مقالات

(ظاهرة) أحمديان – جمال الهنداوي

قد يكون من الحكمة في أثناء تناول القضايا السياسية التي تتخذ شكل الأزمة أن يتم النظر إلى الصورة الكاملة للمشهد وعدم التقيد بالحدود الضيقة التي يصطنعها الاستغراق بالتفاصيل العديدة المحيطة بالحدث، والأفضل هو عدم الوقوف طويلاً أمام التفصيل إلا باعتبارها نافذة ننشد من خلالها النظرة الشمولية التي تستبطن القواعد التي تساعدنا على المقاربة الواعية للموضوع.
ومن هذا المنطلق فقد يكون من الصواب عدم النظر إلى بروز الجدل الواضح حول شخصية وحضور د. حسن أحمديان في مساحة التحليل السياسي والأمني، إلا كتفصيل قد يؤدي بنا الى الصورة الأشمل والأكثر نجاعة ألا وهي أنَّه ليس كل حضورٍ لافتٍ في الفضاء الإعلامي يصنع “ظاهرة”، لكن هناك عوامل أخرى قد تواكب هذا الظهور وتساعد في توهجه.
حسن أحمديان يستحق أن يُناقش بوصفه “ظاهرة”، لا نختلف على هذا، ليس بسبب الاتفاق الواسع عليه، بل قد يكون بسبب الانقسام- الواسع أيضاً – حوله، فمنذ اللحظة الأولى لظهوره ضمن ضيوف برنامج “نقاش الساعة” الذي يبث على قناة الجزيرة القطرية ، بدا أنه يُستقبل بطريقتين متساويتين بالشدة ومختلفتين بالاتجاه، ضمن بون شاسع بين إعجاب يذهب بعيداً في رفعه، وهجوم لا يقلّ اندفاعاً في تقويضه، وفي الحالتين، كان هناك شيء يتجاوز حدود التقييم الطبيعي إلى ما يشبه الاستجابة المشحونة سلفاً .. خاصة من قبل القناة التي أخذت تحشد المحللين- أو المشوشين – ضده فيما يبدو كأنه اتفاق مسبق مع إدارة البرنامج، وهو ما يشي بأنَّ الرجل تجاوز مرحلة “الضيف” إلى “الأثر” الواضح في وعي المتابعين الذين رأوا فيه شيئاً حقيقياً ، أكبر من كونه مادة إعلامية فقاعية.
د. أحمديان، في هذا السياق، يبدو أنه – أو الأقدار- قد أختار اللحظة الفارقة التي جعلت المشهد الإعلامي المصاحب لأحداث العدوان الأمريكي الصهيوني على بلاده وتداعياته على دول المنطقة، يبدو كما لو أنه يُختزل في شخصه.. على الأقل من وجهة نظر المتلقي العربي.
فالرجل، في جوهره، باحثٌ يعرف مادته، ويجيد نقلها من حقلها الأكاديمي إلى لغة الشاشة من دون أن يفقدها تماماً صرامتها..وقد ظلّ حاضراً منذ سنوات في فضاءات متعددة، لكن ظهوره في سياق المواجهة المباشرة، حيث تُختبر القدرة تحت الضغط، هو ما أظهر تلك الملكة التي بدت، فجأة، لافتة بصورة جلية، خصوصاً في تلك البراعة على الإمساك بخيط السؤال دون ارتباك، والأجابة ببناء موضوعي متماسك، والأهم، بهدوءٌ لا ينكسّر.
وهنا لا يمكن تفسير هذا “الفوران” المفاجئ لأحمديان استناداً على معطيات وإمكانيات من داخل شخصه وقدراته الذاتية فحسب، بل قد يكون هناك ثمة عامل آخر، أقل ظهوراً لكنه يبدو كان الأكثر تأثيراً، ألا وهو الضعفُ المخزي للجوق المقابل؛ وهو الأمر الذي لا يمكن مقاربته بوصفه عجزاً شخصياً للسادة المحللين –وشمطائهم- في الأداء، بقدر كونه انحرافاً بنيوياً في أصل الخطاب.
فحين يدخل النقاش طرفٌ محكومٌ بـ “حرج القضية” التي يدافع عنها، فإنَّ التوازن يختلّ قبل أن تبدأ المقارنة، حيث أنه في كثير من الأحيان، يجد الطرف الآخر نفسه مضطراً للدفاع عن سرديات محمّلة بثقلٍ أخلاقي وتاريخي يصعب تبريره أمام الوجدان العربي، خصوصاً حين يتصل الأمر بتسويق السياسات الأمريكية أو تبرير جرائم الكيان الصهيوني.
إذ إنه في مثل هذه المواقف، لا يكون الخلل بلاغياً أو معرفياً فقط، بل هو “ضعف” في التموقع بين الحق والباطل، إذ تضيق مساحة المناورة، ويتحوّل الخطاب إلى محاولة دائمة للتخفيف أو الالتفاف أو “الترقيع” السياسي.. وهذا الارتباك البنيوي يجعل المتحدث يبدو هزيلاً وتائهاً، ليس لأنه يفتقد الفصاحة، بل لأنَّ القضية التي يحملها “زائفة” في جوهرها وتتصادم بعن*ف مع الحقائق على الأرض.
فالتعثر الذي يحيط بخطاب جوقة المناوئين ينبع بالأساس من كونه خطاباً ملفقاً، مقحماً، غريباً عن نبض الشارع العربي. فبينما ينطلق أحمديان من مربع يلامس (ولو جزئياً) تطلعات الجمهور في رؤية ندّية حقيقية للمشاريع الاستعمارية، يبدو خصومه وكأنهم يقرأون من (كتالوج) مستورد من خارج هموم وتطلعات شعوب المنطقة.. وهذا التعارض الصارخ مع الوعي الجمعي العربي جعل “تماسك” أحمديان يبدو كأنه انتصار أخلاقي، لا مجرد تفوق حواري.
المشاهد العربي لا يملك ترف متابعة الحوار بعين المحايد المطمئن، بل بذهنية الباحث المتعطش لمن يعبر عن صوته المغيب المكبوت إعلامياً وسياسياً، وحين يرى خصماً يستميت في شرعنة “العدوان” بلسان عربي، ينفر تلقائياً نحو الطرف الذي يبدو أكثر انسجاماً مع نفسه ومع قضايا المنطقة. وهنا، يمكن الجدال في أنَّ أحمديان لم يقم بما يتحصل عليه من دراية وتمكن بتسويق الظاهرة ، بقدر ذلك “الفراغ القاتل” الذي تركه خطابٌ باع نفسه لسردية العدو، وفقد القدرة على الإقناع حتى لو ملك كل أدوات البلاغة.
ومن هنا، قد لا يعود الاهتمام بأحمديان متعلقاً به وحده، بل بما يتيحه من مساحة تعبيرٍ لجمهورٍ يشعر أن صوته لا يُقال كما ينبغي.. بل يمكن النقاش في أنَّ المبالغة في الإعجاب، كما المبالغة في الهجوم، ليستا سوى وجهين لآليةٍ واحدة، فقد يكون الأسراف بالإعجاب، في جانبٍ منه، ارتياح شعبي، لأنَّ ما قيل ينسجم مع ما يودّ الناس سماعه.. والهجوم، في جانبه الآخر، انزعاج نخبوي، لأنَّ هذا الانسجام نفسه يأتي من جهةٍ غير متوقعة، وبثقةٍ تثير من الإرباك أكثر مما تقدم من تفسيرات.. وربما لهذا السبب غالباً ما تبدو مثل هذه الظواهر أكبر من أصحابها.. وأبعد أثراً، لأنها تقع في نقطة التقاء نادرة بين خطابٍ مرتبك، يستحضر مقارباته من أكثر الكتب والشعارات عتقاً، لمناقشة قضيةٍ حرجة تضرب أطنابها في طول وعرض المنطقة، وجمهورٍ يبحث عمّن يقول ما يشعر به دون تردد.
لقد تحول أحمديان، بوعي أو من دونه، إلى “مغناطيس” لهذا الميل العاطفي والسياسي المتراكم لدى العرب. والاحتفاء الشعبي بطروحاته هو في جوهره أقرب إلى الاحتجاج الرمزي الصامت على خطاب إعلامي حاول طويلاً تزييف الواقع، فجاء ليكشف بساطة المعادلة، وهي أنه عندما تمتلك قضية عادلة (أو على الأقل سردية متسقة مع تطلعات الناس) فستكون تلك هي الحجة الأقوى التي لا يمكن لأية “بروباغندا” أن تكسرها.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى