مقالات دينية
♰..♰..♰ رسالة الصوم الكبير ♰..♰..♰
♰..♰..♰ رسالة الصوم الكبير ♰..♰..♰
============================
أيها الاخوة والأبناء الأحباء :
لتكثر لكم النعمة والسلام .
أقبل علينا الصوم الكبير ، هذا الصوم الذي قدسته الكنيسة منذ تأسيسها ، وفيه تستعد للدخول إلى الآلام المقدسة ، آلام ربنا ومخلصنا يسوع المسيح ، الذي بذل نفسه كاسراً جسده الطاهر ومريقاً لدمه الكريم على الصليب ، ليس من أجل الملائكة ، بل من أجلك ومن أجلى ومن أجل الجميع .
وعلى الصليب ، تلألأت محبة الله بأجّل وضوح للإنسان المنفسد بشهوات الخديعة ، فقد صالح المخلص بصليبه السماء بالأرض ، ورفع الصليب الإنسان من الحضيض والهاوية إلى أعلى سماء بعد تسلط الخطيئة وسلطان الظلام على البشرية زماناً ليس باليسير ، بحيث فقدت البشرية سلامها وطمأنينتها وأمنها وهدوئها .
لذلك أيها الأحباء ، فقد تخصص الصوم الكبير وموسمه ، لكي يشعر الإنسان في كل زمان وعلى مر العصور بضعفه وكم كان مخلوقاً لا حول له ولا قوة ، وأن لا إنسان جبار على الأرض ، فللكل نهاية . وقد ذهبت ذبيحة الصليب لأبعد من ذلك ، فقد حولت موت الجسد من شبح رهيب يعني فناءً أبدياً ، حولته ليكون خطوة أولى نحو الأبدية السعيدة والتي هي حياة أبدية ينعم المؤمن فيها بالعيش بجوار الله الخالق في مدينته الخالدة بلا موت ، ينعم فيها الإنسان بالتسبيح مع الملائكة القديسين ، لدرجة أقبل الشهداء على الموت بشجاعة أذهلت عتاة الحكام وعظماء الأباطرة الذين بكل عزهم وجاههم وسلطانهم ، وقفوا عاجزين عن فهم ما يفكر به القديسون لدرجة قبولهم التعذيب والموت لأجل ما يؤمنون .
ولما لذبيحة الصليب من أهمية كما رأينا ، فهي تستحق منا صوماً نكسر فيه شهوة الجسد ، تلك الشهوة التي هي مصدر شقاء البشرية ، فهي التي طردت آدم وامرأته من الفردوس ، بل وترتفع لأكثر من ذلك بأن نرتفع فوق مستوى المادة .
إننا بالصوم المترافق مع الصلاة وانسحاق القلب والتزود من الأسرار المقدسة نعيد لأجسادنا حلتها الأولى على صورة الله ومثاله ، وقاهرين كل ما يبعدنا عن محبة المسيح والكنيسة ، فنحن إذ نحب الله فلأنه هو الذي أحبنا أولاً .
إذن ، لماذا نحن بعيدون ؟ لماذا لا نصوم .
يتذرع الكثيرون بأسباب كثيرة
1. لم نعتد الصوم . الحل بسيط نجرب أسبوعاً ، ويكون الأمر في تزايد والإنسان قادر على ذلك .
2. الصوم لا يلائم أجسادنا فالمعدة تتعب من مأكولات الصوم . يا أحباء : العكس هو الصحيح . فأكل الصوم هو الأخف والأسهل على المعدة والأمعاء وهو راحة للكبد والمرارة والبنكرياس . هو أرحم لأجهزة الجسم من اللحوم والشحوم التي تبقى لساعات ، لا يكاد الجهاز الهضمي ينتهي من هضمها حتى يكون مرهقاً .
3. فلان يصوم ويصلي . أنظر أفعاله كذا وكذا . وهذا هو الكبرياء ، الخطيئة العظمى التي يمقتها الله ، أن يعتقد شخص أنه أفضل من الناس جميعاً ، فالمخلص وبخ اليهود المتغطرسين ، والذين يعتقدون أنهم أفضل من الناس ، وشجع التواضع بقوله : من وضع نفسه ارتفع . عظماء القديسون كانوا عندما يصلون ، كانوا يعتبرون أنفسهم أشد الناس خطيئة ، وكانوا يصرون على قرع صدورهم في كل النهار قائلين ارحمني يا رب أنا الخاطئ ، لهذا يجب علينا قبل الصوم أن نتعلم فضيلة التواضع .
4. البعض يقول أنا مصاب بالسكري والضغط وأمراض الشرايين . أقول لكل هؤلاء راجعوا الكاهن فلديه الحل الخاص لكل مشكلة .
5. ويقولون لقد كانت كل حياتنا بعيدة عن الله ، وهمومنا بعيدة عن الأبدية فهل يقبل الله صومنا ؟ أقول لكل هؤلاء : إن الوعد الإلهي صادق إذ يقول : إن كانت خطاياكم كالقرمز فإنها تبيض كالصوف . ويقول : تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم ، ويقول أيضاً : فرح عظيم يكون في السماء بخاطئ واحد يتوب . فهل بعد كل هذه الوعود يكذب الوعد الإلهي ؟ حاشا .
الصوم الكبير فرصة لك يا ابن آدم لتربح إلهك وتربح الأبدية ، الصوم والصلاة يا ابن الإنسان ، يرتفع بروحك نحو المجد ، بالصوم والصلاة تفتدي نفسك من الهلاك . أيهما أفضل لك أيها الجبلة الضعيفة أن يقول لك الديان العادل : نعم لك أيها العبد الصالح كنت أميناً على القليل فسأقيمك على الكثير أدخل إلى فرح ربك ، أم يقول : اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المعدة لإبليس وملائكته ؟ لنلاحظ هنا أن النار الأبدية لم تعد للإنسان بل لإبليس وملائكته ومن مشى مشيهم .
اذكر يا ابن آدم كم قاسى المخلص من آلام لأجلك ، تذكر كم بصق الجند في وجهه وكم مرة وقع تحت ثقل حمله لصليب العار ، وكم مسماراً دقوا في جسده ، هل لأنه مستحق لذلك ؟ حاشا . إنه لأجلك أنت ، ليحمل خطايا العالم كله وخطاياك أنت ويسمرها على الصليب لتعيش نقياً طاهراً .
عسى يا أخي المؤمن ويا أختي المؤمنة أن تجد كلمات الحياة هذه صداها في قلبك وفي عقلك ووجدانك ، تأمل فيها الليل والنهار ، إنها تقودك نحو الأبدية وبها الحياة الهانئة لك والمستقبل الأبدي بجوار من تسبحه القوات الملائكية بلا فتور .
والرب معكم جميعاً . آمين
مع جزيل احترامي لحضرة ابونا قسطنطين هلسا المؤقر