائمة الحركة والتطور والتَّغير” عجزت لأكثر من عشرة قرون على أن تُغير ما بأنفس او أعماق البدو وهل يٌعقل حصول العكس؟

على كل الأحوال كل ما في تلك الرحلة الطويلة لأكثر من عشرة قرون تنفي عبارة:[[…بل على أساس الحقيقة الراهنة التي لا محيص عنها]]. لا اعرف أسباب اختيار الراحل الوردي الى كلمة او مفهوم “راهنة” هل يقصد بها الدوام/الثبات وهذا ما اعتقد او يقصد بها الحضور/الحاضر “وقت ابن خلدون”…لأن الحقيقة/الواقع متحركة/ متحرك خلال مسافة زمنية تجاوزت العشرة قرون.

اعتقد ان الراحل الوردي اعتبر ذلك “حقيقة راهنة لا محيص عنها” لأنها تطابقت مع ما يريد أو مع ما أراده أن يكون أساس لما جاء به بعد ذلك وهذا ليس بجديد او مستغرب عن أو على الراحل الوردي.

……….

ج2.ورد اعلاه: [حين ندرس نظرية ابن خلدون نجدها في معظمها تدورحول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما ولهذا جاز القول بأن هذه النظرية هي على الرغم من قدم زمانها خيرمرجع لنا لدراسة المجتمع العربي انها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع كمثل ما انبعثت النظريات الاجتماعية الحديثة من طبيعة المجتمع التي نشأت فيه]انتهى

مناقشة: انها فرضية/رأي أو فرضيات/آراء ابن خلدون وليست نظرية تلك التي كانت تدور حول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما… كذلك فأن ابن خلدون لم يحدد البداوة العربية و”الحضارة العربية” فقط. وهنا التحريف القسري لفرضية ابن خلدون الذي تعمده الوردي. ابن خلدون تكلم عن كل بداوة وحضارة والوردي حصرها في البداوة العربية و”الحضارة العربية”. وحتى لو شملها ابن خلدون وبنى على ما سمع عنها لكنه لم يتحدث عن صراعها مع “الحضارة العربية “لأنه اصلاً لا توجد حضارة عربية تعرضت لغزو بدو عرب والجميع بما فيهم ابن خلدون والوردي يعرفون ان هناك بدو غير عرب اجتاحوا بلدان مختلفة من بعضها بلدان فيها بعض عرب “غزوات المغول وتيمورلنك”. يمكن ان نقول انه صراع بين الحضارة الوافدة مع البداوة الراسخة هذا بالنسبة ل”لمجتمع العربي”.

ثم لا يمكن ان نقول على اوعن ما تركه ابن خلدون بانها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع ويقصد الوردي هنا “المجتمع العربي”. ربما وردت عبارة “هذا المجتمع “في طروحات ابن خلدون لكنه لا يقصد ما أطْلَقَ عليه الوردي تحريفاً “المجتمع العربي”. انها انبعثت من المجتمع الذي عاش فيه ابن خلدون وكتب ما كتب فيه وكان في جزء من تلك الفترة مغرم بالأندلس وما عاش هناك.

نعم يمكن ان تكون طروحات أو آراء ابن خلدون تلك مرجع لدراسة حالة المجتمعات التي صارت لغتها الرسمية عربية بمرور الوقت بعد وفاة ابن خلدون بقرون وتنفع في دراسة كل مجتمع تعرض للغزو البدوي لكنها غير متخصصة ب “المجتمع العربي” وليست كافية كي يُعتمد عليها وتأخذ هذا الحيز الواسع عند الوردي وعند المغرمين به.

ج3.ورد التالي أعلاه:[مهما يكن الحال فان هذا الذي نقوله عن نظرية ابن خلدون لايعني انها كانت صحيحة اوكاملة في جميع تفاصيلها انها كأية نظرية اخرى من النظريات العظيمة لا بد ان تحتوي على نقائص واخطاء كمثل ما تحتوي على ابداع واصالة]انتهى.

مناقشة: انه كما قلتُ افتراض/رأي وليس نظرية…افتراض لم يعززه ابن خلدون بتحليل او بيانات او إحصاءات او نصوص او شهادات والنظرية تبقى فرضية الى ان يتم اثباتها بالحقائق العلمية والعملية وهذا لم يحصل. والوردي هنا يعترف ببطلان ما اتى به ابن خلدون عندما كتب: “لا يعني انها كانت صحيحة او كاملة في كل فصولها” وهي “تحوي على نقائص وأخطاء”…و(كانت) تلك التي وردت في هذا المقطع تدل انها اصلاً لم تكن صحيحة او كاملة من اصلها ويومها كما يُفهم وهذا هو الصحيح كما اتصور فالرجل ابن خلدون عممها على كل المجتمعات وكانت مرفوضة في ذلك منذ زمانها. عليه لا يمكن اعتماد وجهة نظر الراحل الوردي فيها. وقد تفضل علينا الراحل الوردي ببيان او تحديد تلك النقائص والأخطاء، بخطأين نوردهما هنا نصاً من ص37/كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/تحت عنوان فرعي/أهمية أبن خلدون /حيث كتب الوردي التالي:

ج4. الخطأ الأول هو: [أنه درس الصراع بين البداوة والحضارة في المجتمع العربي وظن أن هذا الصراع عام في جميع المجتمعات البشرية ولهذا رأيناه يحاول تفسير التاريخ البشري كله بأنه عبارة عن دورات متشابهة تتتابع مرة بعد مرة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم من الأمم] انتهى.

مناقشة: كما بينتُ أعلاه أن ابن خلدون درس تأثير البدو على المجتمعات التي وصلوا اليها غزاة او فاتحين او محتلين سواء كانت المجتمعات تلك المحيطة بالجزيرة العربية والتي سُميت بعد ابن خلدون بالعربية او غيرها وسواء كان البدو من العرب او التتار او المغول او الترك او القرغيز او غيرهم لذلك هو لم يظن ان هذا الصراع عام في كل المجتمعات البشرية والسبب لأنه يعرف ان البداوة لم تحتل او تغزوا او تفتح كل المجتمعات البشرية ومنها مجتمعات شمال الاندلس … وعليه فهو لم يرى ان كل التاريخ البشري الذي درس او قرأ عنه او عاش في جغرافيته أو اجتماعه كان عبارة عن دورات متتابعة متشابهة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم. يمكن ان “يكون” ذلك في حالة واحدة هي أن أبن خلدون تكلم عن الريف ولم يتكلم عن البدو وهذا موضوع قد يكون آخر يُبعِد فرضيات ويلغي استنتاجات الوردي…هنا يظهر التغيير او التلاعب أو التحريف في المفاهيم والمصطلحات والكلمات ورد في بعض ما ترك الراحل الوردي. وحتى لو كان هذا فلن يشمل كل المجتمعات لأن ما يحيط ويتفاعل ويتحكم في الريف الاندلسي او الأوربي بشكل عام يختلف عما هو عليه في الريف الشرقي “العربي” او الريف في بلاد المغرب …هكذا أتصور!

اليكم ما كتبه الوردي في ص51 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ عنوان فرعي: ما هي البداوة: [إن من العسير أن نعَّرف الحضارة تعريفاً وافياً فهي ظاهرة اجتماعية متغيرة، تختلف في كثير من معالمها وخصائصها باختلاف الزمان والمكان] انتهى.

مناقشة: هذا يعني ان الحضارة التي سادت او كانت قبل ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون تختلف عن الحضارة في زمانه وتختلف عن الحضارة في زمن الوردي الذي جاء بعد ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون.

ج5. ثم يُكمل الوردي ما قاله عن ابن خلدون: [هو يصف كل دورة بأنها تنشأ من جراء هجوم البدو على الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة ولكن هذه الدولة تنحط وتضعف تدريجياً لما ينالها من الترف والنعومة حتى تسقط اخيراً أثر هجوم موجة بدوية جديدة عليها وهكذا يتوالى ظهور الدول وسقوطها مرة بعد مرة] انتهى.

مناقشة: ان الراحل الوردي هنا يطرح طرح مهم وخطير ويؤثر على الكثير من طروحاته بخصوص البداوة والبدو وبالذات عن الحالة في العراق وما استنتجه عن المجتمع العراقي حين يقول:” ان البدو يهاجمون الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة”…ان هذا الطرح يعني أو كما يُفهم منه أن البدو هم مؤسسي الدول المزدهرة والوردي ونحن نعلم ان الدول او الدولة المزدهرة حالة مدنية حضارية وهذا يعني ان بُناة الحضارة هم البدو والصراع بين “البداوة والحضارة” الذي طرحه الراحل الوردي نقلاً عن ابن خلدون ما هو إلا صراع بين بدو سابقين وبدو لاحقين كما كتب الوردي وسيرد لاحقاً من ان صفات البداوة او الثقافة الاجتماعية بوجه عام لا تغادر اصحابها بسهولة اولا يتخلص منها البدو/الحظر بسهولة عند التقائهم مع الحضارة / البداوة . وهذا يعني ان الحضارة هي بداوة مستمرة متجددة. هكذا يمكن ان يُفهم طرح الراحل الوردي هذا…وان هذا الصراع هو الذي بنى ويبني الحضارة والرقي والذي أوصل العالم الى ما هو عليه اليوم. ان كان هذا صحيح او مقبول او معقول عند الوردي فالسؤال هنا هو: اين الازدهار الذي بناه البدو في العراق او سوريا او الاردن او المغرب؟ وان أجاب الوردي بنعم انها الحضارة الاموية والعباسية والاندلسية… اسأله هنا لماذا اندثرت تلك الحضارات؟ هل لأن البدو الجدد غير السابقين أي ليسوا بُناة دول مزدهرة؟

اليكم بعض ما كتبه الوردي عن الدولة والبداوة ايضاً حيث ورد:

1. في ص28 /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي كتب الوردي تحت عنوان فرعي /طبيعة التعاكس التالي: [مما يلفت النظر في أمر البداوة والحضارة انهما متعاكستان في كثير من قيمهما الاجتماعية…]. وكتب ايضاً: [هناك ناحيتان يتضح فيهما التعاكس او التناقض بين البداوة والحضارة هما الدولة والاحتراف]. (ملاحظة: الاحتراف يُقْصَدْ به اتخاذ حرفة او مهنة يكسب الانسان منها رزقه).

2.في ص111 من نفس الكتاب كتب الوردي: [لقد أشار ابن خلدون الى مثل هذا الفرق بين اخلاق البدو واخلاق الحضر وعزى سببه الى عاملين هما الحكومة والترف] انتهى

((مناقشة: في المقطع الأول حدد الوردي التعاكس او التناقض بين البداوة والحضارة في الدولة والاحتراف وفي الثاني حدده بالحكومة والترف…فهل يعني هذا ان الدولة هي الحكومة وان الاحتراف أي المهنة هي او هو الترف؟؟))

3.في ص29 يقول: [ان الدولة أساس مهم من أسس الحضارة]

4.في ص73 تحت عنوان فرعي /الدولة والبداوة كتب الوردي: [إن الحكومة أو الدولة بمعناها الاعم لا تنشأ عادةً إلا في الحضارة، فمن النادر أن نجد دولة تنشأ في الحياة البدوية أو البدائية] انتهى

ثم يقول: [الدولة لا تنشأ إلا في المجتمع الذي ينتج أكثر مما يستهلك، كما أشار العالم الاجتماعي “سيمز”. فالدولة تقوم على جباية الضرائب عادة. والمجتمع لا يستطيع أن يدفع الضرائب إلا إذا كان انتاجه الاقتصادي أكثر من حاجته المعاشية وهذا أمر لا يتم إلا في الحضارة حيث يكون الإنتاج منظماً وفيراً.] انتهى

(مناقشة: هنا شيء غريب يطرحه الراحل الوردي عن قيام الدول…وهذا يدفعني للسؤال: من هي تلك الدول التي كانت قائمة تحيط بالوردي وكان انتاجها الاقتصادي أكثر من حاجتها المعاشية؟ اطرح هذا السؤال لا ُشير الى أن الراحل الوردي اخذ ما كتبه “سيمز” ونقشه هنا وفسره دون أن يفكر به او يحلله…وهنا السؤال: هل يفكر الراحل الوردي عندما يكتب ام انه يخضع راغباً للاسترسال؟)).

5.في ص51 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ تحت عنوان فرعي/ما هي البداوة/كتب الوردي التالي:[ …أما البداوة فتعريفها ليس بمثل هذه الصعوبة انها في الغالب لا تتغير او تختلف اختلافاً كثيراً باختلاف الزمان والمكان فهي اليوم تشبه ما كانت عليه قبل مائة عام أو قبل عدة مئات من السنين وهي كذلك تتشابه في المناطق المختلفة تقريباً وهذا هو الذي دعا المؤرخ توينبي إلى وصف البداوة بأنها “حضارة مجمدة”]انتهى

أقول: الحقيقة هذا ربط غريب…أي حضارة تلك التي في البداوة “حضارة مجمده”؟ هل هناك فاعل خارجي جمدها ام تجمدت ذاتياً؟ وهل يقصد الراحل الوردي ان بداوة البدو العرب قبل الإسلام هي نفسها بعد الإسلام وإنها نفسها عند غزوهم للحضارة المحيطة بهم وهي نفسها التي غزت الاندلس وهي نفسها التي كانت زمن الوردي وربما هي القائمة اليوم كل حرارة هذه القرون لم تُذيب “الحضارة المجمدة”

ج6.ثم يقول الوردي: [أن هذه النظرية الخلدونية تصدق بدرجة كبيرة كما لا يخفى، على تاريخ المجتمع العربي وقد تصدق بدرجة أقل على تاريخ بعض المجتمعات الاخرى كما رأينا سابقاً. إنما هي على أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية] انتهى.

مناقشة: يكرر الراحل “النظرية” وأكرر انها فرضية. ثم يذكر”انها تَصْدُقْ كما لا يخفى” ولا اعرف كيف “كما لا يخفى” ولا يخفي على من؟ وأين هو “المجتمع العربي” في زمن الفتوحات او زمن ابن خلدون وحتى اليوم؟ثم يقول الوردي في هذا المقطع عبارة غريبة أخرى وهي “وقد تَصْدُقْ بدرجة اقل على تاريخ بعض المجتمعات الأخرى كما رأينا”. ويحق لي أن أسأل هنا: اين رأينا؟ واين هي بعض المجتمعات تلك؟ او أي مجتمعات هي تلك “بعض”؟ ثم يأتي ليقول”وعلى أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية والسؤال هنا:من عمم تلك “النظرية”على تاريخ كل المجتمعات البشرية حتى يتطوع الراحل الوردي على الاعتراض عليها؟ثم ماهوموقع”قد”في “قد تصدق” هنا؟.

انها “الفرضية” / الرأي تَصْدُقْ إنْ صدقَتْ على تاريخ البلدان التي غزاها البدو، ولا تَصْدُقْ على تاريخ أي بلد لم يصل اليه البدو. ثم إ ذا صدقت على تاريخ “المجتمع العربي” وبدرجة اقل على تاريخ بعض المجتمعات الأخرى…ما تأثيرها على حاضر تلك المجتمعات تحت تأثير الحضارة المتحركة المتغيرة؟ هل ثبات البداوة “حضارة مجمدة” هو الذي ينتصر على الحضارة غير المجمدة؟؟

ج6. [وهناك خطأ أخر اقترفه ابن خلدون هو انه ظن بأن العرب أشد الامم بداوةً وبعداً عن الحضارة ولهذا رأيناه
الراحل علي الوردي في ميزان (4): الوردي وابن خلدون
عبد الرضا حمد جاسم
abdulredha hamad2مقدمة: المقطع التالي طويل اعرضه كاملاً.. ومن ثم اُجزئه (ج1.. ج2… الخ) بالشكل او الصيغة التي لا تُفقده معناه ومقصده ومرماه لتسهل عليَّ مناقشته او تفكيكه وتحليله وتسهل على القارئ الكريم متابعته…فأعتذر.

………………

من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي الصادر عام 1965/النسخة التي استعير منها تلك الصادرة عن دار ومكتبة دجلة والفرات/2013 … في ص37 تحت عنوان فرعي: أهمية أبن خلدون … كَتَبَ الراحل الدكتور علي الوردي التالي:

[أمتاز أبن خلدون بميزتين لم يماثله فيهما أحد من الباحثين الاجتماعيين في جميع الأمم: أولهما: أنه كان اول باحث في العالم درس المجتمع دراسة واقعية غير “وعظيه” وهو في ذلك سبق زمانه بخمسة قرون. الميزة الثانية أنه كان ولا يزال أعظم من درس المجتمع العربي على اساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة. حين ندرس نظرية ابن خلدون نجدها في معظمها تدور حول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما ولهذا جاز القول بأن هذه النظرية هي على الرغم من قدم زمانها خير مرجع لنا لدراسة المجتمع العربي انها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع كمثل ما انبعثت النظريات الاجتماعية الحديثة من طبيعة المجتمع التي نشأت فيه. مهما يكن الحال فان هذا الذي نقوله عن نظرية ابن خلدون لا يعني انها كانت صحيحة او كاملة في جميع تفاصيلها انها كأية نظرية اخرى من النظريات العظيمة لا بد ان تحتوي على نقائص واخطاء كمثل ما تحتوي على ابداع واصالة.

من هذه الاخطاء أنه عندما درس الصراع بين البداوة والحضارة في المجتمع العربي وظن أن هذا الصراع عام في جميع المجتمعات البشرية ولهذا رأيناه يحاول تفسير التاريخ البشري كله بأنه عبارة عن دورات متشابهة تتتابع مرة بعد مرة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم من الأمم. هو يصف كل دورة بأنها تنشأ من جراء هجوم البدو على الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة ولكن هذه الدولة تنحط وتضعف تدريجياً لما ينالها من الترف والنعومة حتى تسقط اخيراً أثر هجوم موجة بدوية جديدة عليها وهكذا يتوالى ظهور الدول وسقوطها مرة بعد مرة. أن هذه النظرية الخلدونية تصدق بدرجة كبيرة كما لا يخفى، على تاريخ المجتمع العربي وقد تصدق بدرجة أقل على تاريخ بعض المجتمعات الاخرى كما رأينا سابقاً. إنما هي على أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية. وهناك خطأ أخر اقترفه ابن خلدون هو انه ظن بأن العرب أشد الامم بداوةً وبعداً عن الحضارة ولهذا رأيناه يصف العرب بكل ما يناقض صفات الحضارة من تخريب ووحشية وخشونة وما اشبه. وهذا الذي جعل بعض دعاة القومية العربية في عصرنا يذمون ابن خلدون ويوصون بحرق كتبه ونبش قبره باسم القومية. الغريب من ابن خلدون انه قال بذلك الراي المتطرف في العرب وهو يعيش في عصر كانت وحشية المغول وتخريبهم ملأ الأسماع والأبصار في كل مكان وقد اتيح له ان يكون في الشام عند اجتياح تيمورلنك لها وشهد مدى التخريب الفظيع والنهب والحرق والقتل الذي حدث فيها على يد التتر المتوحشين وكان ابن خلدون يعرف ماذا صنع تيمورلنك في المدن الاخرى وما صنع اسلافه ك “هولاكو وجنكيز خان” قبله] انتهى.

المناقشة:

ج1.ورد أعلاه: [أمتاز أبن خلدون بميزتين لم يماثله فيهما أحد من الباحثين الاجتماعيين في جميع الأمم: أولهما: أنه كان اول باحث في العالم درس المجتمع دراسة واقعية غير “وعظيه” وهو في ذلك سبق زمانه بخمسة قرون. الميزة الثانية أنه كان ولا يزال أعظم من درس المجتمع العربي على اساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة] انتهى.

المناقشة: انظروا الى ما نهى عنه العلماء وأقره وكتبه ونشره الراحل الوردي نفسه واقصد الاطلاق والجزم والقطع والتأكيد الذي اعتمده الراحل الوردي هنا. “لم يماثله أحد” و”في جميع الأمم”. كيف وقف الراحل الوردي على هاتين الميزتين عند ابن خلدون؟

اليكم رأي الوردي الصريح بهذا الموضوع حيث كتب في ص312 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/الفصل 11/تحت العنوان الفرعي: ازدواج الشخصية في المدن: [يؤسفني حقا ان أرى أستاذا جامعيا يميل الى الجزم والقطع في اراءه العلمية فهو قد أجاب من سأله عن وجود ازدواج الشخصية في العراق قائلا “لا، بكل تأكيد” وهو لو اطلع على ما جاء به علماء الاجتماع في الموضوع لربما غير رأيه القاطع هذا. أن المنهج العلمي لا يعرف القطع والجزم والتأكيد بل هو يميل الى التشكيك والظن والترجيح عند ابداء رأي من الآراء وبغير هذا لا يمكن للعلم ان ينمو ويتطور يوماً بعد يوم] أنتهى:

ثم يعود الدكتور الوردي لنفس الامر حيث ذكر التالي:” أول باحث في العالم…الخ” و”أعظم من درس المجتمع العربي”

لو قال انه كان من أوائل الباحثين الاجتماعيين اوقال أنه من الذين درسوا…الخ. او قدَّم لما تفضل به بكلمات مثل اعتقد او أتصور او ربما او انهى ما تفضل به ب”أتصور” أو “على الأرجح” او “هذا رايي”. لكان ادق وأصح وأفضل.

ثم ماذا يعني الوردي: (دراسة واقعية غير”وعظية”)؟ دراسة واقعية قد تكون مقبولة ومفهومة. لكن”غيروعظية” ماذا تعني؟ هل تعني انها أسلوب اوطريقة لدراسة المجتمع كان عليها مجايليه وسابقيه من علماء الاجتماع وهو”ابن خلدون” طَرَقَ غيرها فتميز؟

ماذا يقصد الوردي ب:”سبق زمانه بخمسة قرون”؟ لو قال الوردي ان عقل ابن خلدون او تحليل ابن خلدون سبق زمانه بخمسة قرون لكان الحال اصح ويتوافق مع ما يرغب به الراحل الوردي أو أرادهُ.لأن هذا الاطلاق لا يتحدد بهذه الحالة انما بكل “ابن خلدون” وما ترك.

رأيي ان ابن خلدون قرأ ما كُتِبَ وسَمِعَ ما نُقِلَ شفاهاً عما حصل قبل زمانه بخمسة قرون اواكثر في بلاد المغرب وعايش ما جرى ويجري في بلاد الاندلس قبل الوردي بأكثر من خمسة قرون. عليه هو لم يسبق زمانه وانما عاد الى الوراء خمسة قرون ليأخذ ما يناسبه مما ترك الاقدمون اي اهل ذلك الزمان من دراسات وحكايات وآثار وكانت متيسره امامه لما كان عليه من موقع اداري/وطيفي وموقع وعظي ديني وموقع ادبي وعلمي فأخذ ما يريد وحلله وقارنه درسه وكتب ما توصل اليه في زمانه ووفق المعطيات التي كانت او التي استخلصها وصاغ تصوراته وفق فهمه وفهم زمانه اما إذا جاء بعد ذلك من يؤيد تلك الصياغات او الفرضيات بعد زمانه بخمسة قرون واكثر” كما عاد الراحل الوردي الى خمسة قرون” فهذا لا يعني ان ابن خلدون سبق زمانه بخمسة قرون. لأن ما جاء به ابن خلدون فرضية او اجتهاد يحتمل او تحتمل الصح والخطأ وعلى قول الوردي المأثور: “انها قد تَصُحْ اوقد لا تَصُحْ” والتواجد في الزمان كما أتصور لا يتحدد بعبارة واحدة او صفحة واحدة او فكرة واحدة من بين الاف الدراسات أو الآراء والأفكار…هكذا أتصور و”قد يصح هذا التصور اوقد لا يصح”.

ومِنْ مَزجْ الميزتين اعلاه نستخلص ان الراحل الوردي يعلن هنا ان ابن خلدون كان وما يزال من أعظم الباحثين الاجتماعيين في كل الأمم ممن درسوا “المجتمع العربي” دراسة واقعية غير “وعظية”…

السؤال الذي يقفز هنا هو: هل هناك باحثين اجتماعيين “كانوا” سبقوا او زاملوا او جايلوا ابن خلدون درسوا “المجتمع العربي” بطريقة أخرى ربما”وعظية” وجاء ابن خلدون فدرس المجتمع العربي دراسة غير وعظية وعلى أساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة حتى يتفرد ابن خلدون بتلك الميزة؟ يمكن ان يُفهم من هذه الصيغة بأن ابن خلدون ليس الوحيد لكنه الأعظم والأول والأوحد والأزلي.

انا هنا وفي التاليات لا اريد ان يتيه القارئ في أمور جانبية …بل اريد ان يعرف ان الوردي درس ابن خلدون او قرأ ابن خلدون بتقديس غريب وبتطرف كما هنا. اعتقد ان هذا ليس ببحث علمي او دراسة واعتراضي هنا على صيغة التعظيم والتقديس التي بها الوردي هنا مع ابن خلدون والتي جعلت الوردي يكتب بعاطفة كما كُتِبَ عنه (الوردي) بعد ذلك من قِبَلْ محبيه. واُثيرُها هنا لأن الراحل الوردي سيعود ليذم ابن خلدون بتطرف لا يقل عن تطرفه في تعظيمه دون حتى محاولة ولو بسيطة كما يبدو لتفهم موقف ابن خلدون او وفق الشك بما نُقل من حوادث او مواقف نُسبت الى ابن خلدون… فالمتوفر هنا ركيك في ذم ابن خلدون.

اين وجد الوردي من كان يشير الى “المجتمع العربي” وقت ابن خلدون اووقت الفتوحات او الغزوات الإسلامية “البدوية”؟

بل هل كان هناك “مجتمع عربي “في بلاد المغرب عند الفتوحات الإسلامية او حتى على أيام ابن خلدون؟

اعتقد انه لا يوجد “مجتمع عربي” وقت ذاك حتى درسه ابن خلدون… ولا يوجد “مجتمع عربي” تعرض للفتوحات او الغزوات الإسلامية او الاحتلالات “البدوية” حيث أن كل البلدان التي خرج عليها او اليها البدو العرب في الفتوحات او الغزوات او الاحتلالات الإسلامية ليست عربية انما صار في بعضها بعض عرب على أيام ابن خلدون.ويمكن لي ان أقول “وهو اجتهاد” ان ما جرى كان وربما ما يزال هو صراع بين بداوة عربية وحضارة غيرعربية في مجتمع غير عربي.

ان كان الراحل الوردي على قناعة تامة بوجود “مجتمع عربي” وقتذاك فهذا يفرض عليه في حينه ان يبين حدود ذلك الجغرافية والثقافية ويبين بوضوح وأسانيد هل كانت الثقافة الاجتماعية السائدة وقت ابن خلدون وقبله بأكثر من خمسة قرون هي الثقافة الاجتماعية البدوية؟

أبن خلدون كما قلت اعلاه دَرَسَ او سَمِعَ او قرأ عن تأثير البدو الغزاة/الفاتحين /المحتلين على المجتمعات التي وصلوا اليها /فتحوها / غزواها /احتلوها. وهي ليست “مجتمعات عربية” او” مجتمع عربي” فكل خروج للمسلمين من جزيرة العرب كان الى بلدان غير عربية فلا يجوز ان نقول “مجتمع عربي”المجتمع العربي هوالمجتمع البدوي فقط والمحدد بشبه جزيرة العرب.علماً أن هناك بدو غيرعرب اولئك الذين وصلت جيوشهم الى بلدان صار فيها عرب مثل العراق والشام.

اليكم التالي أتمنى ان تقارنوا ما يرد فيه مع عبارة الوردي أعلاه حيث كتب الراحل الوردي في / كراسة شخصية الفرد العراقي/بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث/1951 ص15 التالي: [أن من دواعي الفخار لنا حقاً أن نجد أن الحضارة الاسلامية قد أنتجت مفكراً يختلف في هذا الصدد عن غيره من القدماء هو المفكر العربي المشهور عبد الرحمن ابن خلدون. فقد حاول هذا المفكر ان يدرس شخصية الانسان لا على اساس الموعظة والارشاد كدأب الناس قبله. بل على اساس الحقيقة الراهنة التي لا محيص عنها] انتهى.

لقد حدد الراحل الوردي هنا الحضارة الإسلامية وليس العربية. وتكلم عن الانسان بشكل عام ولم يخصص الانسان العربي وعن محاولة مفكر عربي اسمه ابن خلدون…اي انها في نظره حتى عام 1951 محاولة وليست نظرية …و لا اعرف هل ان الراحل الوردي حسم موضوع الانتساب او الانحدار القومي لأبن خلدون من انه عربي او امازيغي…لم يقدم لنا دليل غير ما منشور وهو ضعيف ومختلف عليه.

واكرر استغرابي هنا بسؤال :هل هناك دراسة مجتمع تتم بطريقة القاء المواعظ او الارشادات؟؟؟

وتطرق الراحل الوردي الى “الحقيقة الراهنة” التي كانت أساس دراسة ابن خلدون؟

و هنا يحق لي ان اسأل: هل ما جاء به ابن خلدون مطابق للواقع.؟ اوهل استمر الواقع الذي أنتج تلك الحقيقة متواصلاً منذ ما قبل ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون الى ما بعده بأكثر من خمسة قرون؟ وهل عاش ابن خلدون ذلك الواقع /الحقيقة أو اقترب منها او منه؟ هل يُعقل أن الحضارة “دائمة الحركة والتطور والتَّغير” عجزت لأكثر من عشرة قرون على أن تُغير ما بأنفس او أعماق البدو وهل يٌعقل حصول العكس؟

على كل الأحوال كل ما في تلك الرحلة الطويلة لأكثر من عشرة قرون تنفي عبارة:[[…بل على أساس الحقيقة الراهنة التي لا محيص عنها]]. لا اعرف أسباب اختيار الراحل الوردي الى كلمة او مفهوم “راهنة” هل يقصد بها الدوام/الثبات وهذا ما اعتقد او يقصد بها الحضور/الحاضر “وقت ابن خلدون”…لأن الحقيقة/الواقع متحركة/ متحرك خلال مسافة زمنية تجاوزت العشرة قرون.

اعتقد ان الراحل الوردي اعتبر ذلك “حقيقة راهنة لا محيص عنها” لأنها تطابقت مع ما يريد أو مع ما أراده أن يكون أساس لما جاء به بعد ذلك وهذا ليس بجديد او مستغرب عن أو على الراحل الوردي.

……….

ج2.ورد اعلاه: [حين ندرس نظرية ابن خلدون نجدها في معظمها تدورحول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما ولهذا جاز القول بأن هذه النظرية هي على الرغم من قدم زمانها خيرمرجع لنا لدراسة المجتمع العربي انها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع كمثل ما انبعثت النظريات الاجتماعية الحديثة من طبيعة المجتمع التي نشأت فيه]انتهى

مناقشة: انها فرضية/رأي أو فرضيات/آراء ابن خلدون وليست نظرية تلك التي كانت تدور حول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما… كذلك فأن ابن خلدون لم يحدد البداوة العربية و”الحضارة العربية” فقط. وهنا التحريف القسري لفرضية ابن خلدون الذي تعمده الوردي. ابن خلدون تكلم عن كل بداوة وحضارة والوردي حصرها في البداوة العربية و”الحضارة العربية”. وحتى لو شملها ابن خلدون وبنى على ما سمع عنها لكنه لم يتحدث عن صراعها مع “الحضارة العربية “لأنه اصلاً لا توجد حضارة عربية تعرضت لغزو بدو عرب والجميع بما فيهم ابن خلدون والوردي يعرفون ان هناك بدو غير عرب اجتاحوا بلدان مختلفة من بعضها بلدان فيها بعض عرب “غزوات المغول وتيمورلنك”. يمكن ان نقول انه صراع بين الحضارة الوافدة مع البداوة الراسخة هذا بالنسبة ل”لمجتمع العربي”.

ثم لا يمكن ان نقول على اوعن ما تركه ابن خلدون بانها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع ويقصد الوردي هنا “المجتمع العربي”. ربما وردت عبارة “هذا المجتمع “في طروحات ابن خلدون لكنه لا يقصد ما أطْلَقَ عليه الوردي تحريفاً “المجتمع العربي”. انها انبعثت من المجتمع الذي عاش فيه ابن خلدون وكتب ما كتب فيه وكان في جزء من تلك الفترة مغرم بالأندلس وما عاش هناك.

نعم يمكن ان تكون طروحات أو آراء ابن خلدون تلك مرجع لدراسة حالة المجتمعات التي صارت لغتها الرسمية عربية بمرور الوقت بعد وفاة ابن خلدون بقرون وتنفع في دراسة كل مجتمع تعرض للغزو البدوي لكنها غير متخصصة ب “المجتمع العربي” وليست كافية كي يُعتمد عليها وتأخذ هذا الحيز الواسع عند الوردي وعند المغرمين به.

ج3.ورد التالي أعلاه:[مهما يكن الحال فان هذا الذي نقوله عن نظرية ابن خلدون لايعني انها كانت صحيحة اوكاملة في جميع تفاصيلها انها كأية نظرية اخرى من النظريات العظيمة لا بد ان تحتوي على نقائص واخطاء كمثل ما تحتوي على ابداع واصالة]انتهى.

مناقشة: انه كما قلتُ افتراض/رأي وليس نظرية…افتراض لم يعززه ابن خلدون بتحليل او بيانات او إحصاءات او نصوص او شهادات والنظرية تبقى فرضية الى ان يتم اثباتها بالحقائق العلمية والعملية وهذا لم يحصل. والوردي هنا يعترف ببطلان ما اتى به ابن خلدون عندما كتب: “لا يعني انها كانت صحيحة او كاملة في كل فصولها” وهي “تحوي على نقائص وأخطاء”…و(كانت) تلك التي وردت في هذا المقطع تدل انها اصلاً لم تكن صحيحة او كاملة من اصلها ويومها كما يُفهم وهذا هو الصحيح كما اتصور فالرجل ابن خلدون عممها على كل المجتمعات وكانت مرفوضة في ذلك منذ زمانها. عليه لا يمكن اعتماد وجهة نظر الراحل الوردي فيها. وقد تفضل علينا الراحل الوردي ببيان او تحديد تلك النقائص والأخطاء، بخطأين نوردهما هنا نصاً من ص37/كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/تحت عنوان فرعي/أهمية أبن خلدون /حيث كتب الوردي التالي:

ج4. الخطأ الأول هو: [أنه درس الصراع بين البداوة والحضارة في المجتمع العربي وظن أن هذا الصراع عام في جميع المجتمعات البشرية ولهذا رأيناه يحاول تفسير التاريخ البشري كله بأنه عبارة عن دورات متشابهة تتتابع مرة بعد مرة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم من الأمم] انتهى.

مناقشة: كما بينتُ أعلاه أن ابن خلدون درس تأثير البدو على المجتمعات التي وصلوا اليها غزاة او فاتحين او محتلين سواء كانت المجتمعات تلك المحيطة بالجزيرة العربية والتي سُميت بعد ابن خلدون بالعربية او غيرها وسواء كان البدو من العرب او التتار او المغول او الترك او القرغيز او غيرهم لذلك هو لم يظن ان هذا الصراع عام في كل المجتمعات البشرية والسبب لأنه يعرف ان البداوة لم تحتل او تغزوا او تفتح كل المجتمعات البشرية ومنها مجتمعات شمال الاندلس … وعليه فهو لم يرى ان كل التاريخ البشري الذي درس او قرأ عنه او عاش في جغرافيته أو اجتماعه كان عبارة عن دورات متتابعة متشابهة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم. يمكن ان “يكون” ذلك في حالة واحدة هي أن أبن خلدون تكلم عن الريف ولم يتكلم عن البدو وهذا موضوع قد يكون آخر يُبعِد فرضيات ويلغي استنتاجات الوردي…هنا يظهر التغيير او التلاعب أو التحريف في المفاهيم والمصطلحات والكلمات ورد في بعض ما ترك الراحل الوردي. وحتى لو كان هذا فلن يشمل كل المجتمعات لأن ما يحيط ويتفاعل ويتحكم في الريف الاندلسي او الأوربي بشكل عام يختلف عما هو عليه في الريف الشرقي “العربي” او الريف في بلاد المغرب …هكذا أتصور!

اليكم ما كتبه الوردي في ص51 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ عنوان فرعي: ما هي البداوة: [إن من العسير أن نعَّرف الحضارة تعريفاً وافياً فهي ظاهرة اجتماعية متغيرة، تختلف في كثير من معالمها وخصائصها باختلاف الزمان والمكان] انتهى.

مناقشة: هذا يعني ان الحضارة التي سادت او كانت قبل ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون تختلف عن الحضارة في زمانه وتختلف عن الحضارة في زمن الوردي الذي جاء بعد ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون.

ج5. ثم يُكمل الوردي ما قاله عن ابن خلدون: [هو يصف كل دورة بأنها تنشأ من جراء هجوم البدو على الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة ولكن هذه الدولة تنحط وتضعف تدريجياً لما ينالها من الترف والنعومة حتى تسقط اخيراً أثر هجوم موجة بدوية جديدة عليها وهكذا يتوالى ظهور الدول وسقوطها مرة بعد مرة] انتهى.

مناقشة: ان الراحل الوردي هنا يطرح طرح مهم وخطير ويؤثر على الكثير من طروحاته بخصوص البداوة والبدو وبالذات عن الحالة في العراق وما استنتجه عن المجتمع العراقي حين يقول:” ان البدو يهاجمون الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة”…ان هذا الطرح يعني أو كما يُفهم منه أن البدو هم مؤسسي الدول المزدهرة والوردي ونحن نعلم ان الدول او الدولة المزدهرة حالة مدنية حضارية وهذا يعني ان بُناة الحضارة هم البدو والصراع بين “البداوة والحضارة” الذي طرحه الراحل الوردي نقلاً عن ابن خلدون ما هو إلا صراع بين بدو سابقين وبدو لاحقين كما كتب الوردي وسيرد لاحقاً من ان صفات البداوة او الثقافة الاجتماعية بوجه عام لا تغادر اصحابها بسهولة اولا يتخلص منها البدو/الحظر بسهولة عند التقائهم مع الحضارة / البداوة . وهذا يعني ان الحضارة هي بداوة مستمرة متجددة. هكذا يمكن ان يُفهم طرح الراحل الوردي هذا…وان هذا الصراع هو الذي بنى ويبني الحضارة والرقي والذي أوصل العالم الى ما هو عليه اليوم. ان كان هذا صحيح او مقبول او معقول عند الوردي فالسؤال هنا هو: اين الازدهار الذي بناه البدو في العراق او سوريا او الاردن او المغرب؟ وان أجاب الوردي بنعم انها الحضارة الاموية والعباسية والاندلسية… اسأله هنا لماذا اندثرت تلك الحضارات؟ هل لأن البدو الجدد غير السابقين أي ليسوا بُناة دول مزدهرة؟

اليكم بعض ما كتبه الوردي عن الدولة والبداوة ايضاً حيث ورد:

1. في ص28 /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي كتب الوردي تحت عنوان فرعي /طبيعة التعاكس التالي: [مما يلفت النظر في أمر البداوة والحضارة انهما متعاكستان في كثير من قيمهما الاجتماعية…]. وكتب ايضاً: [هناك ناحيتان يتضح فيهما التعاكس او التناقض بين البداوة والحضارة هما الدولة والاحتراف]. (ملاحظة: الاحتراف يُقْصَدْ به اتخاذ حرفة او مهنة يكسب الانسان منها رزقه).

2.في ص111 من نفس الكتاب كتب الوردي: [لقد أشار ابن خلدون الى مثل هذا الفرق بين اخلاق البدو واخلاق الحضر وعزى سببه الى عاملين هما الحكومة والترف] انتهى

((مناقشة: في المقطع الأول حدد الوردي التعاكس او التناقض بين البداوة والحضارة في الدولة والاحتراف وفي الثاني حدده بالحكومة والترف…فهل يعني هذا ان الدولة هي الحكومة وان الاحتراف أي المهنة هي او هو الترف؟؟))

3.في ص29 يقول: [ان الدولة أساس مهم من أسس الحضارة]

4.في ص73 تحت عنوان فرعي /الدولة والبداوة كتب الوردي: [إن الحكومة أو الدولة بمعناها الاعم لا تنشأ عادةً إلا في الحضارة، فمن النادر أن نجد دولة تنشأ في الحياة البدوية أو البدائية] انتهى

ثم يقول: [الدولة لا تنشأ إلا في المجتمع الذي ينتج أكثر مما يستهلك، كما أشار العالم الاجتماعي “سيمز”. فالدولة تقوم على جباية الضرائب عادة. والمجتمع لا يستطيع أن يدفع الضرائب إلا إذا كان انتاجه الاقتصادي أكثر من حاجته المعاشية وهذا أمر لا يتم إلا في الحضارة حيث يكون الإنتاج منظماً وفيراً.] انتهى

(مناقشة: هنا شيء غريب يطرحه الراحل الوردي عن قيام الدول…وهذا يدفعني للسؤال: من هي تلك الدول التي كانت قائمة تحيط بالوردي وكان انتاجها الاقتصادي أكثر من حاجتها المعاشية؟ اطرح هذا السؤال لا ُشير الى أن الراحل الوردي اخذ ما كتبه “سيمز” ونقشه هنا وفسره دون أن يفكر به او يحلله…وهنا السؤال: هل يفكر الراحل الوردي عندما يكتب ام انه يخضع راغباً للاسترسال؟)).

5.في ص51 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ تحت عنوان فرعي/ما هي البداوة/كتب الوردي التالي:[ …أما البداوة فتعريفها ليس بمثل هذه الصعوبة انها في الغالب لا تتغير او تختلف اختلافاً كثيراً باختلاف الزمان والمكان فهي اليوم تشبه ما كانت عليه قبل مائة عام أو قبل عدة مئات من السنين وهي كذلك تتشابه في المناطق المختلفة تقريباً وهذا هو الذي دعا المؤرخ توينبي إلى وصف البداوة بأنها “حضارة مجمدة”]انتهى

أقول: الحقيقة هذا ربط غريب…أي حضارة تلك التي في البداوة “حضارة مجمده”؟ هل هناك فاعل خارجي جمدها ام تجمدت ذاتياً؟ وهل يقصد الراحل الوردي ان بداوة البدو العرب قبل الإسلام هي نفسها بعد الإسلام وإنها نفسها عند غزوهم للحضارة المحيطة بهم وهي نفسها التي غزت الاندلس وهي نفسها التي كانت زمن الوردي وربما هي القائمة اليوم كل حرارة هذه القرون لم تُذيب “الحضارة المجمدة”

ج6.ثم يقول الوردي: [أن هذه النظرية الخلدونية تصدق بدرجة كبيرة كما لا يخفى، على تاريخ المجتمع العربي وقد تصدق بدرجة أقل على تاريخ بعض المجتمعات الاخرى كما رأينا سابقاً. إنما هي على أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية] انتهى.

مناقشة: يكرر الراحل “النظرية” وأكرر انها فرضية. ثم يذكر”انها تَصْدُقْ كما لا يخفى” ولا اعرف كيف “كما لا يخفى” ولا يخفي على من؟ وأين هو “المجتمع العربي” في زمن الفتوحات او زمن ابن خلدون وحتى اليوم؟ثم يقول الوردي في هذا المقطع عبارة غريبة أخرى وهي “وقد تَصْدُقْ بدرجة اقل على تاريخ بعض المجتمعات الأخرى كما رأينا”. ويحق لي أن أسأل هنا: اين رأينا؟ واين هي بعض المجتمعات تلك؟ او أي مجتمعات هي تلك “بعض”؟ ثم يأتي ليقول”وعلى أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية والسؤال هنا:من عمم تلك “النظرية”على تاريخ كل المجتمعات البشرية حتى يتطوع الراحل الوردي على الاعتراض عليها؟ثم ماهوموقع”قد”في “قد تصدق” هنا؟.

انها “الفرضية” / الرأي تَصْدُقْ إنْ صدقَتْ على تاريخ البلدان التي غزاها البدو، ولا تَصْدُقْ على تاريخ أي بلد لم يصل اليه البدو. ثم إ ذا صدقت على تاريخ “المجتمع العربي” وبدرجة اقل على تاريخ بعض المجتمعات الأخرى…ما تأثيرها على حاضر تلك المجتمعات تحت تأثير الحضارة المتحركة المتغيرة؟ هل ثبات البداوة “حضارة مجمدة” هو الذي ينتصر على الحضارة غير المجمدة؟؟

ج6. [وهناك خطأ أخر اقترفه ابن خلدون هو انه ظن بأن العرب أشد الامم بداوةً وبعداً عن الحضارة ولهذا رأيناه يصف العرب بكل ما يناقض صفات الحضارة من تخريب ووحشية وخشونة وما اشبه. الغريب من ابن خلدون انه قال بذلك الراي المتطرف في العرب وهو يعيش في عصر كانت وحشية المغول وتخريبهم ملأ الأسماع والأبصار في كل مكان وقد اتيح له ان يكون في الشام عند اجتياح تيمورلنك لها وشهد مدى التخريب الفظيع والنهب والحرق والقتل الذي حدث فيها على يد التتر المتوحشين وكان ابن خلدون يعرف ماذا صنع تيمورلنك في المدن الاخرى وما صنع اسلافه ك “هولاكو وجنكيز خان” قبله.

الراحل علي الوردي في ميزان (4): الوردي وابن خلدون
عبد الرضا حمد جاسم
abdulredha hamad2مقدمة: المقطع التالي طويل اعرضه كاملاً.. ومن ثم اُجزئه (ج1.. ج2… الخ) بالشكل او الصيغة التي لا تُفقده معناه ومقصده ومرماه لتسهل عليَّ مناقشته او تفكيكه وتحليله وتسهل على القارئ الكريم متابعته…فأعتذر.

………………

من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي الصادر عام 1965/النسخة التي استعير منها تلك الصادرة عن دار ومكتبة دجلة والفرات/2013 … في ص37 تحت عنوان فرعي: أهمية أبن خلدون … كَتَبَ الراحل الدكتور علي الوردي التالي:

[أمتاز أبن خلدون بميزتين لم يماثله فيهما أحد من الباحثين الاجتماعيين في جميع الأمم: أولهما: أنه كان اول باحث في العالم درس المجتمع دراسة واقعية غير “وعظيه” وهو في ذلك سبق زمانه بخمسة قرون. الميزة الثانية أنه كان ولا يزال أعظم من درس المجتمع العربي على اساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة. حين ندرس نظرية ابن خلدون نجدها في معظمها تدور حول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما ولهذا جاز القول بأن هذه النظرية هي على الرغم من قدم زمانها خير مرجع لنا لدراسة المجتمع العربي انها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع كمثل ما انبعثت النظريات الاجتماعية الحديثة من طبيعة المجتمع التي نشأت فيه. مهما يكن الحال فان هذا الذي نقوله عن نظرية ابن خلدون لا يعني انها كانت صحيحة او كاملة في جميع تفاصيلها انها كأية نظرية اخرى من النظريات العظيمة لا بد ان تحتوي على نقائص واخطاء كمثل ما تحتوي على ابداع واصالة.

من هذه الاخطاء أنه عندما درس الصراع بين البداوة والحضارة في المجتمع العربي وظن أن هذا الصراع عام في جميع المجتمعات البشرية ولهذا رأيناه يحاول تفسير التاريخ البشري كله بأنه عبارة عن دورات متشابهة تتتابع مرة بعد مرة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم من الأمم. هو يصف كل دورة بأنها تنشأ من جراء هجوم البدو على الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة ولكن هذه الدولة تنحط وتضعف تدريجياً لما ينالها من الترف والنعومة حتى تسقط اخيراً أثر هجوم موجة بدوية جديدة عليها وهكذا يتوالى ظهور الدول وسقوطها مرة بعد مرة. أن هذه النظرية الخلدونية تصدق بدرجة كبيرة كما لا يخفى، على تاريخ المجتمع العربي وقد تصدق بدرجة أقل على تاريخ بعض المجتمعات الاخرى كما رأينا سابقاً. إنما هي على أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية. وهناك خطأ أخر اقترفه ابن خلدون هو انه ظن بأن العرب أشد الامم بداوةً وبعداً عن الحضارة ولهذا رأيناه يصف العرب بكل ما يناقض صفات الحضارة من تخريب ووحشية وخشونة وما اشبه. وهذا الذي جعل بعض دعاة القومية العربية في عصرنا يذمون ابن خلدون ويوصون بحرق كتبه ونبش قبره باسم القومية. الغريب من ابن خلدون انه قال بذلك الراي المتطرف في العرب وهو يعيش في عصر كانت وحشية المغول وتخريبهم ملأ الأسماع والأبصار في كل مكان وقد اتيح له ان يكون في الشام عند اجتياح تيمورلنك لها وشهد مدى التخريب الفظيع والنهب والحرق والقتل الذي حدث فيها على يد التتر المتوحشين وكان ابن خلدون يعرف ماذا صنع تيمورلنك في المدن الاخرى وما صنع اسلافه ك “هولاكو وجنكيز خان” قبله] انتهى.

المناقشة:

ج1.ورد أعلاه: [أمتاز أبن خلدون بميزتين لم يماثله فيهما أحد من الباحثين الاجتماعيين في جميع الأمم: أولهما: أنه كان اول باحث في العالم درس المجتمع دراسة واقعية غير “وعظيه” وهو في ذلك سبق زمانه بخمسة قرون. الميزة الثانية أنه كان ولا يزال أعظم من درس المجتمع العربي على اساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة] انتهى.

المناقشة: انظروا الى ما نهى عنه العلماء وأقره وكتبه ونشره الراحل الوردي نفسه واقصد الاطلاق والجزم والقطع والتأكيد الذي اعتمده الراحل الوردي هنا. “لم يماثله أحد” و”في جميع الأمم”. كيف وقف الراحل الوردي على هاتين الميزتين عند ابن خلدون؟

اليكم رأي الوردي الصريح بهذا الموضوع حيث كتب في ص312 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/الفصل 11/تحت العنوان الفرعي: ازدواج الشخصية في المدن: [يؤسفني حقا ان أرى أستاذا جامعيا يميل الى الجزم والقطع في اراءه العلمية فهو قد أجاب من سأله عن وجود ازدواج الشخصية في العراق قائلا “لا، بكل تأكيد” وهو لو اطلع على ما جاء به علماء الاجتماع في الموضوع لربما غير رأيه القاطع هذا. أن المنهج العلمي لا يعرف القطع والجزم والتأكيد بل هو يميل الى التشكيك والظن والترجيح عند ابداء رأي من الآراء وبغير هذا لا يمكن للعلم ان ينمو ويتطور يوماً بعد يوم] أنتهى:

ثم يعود الدكتور الوردي لنفس الامر حيث ذكر التالي:” أول باحث في العالم…الخ” و”أعظم من درس المجتمع العربي”

لو قال انه كان من أوائل الباحثين الاجتماعيين اوقال أنه من الذين درسوا…الخ. او قدَّم لما تفضل به بكلمات مثل اعتقد او أتصور او ربما او انهى ما تفضل به ب”أتصور” أو “على الأرجح” او “هذا رايي”. لكان ادق وأصح وأفضل.

ثم ماذا يعني الوردي: (دراسة واقعية غير”وعظية”)؟ دراسة واقعية قد تكون مقبولة ومفهومة. لكن”غيروعظية” ماذا تعني؟ هل تعني انها أسلوب اوطريقة لدراسة المجتمع كان عليها مجايليه وسابقيه من علماء الاجتماع وهو”ابن خلدون” طَرَقَ غيرها فتميز؟

ماذا يقصد الوردي ب:”سبق زمانه بخمسة قرون”؟ لو قال الوردي ان عقل ابن خلدون او تحليل ابن خلدون سبق زمانه بخمسة قرون لكان الحال اصح ويتوافق مع ما يرغب به الراحل الوردي أو أرادهُ.لأن هذا الاطلاق لا يتحدد بهذه الحالة انما بكل “ابن خلدون” وما ترك.

رأيي ان ابن خلدون قرأ ما كُتِبَ وسَمِعَ ما نُقِلَ شفاهاً عما حصل قبل زمانه بخمسة قرون اواكثر في بلاد المغرب وعايش ما جرى ويجري في بلاد الاندلس قبل الوردي بأكثر من خمسة قرون. عليه هو لم يسبق زمانه وانما عاد الى الوراء خمسة قرون ليأخذ ما يناسبه مما ترك الاقدمون اي اهل ذلك الزمان من دراسات وحكايات وآثار وكانت متيسره امامه لما كان عليه من موقع اداري/وطيفي وموقع وعظي ديني وموقع ادبي وعلمي فأخذ ما يريد وحلله وقارنه درسه وكتب ما توصل اليه في زمانه ووفق المعطيات التي كانت او التي استخلصها وصاغ تصوراته وفق فهمه وفهم زمانه اما إذا جاء بعد ذلك من يؤيد تلك الصياغات او الفرضيات بعد زمانه بخمسة قرون واكثر” كما عاد الراحل الوردي الى خمسة قرون” فهذا لا يعني ان ابن خلدون سبق زمانه بخمسة قرون. لأن ما جاء به ابن خلدون فرضية او اجتهاد يحتمل او تحتمل الصح والخطأ وعلى قول الوردي المأثور: “انها قد تَصُحْ اوقد لا تَصُحْ” والتواجد في الزمان كما أتصور لا يتحدد بعبارة واحدة او صفحة واحدة او فكرة واحدة من بين الاف الدراسات أو الآراء والأفكار…هكذا أتصور و”قد يصح هذا التصور اوقد لا يصح”.

ومِنْ مَزجْ الميزتين اعلاه نستخلص ان الراحل الوردي يعلن هنا ان ابن خلدون كان وما يزال من أعظم الباحثين الاجتماعيين في كل الأمم ممن درسوا “المجتمع العربي” دراسة واقعية غير “وعظية”…

السؤال الذي يقفز هنا هو: هل هناك باحثين اجتماعيين “كانوا” سبقوا او زاملوا او جايلوا ابن خلدون درسوا “المجتمع العربي” بطريقة أخرى ربما”وعظية” وجاء ابن خلدون فدرس المجتمع العربي دراسة غير وعظية وعلى أساس من طبيعة تكوينه الخاص أي على أساس ما جرى فيه من صراع بين البداوة والحضارة حتى يتفرد ابن خلدون بتلك الميزة؟ يمكن ان يُفهم من هذه الصيغة بأن ابن خلدون ليس الوحيد لكنه الأعظم والأول والأوحد والأزلي.

انا هنا وفي التاليات لا اريد ان يتيه القارئ في أمور جانبية …بل اريد ان يعرف ان الوردي درس ابن خلدون او قرأ ابن خلدون بتقديس غريب وبتطرف كما هنا. اعتقد ان هذا ليس ببحث علمي او دراسة واعتراضي هنا على صيغة التعظيم والتقديس التي بها الوردي هنا مع ابن خلدون والتي جعلت الوردي يكتب بعاطفة كما كُتِبَ عنه (الوردي) بعد ذلك من قِبَلْ محبيه. واُثيرُها هنا لأن الراحل الوردي سيعود ليذم ابن خلدون بتطرف لا يقل عن تطرفه في تعظيمه دون حتى محاولة ولو بسيطة كما يبدو لتفهم موقف ابن خلدون او وفق الشك بما نُقل من حوادث او مواقف نُسبت الى ابن خلدون… فالمتوفر هنا ركيك في ذم ابن خلدون.

اين وجد الوردي من كان يشير الى “المجتمع العربي” وقت ابن خلدون اووقت الفتوحات او الغزوات الإسلامية “البدوية”؟

بل هل كان هناك “مجتمع عربي “في بلاد المغرب عند الفتوحات الإسلامية او حتى على أيام ابن خلدون؟

اعتقد انه لا يوجد “مجتمع عربي” وقت ذاك حتى درسه ابن خلدون… ولا يوجد “مجتمع عربي” تعرض للفتوحات او الغزوات الإسلامية او الاحتلالات “البدوية” حيث أن كل البلدان التي خرج عليها او اليها البدو العرب في الفتوحات او الغزوات او الاحتلالات الإسلامية ليست عربية انما صار في بعضها بعض عرب على أيام ابن خلدون.ويمكن لي ان أقول “وهو اجتهاد” ان ما جرى كان وربما ما يزال هو صراع بين بداوة عربية وحضارة غيرعربية في مجتمع غير عربي.

ان كان الراحل الوردي على قناعة تامة بوجود “مجتمع عربي” وقتذاك فهذا يفرض عليه في حينه ان يبين حدود ذلك الجغرافية والثقافية ويبين بوضوح وأسانيد هل كانت الثقافة الاجتماعية السائدة وقت ابن خلدون وقبله بأكثر من خمسة قرون هي الثقافة الاجتماعية البدوية؟

أبن خلدون كما قلت اعلاه دَرَسَ او سَمِعَ او قرأ عن تأثير البدو الغزاة/الفاتحين /المحتلين على المجتمعات التي وصلوا اليها /فتحوها / غزواها /احتلوها. وهي ليست “مجتمعات عربية” او” مجتمع عربي” فكل خروج للمسلمين من جزيرة العرب كان الى بلدان غير عربية فلا يجوز ان نقول “مجتمع عربي”المجتمع العربي هوالمجتمع البدوي فقط والمحدد بشبه جزيرة العرب.علماً أن هناك بدو غيرعرب اولئك الذين وصلت جيوشهم الى بلدان صار فيها عرب مثل العراق والشام.

اليكم التالي أتمنى ان تقارنوا ما يرد فيه مع عبارة الوردي أعلاه حيث كتب الراحل الوردي في / كراسة شخصية الفرد العراقي/بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث/1951 ص15 التالي: [أن من دواعي الفخار لنا حقاً أن نجد أن الحضارة الاسلامية قد أنتجت مفكراً يختلف في هذا الصدد عن غيره من القدماء هو المفكر العربي المشهور عبد الرحمن ابن خلدون. فقد حاول هذا المفكر ان يدرس شخصية الانسان لا على اساس الموعظة والارشاد كدأب الناس قبله. بل على اساس الحقيقة الراهنة التي لا محيص عنها] انتهى.

لقد حدد الراحل الوردي هنا الحضارة الإسلامية وليس العربية. وتكلم عن الانسان بشكل عام ولم يخصص الانسان العربي وعن محاولة مفكر عربي اسمه ابن خلدون…اي انها في نظره حتى عام 1951 محاولة وليست نظرية …و لا اعرف هل ان الراحل الوردي حسم موضوع الانتساب او الانحدار القومي لأبن خلدون من انه عربي او امازيغي…لم يقدم لنا دليل غير ما منشور وهو ضعيف ومختلف عليه.

واكرر استغرابي هنا بسؤال :هل هناك دراسة مجتمع تتم بطريقة القاء المواعظ او الارشادات؟؟؟

وتطرق الراحل الوردي الى “الحقيقة الراهنة” التي كانت أساس دراسة ابن خلدون؟

و هنا يحق لي ان اسأل: هل ما جاء به ابن خلدون مطابق للواقع.؟ اوهل استمر الواقع الذي أنتج تلك الحقيقة متواصلاً منذ ما قبل ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون الى ما بعده بأكثر من خمسة قرون؟ وهل عاش ابن خلدون ذلك الواقع /الحقيقة أو اقترب منها او منه؟ هل يُعقل أن الحضارة “دائمة الحركة والتطور والتَّغير” عجزت لأكثر من عشرة قرون على أن تُغير ما بأنفس او أعماق البدو وهل يٌعقل حصول العكس؟

على كل الأحوال كل ما في تلك الرحلة الطويلة لأكثر من عشرة قرون تنفي عبارة:[[…بل على أساس الحقيقة الراهنة التي لا محيص عنها]]. لا اعرف أسباب اختيار الراحل الوردي الى كلمة او مفهوم “راهنة” هل يقصد بها الدوام/الثبات وهذا ما اعتقد او يقصد بها الحضور/الحاضر “وقت ابن خلدون”…لأن الحقيقة/الواقع متحركة/ متحرك خلال مسافة زمنية تجاوزت العشرة قرون.

اعتقد ان الراحل الوردي اعتبر ذلك “حقيقة راهنة لا محيص عنها” لأنها تطابقت مع ما يريد أو مع ما أراده أن يكون أساس لما جاء به بعد ذلك وهذا ليس بجديد او مستغرب عن أو على الراحل الوردي.

……….

ج2.ورد اعلاه: [حين ندرس نظرية ابن خلدون نجدها في معظمها تدورحول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما ولهذا جاز القول بأن هذه النظرية هي على الرغم من قدم زمانها خيرمرجع لنا لدراسة المجتمع العربي انها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع كمثل ما انبعثت النظريات الاجتماعية الحديثة من طبيعة المجتمع التي نشأت فيه]انتهى

مناقشة: انها فرضية/رأي أو فرضيات/آراء ابن خلدون وليست نظرية تلك التي كانت تدور حول المقارنة بين البداوة والحضارة وكيف حصل الصراع بينهما… كذلك فأن ابن خلدون لم يحدد البداوة العربية و”الحضارة العربية” فقط. وهنا التحريف القسري لفرضية ابن خلدون الذي تعمده الوردي. ابن خلدون تكلم عن كل بداوة وحضارة والوردي حصرها في البداوة العربية و”الحضارة العربية”. وحتى لو شملها ابن خلدون وبنى على ما سمع عنها لكنه لم يتحدث عن صراعها مع “الحضارة العربية “لأنه اصلاً لا توجد حضارة عربية تعرضت لغزو بدو عرب والجميع بما فيهم ابن خلدون والوردي يعرفون ان هناك بدو غير عرب اجتاحوا بلدان مختلفة من بعضها بلدان فيها بعض عرب “غزوات المغول وتيمورلنك”. يمكن ان نقول انه صراع بين الحضارة الوافدة مع البداوة الراسخة هذا بالنسبة ل”لمجتمع العربي”.

ثم لا يمكن ان نقول على اوعن ما تركه ابن خلدون بانها انبعثت من طبيعة هذا المجتمع ويقصد الوردي هنا “المجتمع العربي”. ربما وردت عبارة “هذا المجتمع “في طروحات ابن خلدون لكنه لا يقصد ما أطْلَقَ عليه الوردي تحريفاً “المجتمع العربي”. انها انبعثت من المجتمع الذي عاش فيه ابن خلدون وكتب ما كتب فيه وكان في جزء من تلك الفترة مغرم بالأندلس وما عاش هناك.

نعم يمكن ان تكون طروحات أو آراء ابن خلدون تلك مرجع لدراسة حالة المجتمعات التي صارت لغتها الرسمية عربية بمرور الوقت بعد وفاة ابن خلدون بقرون وتنفع في دراسة كل مجتمع تعرض للغزو البدوي لكنها غير متخصصة ب “المجتمع العربي” وليست كافية كي يُعتمد عليها وتأخذ هذا الحيز الواسع عند الوردي وعند المغرمين به.

ج3.ورد التالي أعلاه:[مهما يكن الحال فان هذا الذي نقوله عن نظرية ابن خلدون لايعني انها كانت صحيحة اوكاملة في جميع تفاصيلها انها كأية نظرية اخرى من النظريات العظيمة لا بد ان تحتوي على نقائص واخطاء كمثل ما تحتوي على ابداع واصالة]انتهى.

مناقشة: انه كما قلتُ افتراض/رأي وليس نظرية…افتراض لم يعززه ابن خلدون بتحليل او بيانات او إحصاءات او نصوص او شهادات والنظرية تبقى فرضية الى ان يتم اثباتها بالحقائق العلمية والعملية وهذا لم يحصل. والوردي هنا يعترف ببطلان ما اتى به ابن خلدون عندما كتب: “لا يعني انها كانت صحيحة او كاملة في كل فصولها” وهي “تحوي على نقائص وأخطاء”…و(كانت) تلك التي وردت في هذا المقطع تدل انها اصلاً لم تكن صحيحة او كاملة من اصلها ويومها كما يُفهم وهذا هو الصحيح كما اتصور فالرجل ابن خلدون عممها على كل المجتمعات وكانت مرفوضة في ذلك منذ زمانها. عليه لا يمكن اعتماد وجهة نظر الراحل الوردي فيها. وقد تفضل علينا الراحل الوردي ببيان او تحديد تلك النقائص والأخطاء، بخطأين نوردهما هنا نصاً من ص37/كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/تحت عنوان فرعي/أهمية أبن خلدون /حيث كتب الوردي التالي:

ج4. الخطأ الأول هو: [أنه درس الصراع بين البداوة والحضارة في المجتمع العربي وظن أن هذا الصراع عام في جميع المجتمعات البشرية ولهذا رأيناه يحاول تفسير التاريخ البشري كله بأنه عبارة عن دورات متشابهة تتتابع مرة بعد مرة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم من الأمم] انتهى.

مناقشة: كما بينتُ أعلاه أن ابن خلدون درس تأثير البدو على المجتمعات التي وصلوا اليها غزاة او فاتحين او محتلين سواء كانت المجتمعات تلك المحيطة بالجزيرة العربية والتي سُميت بعد ابن خلدون بالعربية او غيرها وسواء كان البدو من العرب او التتار او المغول او الترك او القرغيز او غيرهم لذلك هو لم يظن ان هذا الصراع عام في كل المجتمعات البشرية والسبب لأنه يعرف ان البداوة لم تحتل او تغزوا او تفتح كل المجتمعات البشرية ومنها مجتمعات شمال الاندلس … وعليه فهو لم يرى ان كل التاريخ البشري الذي درس او قرأ عنه او عاش في جغرافيته أو اجتماعه كان عبارة عن دورات متتابعة متشابهة ولا يختلف فيها العرب عن غيرهم. يمكن ان “يكون” ذلك في حالة واحدة هي أن أبن خلدون تكلم عن الريف ولم يتكلم عن البدو وهذا موضوع قد يكون آخر يُبعِد فرضيات ويلغي استنتاجات الوردي…هنا يظهر التغيير او التلاعب أو التحريف في المفاهيم والمصطلحات والكلمات ورد في بعض ما ترك الراحل الوردي. وحتى لو كان هذا فلن يشمل كل المجتمعات لأن ما يحيط ويتفاعل ويتحكم في الريف الاندلسي او الأوربي بشكل عام يختلف عما هو عليه في الريف الشرقي “العربي” او الريف في بلاد المغرب …هكذا أتصور!

اليكم ما كتبه الوردي في ص51 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ عنوان فرعي: ما هي البداوة: [إن من العسير أن نعَّرف الحضارة تعريفاً وافياً فهي ظاهرة اجتماعية متغيرة، تختلف في كثير من معالمها وخصائصها باختلاف الزمان والمكان] انتهى.

مناقشة: هذا يعني ان الحضارة التي سادت او كانت قبل ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون تختلف عن الحضارة في زمانه وتختلف عن الحضارة في زمن الوردي الذي جاء بعد ابن خلدون بأكثر من خمسة قرون.

ج5. ثم يُكمل الوردي ما قاله عن ابن خلدون: [هو يصف كل دورة بأنها تنشأ من جراء هجوم البدو على الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة ولكن هذه الدولة تنحط وتضعف تدريجياً لما ينالها من الترف والنعومة حتى تسقط اخيراً أثر هجوم موجة بدوية جديدة عليها وهكذا يتوالى ظهور الدول وسقوطها مرة بعد مرة] انتهى.

مناقشة: ان الراحل الوردي هنا يطرح طرح مهم وخطير ويؤثر على الكثير من طروحاته بخصوص البداوة والبدو وبالذات عن الحالة في العراق وما استنتجه عن المجتمع العراقي حين يقول:” ان البدو يهاجمون الحضارة المجاورة فيؤسسون فيها دولة مزدهرة”…ان هذا الطرح يعني أو كما يُفهم منه أن البدو هم مؤسسي الدول المزدهرة والوردي ونحن نعلم ان الدول او الدولة المزدهرة حالة مدنية حضارية وهذا يعني ان بُناة الحضارة هم البدو والصراع بين “البداوة والحضارة” الذي طرحه الراحل الوردي نقلاً عن ابن خلدون ما هو إلا صراع بين بدو سابقين وبدو لاحقين كما كتب الوردي وسيرد لاحقاً من ان صفات البداوة او الثقافة الاجتماعية بوجه عام لا تغادر اصحابها بسهولة اولا يتخلص منها البدو/الحظر بسهولة عند التقائهم مع الحضارة / البداوة . وهذا يعني ان الحضارة هي بداوة مستمرة متجددة. هكذا يمكن ان يُفهم طرح الراحل الوردي هذا…وان هذا الصراع هو الذي بنى ويبني الحضارة والرقي والذي أوصل العالم الى ما هو عليه اليوم. ان كان هذا صحيح او مقبول او معقول عند الوردي فالسؤال هنا هو: اين الازدهار الذي بناه البدو في العراق او سوريا او الاردن او المغرب؟ وان أجاب الوردي بنعم انها الحضارة الاموية والعباسية والاندلسية… اسأله هنا لماذا اندثرت تلك الحضارات؟ هل لأن البدو الجدد غير السابقين أي ليسوا بُناة دول مزدهرة؟

اليكم بعض ما كتبه الوردي عن الدولة والبداوة ايضاً حيث ورد:

1. في ص28 /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي كتب الوردي تحت عنوان فرعي /طبيعة التعاكس التالي: [مما يلفت النظر في أمر البداوة والحضارة انهما متعاكستان في كثير من قيمهما الاجتماعية…]. وكتب ايضاً: [هناك ناحيتان يتضح فيهما التعاكس او التناقض بين البداوة والحضارة هما الدولة والاحتراف]. (ملاحظة: الاحتراف يُقْصَدْ به اتخاذ حرفة او مهنة يكسب الانسان منها رزقه).

2.في ص111 من نفس الكتاب كتب الوردي: [لقد أشار ابن خلدون الى مثل هذا الفرق بين اخلاق البدو واخلاق الحضر وعزى سببه الى عاملين هما الحكومة والترف] انتهى

((مناقشة: في المقطع الأول حدد الوردي التعاكس او التناقض بين البداوة والحضارة في الدولة والاحتراف وفي الثاني حدده بالحكومة والترف…فهل يعني هذا ان الدولة هي الحكومة وان الاحتراف أي المهنة هي او هو الترف؟؟))

3.في ص29 يقول: [ان الدولة أساس مهم من أسس الحضارة]

4.في ص73 تحت عنوان فرعي /الدولة والبداوة كتب الوردي: [إن الحكومة أو الدولة بمعناها الاعم لا تنشأ عادةً إلا في الحضارة، فمن النادر أن نجد دولة تنشأ في الحياة البدوية أو البدائية] انتهى

ثم يقول: [الدولة لا تنشأ إلا في المجتمع الذي ينتج أكثر مما يستهلك، كما أشار العالم الاجتماعي “سيمز”. فالدولة تقوم على جباية الضرائب عادة. والمجتمع لا يستطيع أن يدفع الضرائب إلا إذا كان انتاجه الاقتصادي أكثر من حاجته المعاشية وهذا أمر لا يتم إلا في الحضارة حيث يكون الإنتاج منظماً وفيراً.] انتهى

(مناقشة: هنا شيء غريب يطرحه الراحل الوردي عن قيام الدول…وهذا يدفعني للسؤال: من هي تلك الدول التي كانت قائمة تحيط بالوردي وكان انتاجها الاقتصادي أكثر من حاجتها المعاشية؟ اطرح هذا السؤال لا ُشير الى أن الراحل الوردي اخذ ما كتبه “سيمز” ونقشه هنا وفسره دون أن يفكر به او يحلله…وهنا السؤال: هل يفكر الراحل الوردي عندما يكتب ام انه يخضع راغباً للاسترسال؟)).

5.في ص51 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ تحت عنوان فرعي/ما هي البداوة/كتب الوردي التالي:[ …أما البداوة فتعريفها ليس بمثل هذه الصعوبة انها في الغالب لا تتغير او تختلف اختلافاً كثيراً باختلاف الزمان والمكان فهي اليوم تشبه ما كانت عليه قبل مائة عام أو قبل عدة مئات من السنين وهي كذلك تتشابه في المناطق المختلفة تقريباً وهذا هو الذي دعا المؤرخ توينبي إلى وصف البداوة بأنها “حضارة مجمدة”]انتهى

أقول: الحقيقة هذا ربط غريب…أي حضارة تلك التي في البداوة “حضارة مجمده”؟ هل هناك فاعل خارجي جمدها ام تجمدت ذاتياً؟ وهل يقصد الراحل الوردي ان بداوة البدو العرب قبل الإسلام هي نفسها بعد الإسلام وإنها نفسها عند غزوهم للحضارة المحيطة بهم وهي نفسها التي غزت الاندلس وهي نفسها التي كانت زمن الوردي وربما هي القائمة اليوم كل حرارة هذه القرون لم تُذيب “الحضارة المجمدة”

ج6.ثم يقول الوردي: [أن هذه النظرية الخلدونية تصدق بدرجة كبيرة كما لا يخفى، على تاريخ المجتمع العربي وقد تصدق بدرجة أقل على تاريخ بعض المجتمعات الاخرى كما رأينا سابقاً. إنما هي على أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية] انتهى.

مناقشة: يكرر الراحل “النظرية” وأكرر انها فرضية. ثم يذكر”انها تَصْدُقْ كما لا يخفى” ولا اعرف كيف “كما لا يخفى” ولا يخفي على من؟ وأين هو “المجتمع العربي” في زمن الفتوحات او زمن ابن خلدون وحتى اليوم؟ثم يقول الوردي في هذا المقطع عبارة غريبة أخرى وهي “وقد تَصْدُقْ بدرجة اقل على تاريخ بعض المجتمعات الأخرى كما رأينا”. ويحق لي أن أسأل هنا: اين رأينا؟ واين هي بعض المجتمعات تلك؟ او أي مجتمعات هي تلك “بعض”؟ ثم يأتي ليقول”وعلى أي حال لا يجوز تعميمها على تاريخ جميع المجتمعات البشرية والسؤال هنا:من عمم تلك “النظرية”على تاريخ كل المجتمعات البشرية حتى يتطوع الراحل الوردي على الاعتراض عليها؟ثم ماهوموقع”قد”في “قد تصدق” هنا؟.

انها “الفرضية” / الرأي تَصْدُقْ إنْ صدقَتْ على تاريخ البلدان التي غزاها البدو، ولا تَصْدُقْ على تاريخ أي بلد لم يصل اليه البدو. ثم إ ذا صدقت على تاريخ “المجتمع العربي” وبدرجة اقل على تاريخ بعض المجتمعات الأخرى…ما تأثيرها على حاضر تلك المجتمعات تحت تأثير الحضارة المتحركة المتغيرة؟ هل ثبات البداوة “حضارة مجمدة” هو الذي ينتصر على الحضارة غير المجمدة؟؟

ج6. [وهناك خطأ أخر اقترفه ابن خلدون هو انه ظن بأن العرب أشد الامم بداوةً وبعداً عن الحضارة ولهذا رأيناه يصف العرب بكل ما يناقض صفات الحضارة من تخريب ووحشية وخشونة وما اشبه. الغريب من ابن خلدون انه قال بذلك الراي المتطرف في العرب وهو يعيش في عصر كانت وحشية المغول وتخريبهم ملأ الأسماع والأبصار في كل مكان وقد اتيح له ان يكون في الشام عند اجتياح تيمورلنك لها وشهد مدى التخريب الفظيع والنهب والحرق والقتل الذي حدث فيها على يد التتر المتوحشين وكان ابن خلدون يعرف ماذا صنع تيمورلنك في المدن الاخرى وما صنع اسلافه ك “هولاكو وجنكيز خان” قبله.

……………….

بهذه العبارة (ج6) نبدأ الجزء التالي وفيه ما كتبه الوردي عن الفتوحات الإسلامية.
……………….

بهذه العبارة (ج6) نبدأ الجزء التالي وفيه ما كتبه الوردي عن الفتوحات الإسلامية. يصف العرب بكل ما يناقض صفات الحضارة من تخريب ووحشية وخشونة وما اشبه. الغريب من ابن خلدون انه قال بذلك الراي المتطرف في العرب وهو يعيش في عصر كانت وحشية المغول وتخريبهم ملأ الأسماع والأبصار في كل مكان وقد اتيح له ان يكون في الشام عند اجتياح تيمورلنك لها وشهد مدى التخريب الفظيع والنهب والحرق والقتل الذي حدث فيها على يد التتر المتوحشين وكان ابن خلدون يعرف ماذا صنع تيمورلنك في المدن الاخرى وما صنع اسلافه ك “هولاكو وجنكيز خان” قبله.

……………….

بهذه العبارة (ج6) نبدأ الجزء التالي وفيه ما كتبه الوردي عن الفتوحات الإسلامية.

شاهد أيضاً

ابراهيم امين مؤمن

إبليس فى محراب العبوديّة

إبراهيم أمين مؤمن         إبليس فى محراب العبودية لم يثقْ عزازيل فى أىِّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.