أميركا وإيران اليوم في موقف صعب والخروج منه أصعب؟إما
أميركا وإيران اليوم في موقف صعب والخروج منه أصعب؟إما قبول شروط بعظهما؟وإما الحرب؟وكلاهما كأساً مُرَّة..؟!
فيصل الدليمي
الشرق الأوسط اليوم لا تُدار فيه الصراعات بالعواطف ولا بالشعارات بل بمنطق القوة والقدرة والمصالح وتوازنات الردع.ومن يقرأ التاريخ الأميركي منذ الحرب العالمية الثانية وما تلاها يدرك أن واشنطن لم تتعامل يوماً مع أي تحدٍّ استراتيجي باعتباره حدثاً عابراً، بل باعتباره اختباراً لهيبتها ونفوذها العالمي.
لذلك فإن المواجهة المفتوحة اليوم مع إيران لم تكن مجرّد خلاف سياسي حول الملف النووي او الصاروخي أو النفوذ الإقليمي، بل هو اليوم صراعاً على شكل النظام الإقليمي الجديد في منطقة الشرق الأوسط بأكمله.إن الولايات المتحدة تنظر اليوم إلى الشرق الأوسط بوصفه جغرافية حيوية وعقدة الطاقة العالمية والموارد والثروات الهائلة وممرات مائية وبرية وجوية استراتيجية للتجارة الدولية والسياسية والأمنية؟.فيما ترى إس*رائي*ل نفسها اليوم في صراع وجودي مع أي قوة إقليمية قادرة على تهديد تفوقها العسكري أو كسر احتكارها للردع. من هنا يمكن فهم حجم التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، من غ*ز*ة إلى لبنان وسوريا واليمن والعراق وصولاً اليوم إلى إيران والخليج.لكن في المقابل فإن إيران قد بنت خلال العقود الماضية عقيدة مختلفة عن الجيوش التقليدية في المنطقة. فهي تدرك أن مواجهة مباشرة ومفتوحة مع الولايات المتحدة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً قد تكون مكلفة للغاية،ولذلك اعتمدت على ما يسميه خبراء العلاقات الدولية بـ”الردع غير المتكافئ”أي استخدام الجغرافيا، والصواريخ،والنووي والحرس الثوري والحلفاء الإقليميين، والحرب الاقتصادية، والممرات البحرية الحساسة،لرفع كلفة أي حرب عليها.وفي هذا السياق تحديداً، يبرز اليوم مضيق هرمز باعتباره أحد أهم عناصر القوة الإيرانية. فوفق تقديرات وكالة الطاقة الدولية، يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل نفط يومياً، أي ما يقارب ربع تجارة النفط البحرية العالمية.وأي اضطراب كبير في المضيق قد ينعكس فوراً على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي. حيث الدراسات الغربية نفسها باتت تتحدث بوضوح عن أن الجغرافيا الإيرانية التي تحولت إلى عنصر ردع استراتيجي بحد ذاته..؟!فالمضيق الضيق، والساحل الإيراني الطويل، والقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، والزوارق والألغام البحرية قد تجعل أي مواجهة بحرية او برية واسعة محفوفة بالمخاطر الاقتصادية والعسكرية.ولهذا تعتبر مراكز أبحاث دولية اليوم أن طهران تمتلك قدرة حقيقية على تهديد حركة الملاحة وفرض ضغط عالمي إذا وصلت المواجهة إلى مرحلة كسر العظم.مع ذلك، فإن الحديث عن حسم كامل أو تدمير شامل للقواعد الأميركية يحتاج إلى مقاربة واقعية وهادئة؟! حيث الولايات المتحدة تمتلك اليوم أكبر قوة أقتصادية وعسكرية وتقنية في العالم،وقواعدها المنتشرة في الخليج والشرق الأوسط قد تشكل جزءاً كبيراً من شبكة عسكرية عالمية ضخمة. وفي المقابل،قد أثبتت التطورات الأخيرة أن إيران قادرة على إلحاق أضرار وخلق معادلات رد فعل في مواجهة أميركا وإس*رائي*ل كماحصل في فترة حرب الإيام الماضية لكنها أيضاً بالمقابل تدفع أثماناً اقتصادية وعسكرية باهظة..
ان المعادلة الحالية لا تشير إلى انتصار مطلق لأي طرف،بل تشير إلى توازن حذر وخوف متبادل.
مع كل ذلك تسجل اليوم بعض النقاط لصالح طهران بسبب الموقع الجغرافي الطبيعي وعوامل اخرى حيث أن واشنطن تدرك أن أي حرب شاملة اليوم في المنطقة قد تشعل أسواق الطاقة العالمية وتجر المنطقة المنهكة أصلاً إلى فوضى طويلة، فيما تدرك طهران أن استمرار الاستنزاف قد يهدد اقتصادها واستقرارها الداخلي..
ولهذا السبب قدبقي باب التفاوض مفتوحاً بين الطرفين رغم التصعيد العسكري والإعلامي المتبادل.أما إس*رائي*ل فهي تنطلق من عقيدة تقوم على منع ظهور أي قوة إقليمية موازية لها في المنطقة.
ولهذا ترى إس*رائي*ل اليوم في المشروع الإيراني تهديداً وجودياً استراتيجياً بعيد المدى،ليس فقط عسكرياً،بل سياسياً وعقائدياً أيضاً. لذلك فإن أي تهدئة مؤقتة بين الأطراف المتصارعة اليوم لا تعني انتهاء الصراع،بل ربما تكون مرحلة لإعادة التمركز والتموضع والاستعداد لجولات أكثر تعقيداً؟!
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس فقط في احتمال تجدد الحرب بل حجم الترابط بين الجغرافيا والطاقة والاقتصاد العالمي.فإيران لحد الآن لا تمتلك ترسانة نووية معلنة، لكنها تمتلك أوراق ضغط جغرافية استراتيجية تمس الاقتصاد الدولي مباشرة، فيما بالمقابل تمتلك الولايات المتحدة وإس*رائي*ل تفوقاً نارياً وتكنولوجياً هائلاً؟! ومن هنا قد تبدو المنطقة وكأنها تقف على بركان وأرض رخوة وتوازن هش، وقوة عسكرية أمريكية إ*سرائ*يل*ية هائلة؟! مع مواجهة قدرة إيرانية على عرقلةوتعطيل الاقتصاد العالمي.؟! لذلك أعتقد وحسب الحروب التاريخية التي حصلت بين الدول إن الحرب قد لا تُحسم دائماً بالسلاح وحده،بل بقدرة كل طرف على المطاولة والصمود العسكري الاقتصادي،والسياسي وإدارة التحالفات،والتحكم بإيقاع التصعيد والتفاوض،وهذا ما قد حصل في حروب فيتنام وافغانستان وغيرها..وعليه فإن الشرق الأوسط اليوم لم يعد مجرد ساحة حروب محلية،بل أصبح مركز اشتباك دولي تتقاطع فيه مصالح الطاقة والموارد والممرات البحرية والنفوذ العالمي.وإن إيران تأريخياً منذ الأمس واليوم لديها القدرة على المطاولة والعناد والصمود والتحمُل وليس من السهل كسرها أو لي ذراعها وأذرعها بسهولة، ومن لا يقرأ التأريخ العسكري جيداً ويستخلص منه الدروس والعبر قد لن يربح المعركة بسهولة واسأل المجربين ولا تسأل الحالمين..؟
وإن غداً لناظرة قريب…
وإلى الله ترجع الأمور…
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.