مقالات

حدود الحصانة النيابية في ضوء المادة (63) من الدستور العراقي

إن التجاوزات السلوكية التي تمس السلم المجتمعي تحت غطاء “الصفة النيابية” ليست مجرد خرق محلي، بل هي انتهاك لجوهر العقد الاجتماعي والمواثيق الدولية التي صادق عليها العراق. ويمكن تأصيل هذا النقد وفق المقاربات القانونية التالية:
أولاً: المرجعية الدولية (العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية)
يعد العراق طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يضع حدوداً واضحة لحرية التعبير. فالمادة (19) منه، ورغم ضمانها لحرية الرأي، إلا أنها أخضعتها لقيود ضرورية تتعلق بـ “احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم” و “حماية الأمن القومي أو النظام العام”. كما أن المادة (20) توجب قانوناً حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العن*ف. لذا، فإن حصانة النائب لا يمكن أن تصطدم بهذه الواجبات الدولية الملزمة للدولة بكافة سلطاتها.
ثانياً: التحديد الدستوري للحصانة (المادة 63/ثانياً)
اتساقاً مع المعايير الدولية، حدد الدستور العراقي في المادة (63/ثانياً) نطاق الحصانة بالآراء التي تُطرح “أثناء دورة الانعقاد” وفي إطار العمل التشريعي حصراً. إن تحول الخطاب النيابي إلى أداة للتحريض أو القذف يخرجه من كونه “رأياً سياسياً” محصناً، ليصبح “فعلاً جرمياً” يخضع لولاية القضاء، خاصة وأن الحصانة وُجدت لحماية الوظيفة لا لإعفاء الشخص من المسؤولية الجنائية.
ثالثاً: مخالفة النظام الداخلي ومدونة السلوك البرلماني
تعتبر السلوكيات التي تثير الانقسام الوطني خرقاً جسيماً لـ النظام الداخلي لمجلس النواب و مدونة السلوك البرلماني. هذه النصوص تفرض على النائب معايير أخلاقية وقانونية صارمة، وتجعل من “هيبة المجلس” مصلحة قانونية يجب حمايتها عبر تفعيل الآليات الانضباطية وتوصيات رفع الحصانة عند تحقق أركان التجاوز.
رابعاً: فلسفة التمثيل (الأصيل والوكيل)
من الناحية الأكاديمية، لا يمكن للوكيل (النائب) أن يتمتع بامتيازات تفوق ما يملكه الأصيل (المواطن). فإذا كان المواطن يُساءل قانوناً عن خطابات الكراهية أو التهديد، فإن النائب الذي يستمد شرعيته من هذا المواطن لا يمكنه التذرع بالحصانة لممارسة أفعال مُجرمة قانوناً؛ فالحصانة هي “استثناء” من الأصل العام (سيادة القانون)، والاستثناء يُفسر في أضيق حدوده ولا يتوسع فيه ليشمل الجرائم.
الاستنتاج:
إن صمت المؤسسة التشريعية عن “شخصنة الحصانة” يحولها من أداة لحماية الديمقراطية إلى مظلة للإفلات من العقاب. إن الالتزام بـ العهد الدولي و المادة (63) من الدستور يفرض على رئاسة المجلس التحرك بمسؤولية لرفع الحصانة عن المتجاوزين، صيانةً للسلم الأهلي وتعزيزاً لثقة الشعب في مؤسساته الدستورية.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى