مقالات

تعريف التحكيم وعناصره – زيد نائل العدوان

منذ قدم البشرية، ومنذ الحضارات الأولى، عاش البشر في مجتمعات وجماعات، فالبشري كائن اجتماعي بطبعه، لا يحب الخلوة والانعزال؛ لما يترتب عليها من ضرر له ومن عدم قضاء أموره المختلفة في حال كان وحيدًا، ولما يترتب عليه من انعدام للنسل الإنساني في حال قرر البشري البقاء وحيدًا.
ولكن، ورغم تجمع البشر في جماعات ومجتمعات مختلفة الطبقات ومتباينة الأنواع، صار هنالك نوعًا من التشاحن وتعارض المصالح بين الأشخاص، بل حتى بين الجماعات، إذ أن كل إنسان في هذا العالم له مجموعة مصالح معينة يريد أن ينفذها، وقد تتعارض هذه المصالح مع مصالح الآخرين وقد تتوافق.
ولكن وفي حال تعارض هذه المصالح مع مصالح الآخرين، فإن الأفراد عادةً ما يجلؤون إلى القضاء لحل مشاكلهم، فكان القضاء هو وجهة كل متخاصمين يبحثان عن العدالة وعن تسوية النزاع بشكل سلمي دون اللجوء إلى تحصيل الحق بالقوة واليد، فصارت هنالك إذًا مؤسسات قضائية مختلفة تعمل على حل النزاعات بشكل سلمي بين الأفراد.
لكن حتى ومع وجود القضاء في العصر الحديث، فإنه قد ظهرت عدة مشاكل به، منها مثلًا طول الفصل في النزاعات القضائية، ومنها التكاليف العالية للجوء إلى القضاء، ومنها كذلك الإجراءات الروتينية التي تؤخر اقتضاء الحق بشكل سلمي في القضاء، ولذلك، ظهر مفهوم جديد ونوع جديد من حل المشاكل بطريقة سلمية بدلًا من القضاء، وهو ما يُعرَف في عصرنا الحديث بـ(التحكيم).
لو أتينا لتعريف التحكيم لرأينا أن هنالك الكثير من التعريفات التي من الممكن أن نضعها حول التحكيم، ولكن، من الممكن أن نقول أن التحكيم يعني اتفاق أطراف النزاع على إحالة النزاع لجهة غير قضائية، وارتضاء هذه الجهة الغير قضائية للفصل فيما بينهما، بمعنى مثلًا؛ لو فرضنا أن هنالك (س) و(ص)، وقد حدث بينهما خلاف، فإنه بالتحكيم لا يلجؤون إلى القضاء لحل النزاع فيما بينهما، بل يلجآن إلى هيئة تحكيم/ محكم حر من أجل حل النزاع أو الخلاف فيما بينهما، والقرار الذي يصدره هذا المحكم يكون في غالب الأحيان ملزم لهذين الطرفين.
ومن الممكن أن نعرف التحكيم من ناحية الفعل نفسه، ومن ناحية الأطراف المتنازعة، فالتحكيم من ناحية الفعل هو أن يقوم شخص طبيعي أو معنوي بالفصل في نزاع بين اثنين خارج المؤسسة القضائية، وذلك بإجراءات معينة نص عليها القانون؛ وهي إجراءات تحكيمية غالبًا، أما إذا أتينا لتعريفه من ناحية الأطراف المتنازعة؛ فنقول أنه هو عبارة عن لجوء الطرفين…الخ من التعريف المذكور سابقًا، ولذلك؛ من الممكن تعريف التحكيم من وجهتين أو من جانبين مختلفين.
إذًا، نستخرج من تعريف التحكيم عدة عناصر يقوم عليها هذا المفهوم، وهي:
1. أنه هنالك نزاع: وهذا هو الطبيعي بالعلاقات البشرية، إذ أن البشر كما أسلفنا لديهم مصالح يريدون أن ينفذوها، وهذه المصالح عند نقطة معينة ستصتدم مع مصالح الآخرين، وعند هذه النقطة يثور النزاع.
2. أن هنالك طرفين في النزاع: بمعنى هنالك طرف يدعي أصل المطالبة بالحق، وهنالك طرف آخر مدعى منه الحق ومطالب منه القيام بالحق، والمحكم يفصل بين هذين الطرفين، فإما أن يحكم بالحق للذي ادعاه أو لا يحكم به له.
3. أن هنالك محكم: وهذا المحكم قد يكون شخصًا وقد يكون هيئة تحكيم، وفي الغالب وفي المنازعات الكبرى يكون هذا المحكم عبارة عن هيئة تحكيم تفصل بين الطرفين، وهذه الهيئة تكون معينة من قبل مؤسسة تحكيمية عالمية معترف بها.
4. أن التحكيم خارج المؤسسات القضائية: وهذه من أهم الأمور التي يحتويها التحكيم والتي يقوم عليها كذلك، وهو أن التحكيم لا علاقة له بالقضاء، فهو -أي التحكيم- يخرج من باب القضاء؛ والفكرة في ذلك أن التحكيم وُجِدَ كي يسهل على القضاء وعلى أطراف النزاع، الذين يرون أن التحكيم ثقيل وذو إجراءات روتينية طويلة وغير ذلك من الأسباب التي تجعل المتخاصمين يتركان القضاء ويتجهان للتحكيم.
إذًا، من الممكن أن نقول أن هذه أهم العناصر التي يقوم عليها التحكيم؛ بحيث يمثل وسيلة يلجأ لها الأطراف، وفي المستقبل، أرى أن معظم النزاعات سيتم إحالتها للتحكيم، وذلك لغاية التخفيف على القضاء ولغاية السرعة في الإجراءات وغير ذلك من العوامل التي تنحو بالفرد نحو التحكيم.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى