الزيدي يوقظ الرقيب النائم ويكتب أول فصول الإصلاح
الزيدي يوقظ الرقيب النائم ويكتب أول فصول الإصلاح
خطوة أولى نحو استعادة الثقة
في الخامس والعشرين من مايو الجاري، وخلال جلسة اعتيادية لمجلس الوزراء، كسر رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي عرفًا راسخًا في السياسة العراقية حين وجّه انتقادًا علنيًا لمؤسسة رقابية يُفترض أنها تراقب أداء حكومته. قال الزيدي بلهجة حازمة: “أسلوب الديوان يجب أن يتغير، والتعطيل في عمل ديوان الرقابة المالية أصبح غير مقبول، وهناك شركات لم تُدقَّق حساباتها منذ سنوات”. ثم مضى خطوة أبعد، في ما بدا اعترافًا ضمنيًا بقصور المنظومة المحلية، إذ وجّه الديوان إلى الاستعانة بشركات تدقيق عالمية لتطوير آليات العمل، محددًا لذلك مهلة واضحة: إنجاز التدقيق المالي قبل نهاية الشهر السابع من كل عام.
هذه التصريحات ليست مجرد توجيهات إدارية روتينية – بل هي أول مواجهة علنية بين السلطة التنفيذية وجهازها الرقابي في عهد الحكومة الجديدة. وما تكشفه تلك المواجهة، في طياتها، هو السؤال الحقيقي الذي يُطارد كل إصلاح مالي في العراق: هل يمكن إصلاح الرقابة في بلد تتسابق فيه شبكات الفساد مع الزمن، وكثيراً ما تفوز؟
ديوان الرقابة المالية الاتحادي مؤسسة عريقة وفق كل المعايير؛ يعود تاريخها إلى العهد الملكي في خمسينيات القرن الماضي، وأُعيد تأسيسها في شكلها الحديث بعد 2003. لكن عراقة المؤسسة لا تعني فاعليتها. على مر السنوات، انتقلت من مؤسسة رقابية نشطة إلى جهاز إداري مثقل بالبيروقراطية، يُصدر تقارير لا تُحال في معظمها إلى قضاء، ويُراكم ملفات لا تُنتج محاسبة، ويعمل في إيقاع يمنح الفساد هامشاً زمنياً سخياً للتكيّف والتخفي. المفارقة المؤلمة في التقارير التي تصف واقع هذا الديوان هي أن بعض الوثائق المالية المُسجَّلة تتلف أو تضيع قبل أن تُدقَّق، وكأن المؤسسة التي يُفترض أنها تحفظ الذاكرة المالية للدولة تعاني نفسها من فقدان الذاكرة.
ديوان الرقابة المالية إما أن يكون الشاهد الصامت على فساد متجدد، أو يصبح أخيراً رقيباً بالمعنى الحقيقي للكلمة. اللحظة مهيأة. وما يُحددها ليس النص، بل التطبيق
تصريحات الزيدي تحمل دلالتين متمايزتين تستحقان القراءة المنفصلة. الأولى، إصلاحية بامتياز: المطالبة بتغيير الأسلوب وتقصير المدد الزمنية للتدقيق وتطوير الأدوات عبر شراكات دولية. وهذه كلها خطوات تقنية منطقية في سياق مؤسسة تعاني من البطء البنيوي. الثانية، سياسية لا تخطئها عين المراقب: أشار الزيدي إلى أن الملاحظات الجوهرية يجب أن تُحال إلى المحكمة لا أن تُودَع في أدراج الأرشيف. وهذا تحول في فلسفة الرقابة من وظيفة إدارية إلى أداة قضائية. كما أن الزيدي أكد ضرورة إيلاء مكافحة الفساد والإجراءات الوقائية أسبقية، والتعاون مع هيئة النزاهة الاتحادية، والتأكيد على استرداد الأموال العراقية المهربة في الخارج. هذه منظومة خطاب تُعلن نية متكاملة، أو على الأقل نية مُعلنة.
لكن هنا تبدأ الإشكالية البنيوية. الاستعانة بشركات تدقيق عالمية كـ”ديلويت” أو “برايس ووتر هاوس” أو غيرها من العمالقة – وهو الاتجاه الذي تُلمح إليه توجيهات الزيدي – ليست في حد ذاتها حلاً للفساد. الشركات الدولية تُدقّق وتُوثّق وترفع تقارير، لكنها لا تستطيع إجبار منظومة قضائية على الملاحقة، ولا تستطيع تجاوز الإرادة السياسية التي تحدد من يُحاسَب ومن يُصان. والتاريخ العراقي يعرف نماذج عدة لتقارير تقنية دقيقة اكتسبت طابعاً أكاديمياً لا إجرائياً، وأُودعت في الأدراج التي كانت تسعى إلى تفريغها.
العلاقة بين بطء الرقابة وسرعة الفساد ليست مصادفة، بل هي معادلة مدروسة. الفساد المنظم لا يحتاج إلى إخفاء مستمر، كل ما يحتاج إليه هو وقت كافٍ ليتمكن المستفيدون من تحريك الأموال وتغيير صفاتها القانونية وتعقيد مساراتها قبل أن تُنتج الرقابة توصية. وحين تستغرق الدورة الرقابية سنوات بينما تستغرق صفقة مشبوهة أسابيع، يصبح كل تقرير رقابي يصل إلى التوثيق وصفاً لماضٍ لا إمكانية لاسترداده. التأخير الإداري ليس إهمالاً بريئاً في هذا السياق؛ هو أحياناً الحصانة التي تُتيح الإفلات المنظم من المساءلة.
والإشكالية الأعمق تبقى في استقلالية المؤسسة الرقابية ذاتها. في أي منظومة حوكمة سليمة، تكون هيئات الرقابة محمية من الضغط التنفيذي. لأن ديوان الرقابة الذي يخضع لتوجيهات رئيس الوزراء يصبح في جوهره امتداداً للسلطة التي يُفترض أن يراقبها. تصريحات الزيدي نفسها، على أهميتها في الدفع نحو الإصلاح، تحمل في طياتها هذا التوتر: رئيس الحكومة يُوجّه الجهاز الذي يُفترض أن يراقب الحكومة. هل هذا إصلاح أم إعادة تموضع؟ هل هو دفع حقيقي نحو المحاسبة أم تأطير سياسي يُوحي بالجدية دون أن يُقيّد سلطة الحكومة على الرقيب؟
العلاقة بين بطء الرقابة وسرعة الفساد ليست مصادفة، بل هي معادلة مدروسة. الفساد المنظم لا يحتاج إلى إخفاء مستمر، كل ما يحتاج إليه هو وقت كافٍ لتحريك الأموال وتعقيد مساراتها
الإجابة المنصفة هي أن الأمر يحتمل الاثنين في آن واحد، وأن الفارق بين الاحتمالين سيتحدد لاحقاً بما يجري فعلاً لا بما يُصرَّح به الآن. لكن ثمة معطى اجتماعي وسياسي يمنح هذه التصريحات ثقلاً يتجاوز قيمتها الإدارية المباشرة: ثقة المواطن العراقي بمؤسسات الدولة وصلت إلى مستوى من الهشاشة يجعل أي خطاب جدي عن المحاسبة حدثاً ثانوياً. الشارع العراقي الذي شهد “سرقة القرن” والمليارات المهربة وملفات الفساد التي تُفتح ولا تُغلق، يتابع هذه التصريحات بمزيج من التشكك والرغبة في التصديق، لأن البديل عن التصديق هو اليأس الكامل.
وهذا البُعد الاجتماعي لا يجب إغفاله في أي تحليل للملف. الإصلاح الرقابي ليس مجرد مسألة تقنية تعني المحاسبين والمدققين، بل هو شرط لإعادة بناء الشرعية السياسية. دولة لا تُحاسب لا تستطيع أن تُقنع مواطنيها بأن مدفوعاتهم الضريبية وعائدات نفطهم تذهب إلى مشاريع تخدمهم. وبدون هذا الإقناع، كل مشروع تنموي يبقى موضع شك، وكل عقد حكومي يُقرأ باعتباره فرصة لاحتمال آخر من احتمالات الهدر.
ما أطلقه الزيدي الاثنين الماضي يمكن قراءته كبداية اختبار لا كنهايته. الخطاب واضح، والتوجيهات محددة، والمهل مرسومة. ما يبقى غامضاً هو الإرادة التنفيذية الكاملة والاستعداد لتحمّل التبعات السياسية حين تُشير التدقيقات إلى أسماء لها وزن في منظومة الحكم. الفساد في العراق ليس ظاهرة هامشية يسهل اجتثاثها، بل هو شبكة مُتجذّرة في مفاصل الدولة، ومن في قلبها يملكون موارد للدفاع عن أنفسهم.
السؤال الذي سيحكم على هذه المرحلة ليس هل يريد الزيدي إصلاح الرقابة، بل هل سيبقى هذا الإصلاح في مساره حين تبدأ الملاحقات الفعلية بالاصطدام بالحسابات السياسية. هنا يتحول الخطاب إلى اختبار، والنوايا إلى قرارات، والإصلاح إلى شيء أكثر من بيان في جلسة مجلس الوزراء.
ديوان الرقابة المالية إما أن يكون الشاهد الصامت على فساد متجدد، أو يصبح أخيراً رقيباً بالمعنى الحقيقي للكلمة. اللحظة مهيأة. وما يُحددها ليس النص، بل التطبيق.
صلاح الهوني
إعلامي ليبي
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.