مقالات عامة
العلاقات الروسية الأردنية: مقاربة دبلوماسية قائمة على الواقعية والتوازن الإقليمي.
تُشكّل العلاقات الروسية الأردنية نموذجًا خاصًا في العلاقات الدولية بالشرق الأوسط، إذ تقوم على التفاهم العملي والتنسيق الهادئ والإحترام المتبادل، بعيدًا عن منطق التحالفات الصلبة أو الخصومات الحادة. وعلى الرغم من اختلاف الموقع الجيوسياسي لكل من روسيا الاتحادية والمملكة الأردنية الهاشمية، فإن الطرفين نجحا في بناء علاقة مستقرة تحكمها المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، والواقعية السياسية.
يهدف هذا المقال إلى تحليل تطوّر العلاقات الروسية الأردنية من منظور شخصي، ومرتكزاتها السياسية والأمنية، وأبعادها الإقليمية، مع استشراف آفاقها المستقبلية.
تعود العلاقات الدبلوماسية بين الأردن والاتحاد السوفيتي سابقًا، وروسيا الاتحادية لاحقًا، إلى منتصف القرن العشرين. وقد اتسمت هذه العلاقات منذ نشأتها بالهدوء والاستمرارية والإحترام، دون أن تشهد قطيعة دبلوماسية أو صدامًا سياسيًا مباشرًا.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أعادت روسيا صياغة سياستها الخارجية على أسس جديدة، بينما حافظ الأردن على نهجه التقليدي القائم على الاعتدال والانفتاح. هذا التلاقي في البراغماتية السياسية أتاح للطرفين الحفاظ على قنوات تواصل فعّالة، رغم التغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
تقوم العلاقات السياسية بين موسكو وعمّان على الحوار المنتظم والتنسيق الدبلوماسي، خاصة في قضايا الشرق الأوسط. ويتميّز هذا البعد بعدة سمات منها:
1. الاحترام المتبادل للسيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
2. تفهم متبادل لاختلاف التوجهات الدولية، دون تحويلها إلى مصادر توتر.
3. قناعة مشتركة بأهمية الاستقرار الإقليمي ورفض الفوضى السياسية.
روسيا تنظر إلى الأردن بوصفه دولة ذات دور محوري في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالقضية ا*لفلس*طينية والقدس، بينما يرى الأردن في روسيا قوة دولية قادرة على المساهمة في تحقيق توازن سياسي في النظام الدولي.
يُعدّ الملف السوري أبرز محاور التعاون الروسي الأردني، وأكثرها أهمية. فمنذ اندلاع الأزمة السورية، وجد الطرفان نفسيهما أمام تحديات أمنية مباشرة، خصوصًا فيما يتعلق:
بأمن الحدود الأردنية.
بمكافحة الار*ها*ب والتنظيمات المتطرفة.
بمنع انتقال الفوضى إلى دول الجوار.
في هذا السياق، لعبت روسيا دورًا مهمًا في تهدئة الجنوب السوري، وهو ما انعكس إيجابًا على الأمن الوطني الأردني. ومن جهته، انتهج الأردن سياسة واقعية تقوم على التنسيق الأمني غير التصادمي، مع الحفاظ على موقفه السياسي المستقل.
هذا التفاهم غير المعلن جعل من العلاقة الروسية الأردنية علاقة وظيفية ضرورية في سياق الأزمة السورية.
على الصعيد الاقتصادي، لا تزال العلاقات دون مستوى الإمكانات المتاحة، إلا أنها تشهد تطورًا تدريجيًا في مجالات متعددة، من بينها:
1. الطاقة، بما في ذلك مشاريع الطاقة النووية السلمية (في إطار الدراسات والاتفاقيات).
2. السياحة، خاصة السياحة الروسية إلى الأردن.
3. التبادل التجاري والاستثمارات.
أما على الصعيد الثقافي والتعليمي، فيبرز وجود عدد متزايد من الطلبة الأردنيين في الجامعات الروسية وتعاون أكاديمي وثقافي يعزز التفاهم الشعبي بين البلدين ويُعدّ هذا البعد الإنساني عنصرًا مهمًا في دعم العلاقات السياسية على المدى الطويل.
يتميّز الأردن بسياسة خارجية متوازنة تجمع بين علاقاته التقليدية مع الغرب، وانفتاحه المدروس على روسيا. وقد نجح في:
تجنب الانخراط في صراعات دولية كبرى.
الحفاظ على علاقات مستقرة مع موسكو دون الإضرار بتحالفاته الأخرى.
من جهتها، تتعامل روسيا مع هذا التوازن الأردني بتفهم، وتدرك خصوصية موقع الأردن الجغرافي والسياسي، وهو ما يعكس نضجًا دبلوماسيًا متبادلًا. ومع ذلك، فإن آفاق التعاون تبقى مفتوحة، خاصة في مجالات الأمن الإقليمي والطاقة والدبلوماسية متعددة الأطراف والحوار الثقافي والتعليمي.
ويبدو أن مستقبل العلاقة مرهون بقدرة الطرفين على تعزيز التعاون العملي دون الإخلال بتوازناتهما الدولية.
تمثل العلاقات الروسية الأردنية نموذجًا ناجحًا لدبلوماسية واقعية تقوم على المصالح المشتركة، والاحترام المتبادل، وتجنّب الصدام. فهي ليست علاقة تحالف استراتيجي، ولا علاقة تنافس أو عداء، بل شراكة متزنة فرضتها الجغرافيا، وأكدتها السياسة، وعززتها الحاجة إلى الاستقرار.
وفي عالم يشهد تحولات عميقة في موازين القوى، تبرز هذه العلاقة بوصفها مثالًا على أن الدبلوماسية الهادئة قادرة على تحقيق الاستمرارية والفعالية، حتى بين دول تختلف في الحجم والنفوذ.
أود بشكل خاص أن أؤكد على تقديري الكبير للعلاقات الودية والحميمة بين الأردن وروسيا، وآمل أن أساهم في تعزيزها بشكل أكبر في المستقبل.
بإخلاص:-
فؤاد أحمد عايش
مؤسس ورئيس مبادرة الجسر الثقافي الروسي العربي