*وجهٌ مستعار* دور القناع في تاريخ الإنسان
بهاء زهير أحمد القيسي
القناع هو غطاء يُلبس على الوجه أو الرأس أو جزءٍ منه، وتتعدد استخداماته ومعانيه باختلاف السياق الذي يُذكر فيه بين الحماية والتنكر والعلاج والتعبير الفني.
وفي معاجم لغتنا العربية، ينحدر لفظ القناع من الجذر (ق ن ع) وجمعه: أقنعة وقُنُع. والقناع هو غشاء القلب، والشيب، أو ما يُستر به الوجه، وهو أيضاً ما تُغطّي به المرأة رأسها.
ومما جاء في توصيف القناع أنه يُقال: «ألقى عن وجهه قناع الحياء»، أي لم يستحِ، ويُقال: «كشف القناع عن الأمر»، أي أبرزه وأظهر خفاياه. كما يُقال: «ليس من قناعٍ يطول لبسه»، أي إن خداع المظهر الزائف لا يدوم طويلاً.
وفي القرآن الكريم لم يرد لفظ القناع صراحةً، لكن وردت مشتقات كلمة قنع التي تدل على معاني رفع الرأس أو إمالته، كما في وصف الخائفين يوم القيامة المسرعين إلى النداء، حيث يرفعون رؤوسهم ووجوههم مكشوفة مذهولة، في قوله تعالى:
﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: 43].
أما فيما يخص القناع بوصفه أداةً للستر، فقد استخدم القرآن الكريم لفظ الخمار في سياق الحشمة، في قوله تعالى:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31].
ومن الجدير بالذكر أن مفهوم القناع ورد أيضاً في الكتاب المقدس، في قسميه العهد القديم والعهد الجديد، بمضمون قريب من مفهوم الحجاب أو البرقع. فقد استخدم النبي موسى عليه السلام غطاءً على وجهه بعد نزوله من جبل سيناء حاملاً ألواح الوصايا، إذ كان وجهه يشع نوراً نتيجة وقوفه في محضر الله. ولكي يتمكن قومه من مخاطبته دون خوف، كان يضع برقعاً على وجهه، ولا ينزعه إلا عندما يدخل ليكلم الله. (سفر الخروج، الإصحاح 34، الآيات 29–35).
وفي العهد الجديد أشار بولس الرسول إلى هذا البرقع، معتبراً أنه كان يحجب مجد الله، وأن الفهم الحقيقي لنصوص التوراة ظل محجوباً عن العقول حتى أُزيل هذا الحجاب بالإيمان
(2 كورنثوس 3).
في اللغة الإنجليزية يُدعى القناع (Mask) وهذه الكلمة منحدرة من اللفظ اللاتيني (Masca) الذي يدل على الشبح أو الكابوس. وكان العرب يطلقون على من يصبغ وجهه بالألوان ليقدم مشاهد مضحكة اسم المسخرة. ويُعتقد أن هذه الصيغة اللغوية كانت من الجذور التي أثّرت في بعض الاشتقاقات الشرقية المتعلقة بمفهوم القناع.
وفي اللغة العبرية نجد أن كلمة مَسِخاه تُستخدم للدلالة على الأقنعة التنكرية، في حين تشير كلمة مَسْفيه إلى النقاب أو الغطاء الذي يوضع على الوجه، أما كلمة بارتصوف، التي تعني حرفياً «الوجه»، فتُستخدم مجازاً للإشارة إلى القناع الاجتماعي الذي يرتديه الإنسان أو الوجه التنكري، ولا سيما في احتفالات عيد المساخر (البوريم).
كما ذكر الشاعر الروماني أوفيد في كتابه «التحولات» شخصيات تبدلت هيئاتها وكأنها ارتدت أقنعة جديدة؛ مثل الحسناء دافني التي كان الإله أبولو يطاردها، فطلبت من الآلهة تحويلها إلى شجرة غار. وهكذا نرى أن للقناع قدرةً تحويلية، فضلاً عن كونه مجازاً للعبور بين العوالم أو إعادة الخلق.
لقد عرف سكان بلاد الرافدين، العراقيون الأوائل، الأقنعة منذ فترات مبكرة جداً. ففي دور جمدة نصر (3500–2800 ق.م) صُنعت الأقنعة من مواد متعددة، مثل الأنسجة والجلود والخشب، إلا أن معظمها لم يصل إلينا بسبب طبيعة المواد العضوية التي لا تقاوم الظروف المناخية عبر الزمن. أما ما صُنع من الفخار فقد بقي شاهداً على تلك المرحلة، ومن أشهر الأمثلة وجه خمبابا الوارد في ملحمة كلكامش، والذي يعود إلى الفترة السومرية.
وقد ظهرت الأقنعة في كثير من التماثيل والمنحوتات، كما وجدت بكثرة في المشاهد المصورة على الألواح الجدارية والأختام الأسطوانية. وكان بعضها يُرتدى من قبل الكهنة لأداء أدوار مرتبطة بالطقوس الدينية والملاحم والأساطير، فيما استُخدم بعضها الآخر في طقوس طرد الأرواح الشريرة وشفاء المرضى. كما ارتدى الصيادون أقنعةً معينة للمساعدة في صيد الحيوانات.
ولهذا ارتبطت الأقنعة ارتباطاً وثيقاً بالطقوس الدينية وأنواعها، وبمفهوم السحر وعلاقته بالمعتقدات القديمة. وقد تجلى ذلك في المشاهد المنقوشة على الألواح الجدارية وطبعات الأختام، حيث يظهر أحياناً إلهٌ يحمل قناعاً، أو أشخاص يرتدون أقنعة أثناء أداء الطقوس.
وتعود أقدم الإشارات إلى الأقنعة إلى رسوم ونقوش الكهوف التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، مما يعكس دورها المهم في المجتمعات البشرية القديمة. وقد صنعت الحضارات القديمة، مثل حضارات العراق ومصر واليونان وروما وأفريقيا والأمريكيتين، أقنعةً للطقوس الدينية والعروض المسرحية والجنائزية.
ومن أشهر هذه الأقنعة أقنعة الموت المصرية، التي كان الفراعنة، مثل توت عنخ آمون، يُدفنون بها. وقد صُنعت بدقة فائقة، وكانت ترمز إلى الحماية الإلهية وإرشاد المتوفى إلى الحياة الآخرة.
أما في أفريقيا، فقد استُخدمت الأقنعة في العديد من الطقوس لتمثيل أرواح الأجداد أو الآلهة، وتميزت بطابع فني خاص يعتمد على المبالغة في الملامح لاستحضار المشاعر والحضور الروحي. وفي أمريكا الوسطى استخدم الأزتيك والمايا الأقنعة في الاحتفالات الدينية والحروب، وغالباً ما زينوها باليشم والفيروز والذهب للدلالة على القوة والمكانة وفي أيامنا المعاصرة يعتبر ارتداء القناع تقليد راسخ في الثقافة اليابانية مثلاً،، حيث تُرتدى الأقنعة لأسبابٍ عديدة، فمنهم من يستخدمها للحماية من سوء الحظ الذي قد يصاحب التعرف على هويته. ومنهم من يرتديها رغبةً في التخفي وتجنب مضايقات الآخرين. ويرتديها البعض تكريمًا لأجدادهم، بينما يستمتع آخرون ببساطة بمظهرها المميز. كما تُستخدم هذه الأقنعة للاحتفال بالأعياد ولإظهار الانتماء الوطني. وتُستخدم بعض الأقنعة اليابانية أيضًا لأغراض ترفيهية، كما هو الحال في حفلات التنكر.
ويحتل القناع في الفن والأدب مكانةً مهمة من حيث نشأته وتطوره. فالقناع مصطلح مسرحي في الأصل، ولم يدخل عالم الشعر إلا في مطلع القرن العشرين ليؤدي وظيفة جديدة تختلف نسبياً عن وظيفته المسرحية. ففي المسرح كان يجسد الازدواجية ويكشف التوتر بين المظهر والحقيقة، بينما أتاح في الشعر للفنانين استكشاف موضوعات الهوية والتنكر والسلطة والتحول.
إن العوامل السياسية والاجتماعية في مجتمعاتنا العربية، وما خلّفته من خسائر فكرية ومادية ومعنوية، دفعت كثيراً من المبدعين إلى الخروج عن دائرة المألوف والتمرد على قيم الجمود والثبات. ومن هنا برز أسلوب القناع في الشعر الفصيح بوصفه تقنية فنية يختبئ فيها الشاعر وراء شخصية تاريخية أو أسطورية أو دينية، ليتحدث بلسانها ويستخدمها معادلاً موضوعياً للتعبير عن أفكاره ورؤاه الذاتية والسياسية بعيداً عن المباشرة، مما يضفي على القصيدة بعداً درامياً وعمقاً دلالياً.
ويُعد الشاعر الإنجليزي بن جونسون من أوائل من كتبوا أعمالاً مسرحية تنتمي إلى ما عُرف بـ«الأقنعة»، ومن أشهرها مسرحية «القناع الأسود» سنة 1605م. أما في الشعر العربي الحديث، فيُعد عبد الوهاب البياتي رائداً في توظيف القناع من حيث تحديد مصطلحه واستخدامه الفني، كما يُعد بدر شاكر السياب من رواد هذه التقنية، ويتجلى ذلك في عدد من قصائده، ومنها قصيدة «المسيح بعد الصلب».
لقد شكّلت الأقنعة عبر العصور عنصراً مثيراً للجدل في التعبير الفني، من الحضارات القديمة إلى الحركات الفنية المعاصرة. وسواء استُخدمت في الطقوس الدينية أو العروض المسرحية أو التعليقات السياسية، فإنها ما تزال تؤثر في أساليب التعبير الفني والتواصل الإنساني، لما تحمله من قدرة على تجسيد الأفكار والمشاعر المعقدة.
ومع التطور المتسارع للتكنولوجيا ووسائل الإعلام الحديثة، واتساع آفاق الإبداع الفني، من المرجح أن تظل الأقنعة أداةً بصرية وثقافية مؤثرة في استكشاف الهوية والثقافة والمجتمع.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.