مقالات

انهيار القانون وقواعد الأخلاق – رائد الجحافي

في اللحظة التي يتحول فيها ميثاق الأمم المتحدة إلى وثيقة مؤطرة على جدار التاريخ، ويغدو مجلس الأمن منصة للفيتو بدل أن يكون منبرا للعدالة، نكون قد رجعنا بإرادتنا إلى ما سماه توماس هوبز حالة الطبيعة. هناك تتجلى حرب الكل ضد الكل، ويصبح الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان.

القانون الدولي ولد من رماد حربين عالميتين. كان العهد الذي قطعته الإنسانية على نفسها بعد عام 1945 واضحا: لا غالب إلا القانون. وقد تجسد ذلك في المادة الثانية فقرة أربعة من الميثاق التي تحرم اللجوء إلى القوة. غير أن الواقع الراهن يعيد إلى الأذهان تحذير ثوسيديدس قبل أربعة وعشرين قرنا في حوار الميلين: القوي يفعل ما يستطيع، والضعيف يقاسي ما لا بد منه.

اليوم نشهد عودة صريحة لمنطق القوي يأكل الضعيف. يجري تبرير الاحتلال تحت لافتة الأمن القومي، ويتحول الضم إلى حقائق على الأرض، وتفرض العقوبات على الدول الضعيفة بينما تعفى منها الدول الحليفة. المسألة لم تعد مجرد تعثر في تطبيق القانون، بل هي إعلان صريح عن موت فلسفته. يقول كارل شميت: صاحب السيادة هو من يقرر حالة الاستثناء. ويبدو أن القوى الكبرى قررت أننا نعيش في استثناء دائم.

كان إيمانويل كانط يبشر بسلام دائم يقوم على الواجب الأخلاقي وعلى الجمهوريات التي تنبذ الحرب. كان يرى في القانون الدولي ترجمة عملية للضرورة الأخلاقية التي يمليها العقل. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة. عاد ميكافيللي ليتصدر المشهد: الغاية تبرر الوسيلة، ومن الأفضل أن يهابك الناس على أن يحبوك. تحولت الأخلاق إلى ترف خطابي، وصارت القيم تستدعى فقط حين تكون مفيدة في بيانات الشجب. أطلقت هانا آرندت على هذا الوضع وصف تفاهة الشر، حين يصبح انتهاك القانون عملا روتينيا تبرره المصلحة العليا.

النتيجة عالم بلا بوصلة. حين يشاهد الطفل في غ*ز*ة أو الخرطوم أو كييف عجز مجلس الأمن، ويدرك أن حقوق الإنسان تطبق بانتقائية، فإنه يخرج بدرس واحد: البقاء للأقوى. وهنا يكمن جوهر التوحش.

يقول جان جاك روسو إن أساس أي مجتمع هو العقد الاجتماعي. نتنازل طوعا عن جزء من حريتنا لننال في المقابل الأمن والعدل. والقانون الدولي هو العقد الاجتماعي الذي يربط البشرية. لكن ماذا يحدث حين تخرق الدول الكبرى هذا العقد؟ حين يستخدم الفيتو لحماية الحليف المعتدي؟ حين يكال بمكيالين؟ يجيب جون لوك بوضوح: حيثما ينتهي القانون يبدأ الطغيان. والطغيان لا ينتهي إلا بالعن*ف. فالشعوب والدول التي تفقد إيمانها بالعدالة لا تجد أمامها سوى عدالة اليد.

تحدث فريدريك نيتشه عن موت الإله بوصفه موت القيمة العليا. اليوم نشهد موت القانون بوصفه قيمة عليا. وحين تموت القيمة يصبح كل شيء مباحا. التوحش هنا ليس انفلاتا غريزيا، بل نتيجة منطقية لعالم أقنع الضعيف بأن القانون لن يحميه.

يرى يورغن هابرماس أن المخرج يكمن في الأخلاق الحوارية وفي فضاء عام عالمي تقوم فيه الشرعية على الإقناع لا على القوة. غير أن هذا الطرح يفترض وجود إرادة سياسية حقيقية. الخطر الأكبر ليس في وجود قوي وضعيف، بل في تطبيع شريعة الغاب. حين يصبح احتلال الأرض أمرا واقعا، ويغدو حصار المدنيين دفاعا عن النفس، ويوصف قصف المستشفيات بأنه أضرار جانبية، نكون قد دخلنا فعلا عصر ما بعد القانون.

مالك بن نبي كان يرى أن الحضارة لا تقوم إلا على فكرة. وكانت فكرة عالم ما بعد 1945 هي أن القانون فوق القوة. إذا انهارت هذه الفكرة، فإن الحضارة ذاتها تصبح مهددة. سنعود إلى جدلية السيد والعبد عند هيجل، لكن بنسخة كونية: سادة مدججون بالسلاح، وعبيد ينتظرون مصيرهم.

انتهاك القانون الدولي ليس مجرد مخالفة قانونية. إنه اغتيال فلسفي لفكرة الإنسان. حين نستبدل سيادة القانون بقانون السيادة، فإننا نفتح الباب واسعا أمام التوحش. والتاريخ يخبرنا أن الغابة لا تنتج سلاما، بل تنتج وحوشا أشد ضراوة. كتب ألبير كامو ذات يوم: في غياب العدالة، ما قيمة أن يكون الإنسان على حق؟ واليوم يصبح السؤال أكثر قسوة: في غياب القانون، ما قيمة أن تكون إنسانا؟.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى