مقالات

نبذة عن تاريخ التحكيم في الزمن القديم – زيد نائل العدوان

كان البشر منذ القدم يعيشون في مجتمعات مختلفة، وكان لكل واحد من البشر مصالح قد تتوافق وقد تتعارض مع الآخر، ولذلك، وُجِدَ ما يسمى القضاء، والذي يفصل في النزاعات بين الناس والأشخاص معنوية كانت أو طبيعية.
ولكن، وإلى جانب القضاء، كانت هنالك وسائل أخرى للفصل في النزاعات التي تثور بين الأفراد، من هذه على سبيل المثال وسيلة التحكيم؛ بحيث أنني قد عرفت التحكيم في المقال السابق بأنه (اتفاق بين طرفين على إحالة النزاع بينهما إلى جهة غير قضائية)، ولكن، وفي هذا المقال، سأستعرض شيئًا من الجانب التاريخي لتطور مفهوم التحكيم؛ فأسرد أهم المحطات التي مر بها التحكيم منذ القدم وحتى الآن.
إن التحكيم كان معروفًا منذ قديم الزمان، فلدى كل المجتمعات القديمة وُجِدَت وسائل أخرى غير القضاء للجوء إليها لحل الخلافات والمنازعات بين الأطراف، فالتحكيم كان يوجد بالحضارات القبائلية القديمة التي جعلت من القبيلة الهيكل التنظيمي للتشريعات المختلفة التي تحكم حياتها، فكان اللجوء للتحكيم في هذه الحضارات القبائلية أمرًا اختياريًا وغير إلزامي.
وكانت القبائل عادة ما تلجأ إلى المحكمين أصحاب الخبرة والحكمة للحد من آثار النزاع بين الطرفين، فالعرب قديمًا عرفت التحكيم بأبهى صوره، وذلك عندما كان تلجأ القبائل للحكماء كي يصبحوا محكمين في نزاعات كثيرة، إذ كانت العرب منقسمة لطرفين في التحكيم:
1. من العرب من كان يلجأ إلى الكهنة والعرافين والسحرة لحل النزاع؛ حيث كان الكهنة والعرافين لهم قوة في المجتمعات القبائلية العربية القديمة؛ فكان العرب قديمًا يظنون أن هؤلاء يمتلكون قوى خارقة للطبيعة تمكنهم من معرفة الغامض من الأمور والمبهم، ولذلك كان العرب يحتكمون إليهم.
2. من العرب كذلك من كان يلجأ إلى الحكماء؛ وهم عبارة عن أشخاص لهم باع طويل في الحياة ولهم خبرة طويلة وتجارب كثيرة في الأمور المختلفة، فكان العرب يقومون بتحكيم هؤلاء “الحكماء” في أمورهم الخاصة، فيحكمون بما يرونه مناسبًا بالاستناد لحسهم الفطري في العدالة والمساواة.
3. وكان العرب يلجؤون لوسائل أخرى غريبة عجيبة في التحكيم، فمثلًا، إذ أراد اثنين أن يتحاكما فيما بينهم، فإنهم ينصّبون الحيوانات محكمًا؛ بحيث يعتبرون تصرفاتها أساسًا وحكمًا يفصل في النزاع؛ مثال ذلك أن يطلق المتخاصمين طيرًا فإن اتجه الطير لليمين كان الطرف الأول على حق، وان اتجه الطير لليسار كان الطرف الثاني على حق، وهذه الفكرة عرفها العرب بما يسموه بـ(التطير).
وفي العهد القديم، خصوصًا باليونان القديمة، كان المواطنين الإغريق يتقدمون للتحكيم من خلال تسجيل أسماءهم في صحيفة خاصة بأسماء المحكمين؛ حيث يقع التحكيم عليهم حسب نظام الدور أو نظام الاختيار؛ بحيث كانت المحاكم في اليونان القديمة مكتظة بالقضايا؛ لذلك وبدافع التخفيف عن المحاكم وُجِدَ نظام التحكيم.
وأظن أن اليونانيون القدامى لجأوا للتحكيم من باب أنهم يحبون الحوار والوساطة في الآراء، فاليونان القديمة هي بلد الفلسفة والجدالات والحوارات والآراء المختلفة، والتحكيم يدخل من ضمن التوسط في الآراء والتوفيق فيما بينها، وهذا ما كانت تبرع فيه اليونان القديمة؛ فبالتالي لا عجب في أن اليونان كانت من البلاد السباقة بالتحكيم.
وليس هذا فقط، بل حتى أن اليونان أنشأوا مجالس سياسية للفصل فيما بين الدول الصغرى مثل دولة أثينا واسبارطة وطيبة وغيرها من الدول اليونانية؛ وذلك لحل أي نزاع سياسي فيما بين هذه الدول، وهذه نقطة تُحسَب لليونان، إذ أن التحكيم في العصر الحديث لا يكون في المسائل السياسية؛ لإنها تتعلق بالنظام العام؛ أي لإنها تُعتَبر من الأمور السيادية للدول التي تمارس فيها الدولة نطاق سيادتها دون الالتفات للآراء المخالفة، وبالتالي تكون اليونان سبّاقة بالتحكيم السياسي، ومع أن التحكيم لا يكون في المسائل السياسية، إلا أن هذا أمرٌ نظري، إذ في الواقع العملي نرى تطبيقه في المسائل الحديثة مثل المفاوضات السياسية التي تجري بين الدول.
إذًا، نرى أن التحكيم ها هنا لا يقتصر على المسائل التجارية والمدنية، بل يمتد كذلك للمسائل السياسية، وبذلك يكون قد امتد نطاق التحكيم وتعريفه ليشمل مسائل متعددة، رغم أنه، وفي العصر الحديث، عندما نتحدث عن التحكيم فنحن نتحدث فقط عن التحكيم في المسائل التجارية والمدنية، دون الدخول في الأمور الجزائية والسياسية، إذ أن هذه لا تعد تحكيمًا بالمفهوم المعاصر بقدر ما تعد (وساطة) أو (مفاوضات).
ولم يقتصر التحكيم كذلك على اليونان؛ بل امتد أيضًا إلى الرومان، ذلك أن الرومان ورثوا من اليونان أمورًا كثيرًا، منها التحكيم؛ إذ كان أطراف النزاع عند نشوب خلاف فيما بينهم يلجؤون لشخص يسمى (بريتور) وهو مسؤول حكومي في الحكومات الرومانية القديمة، هذا البريتور يقوم بإحالة النزاع الناشئ بين المتخاصمين إلى المحكم؛ وذلك بعد ما يدون أقوال الخصوم وادعاءتهم في وثيقة ومن ثم يبعثها للمحكم كي يفصل فيما بينهم.
وكما يُذكَر في الكتب الفقهية؛ أي في كتب الفكر القانوني (وليس كتب الفقه الشرعي)؛ أنه رغم اعتراف الرومان بالتحكيم، إلا أن قرارات التحكيم كان تفتقر للإلزام القانوني في تنفيذها، فلم يكن هنالك شيئًا يلزم أطراف التحكيم بضرورة تنفيذ حكم التحكيم، إلا في حالة إذا وُضِعَ شرطٌ في اتفاق التحكيم يقتضي بتغريم الطرف الآخر بغرامة مالية في حالة امتناعه عن تنفيذ الحكم التحكيمي، فحينها يصبح ملزم؛ لكن إلزاميته هذه مصدرها الاتفاق وليس القانون نفسه.
وربما السبب في ذلك أن المشرعين الروماني كانوا يولون أهمية كبيرة لقاعدة (العقد شريعة المتعاقدين)، والتي تنص على أن المتعاقدين من الممكن أن يتفقا على أي شيء ما دام أنهم لن يخالفوا النظام العام؛ وأن العقد هو القانون الذي يحكمهم، وبالتأكيد فإن هذه القاعدة كانت تنحسب على التحكيم باعتباره اتفاقًا؛ أي عقدًا، بينما على الطرف المقابل، لم يكن يهتم الرومان بالتشريع القانوني؛ أي لم يكونوا يهتموا بوضع قواعد قانونية ملزمة للأطراف؛ وهذا يرجع إلى أن الرومان كانوا يعطون للفرد مجالًا واسعًا من الحرية؛ فلم يكونوا يحبوا أن يضيقوا عليه بالكثير من القواعد القانونية الملزمة.
وبالتأكيد، كان التحكيم موجودًا في العالم القديم، خصوصًا بين التجار؛ إذ ما كان التجار يحبون اللجوء للمحاكم التي قد تستغرق وقتًا طويلًا للفصل في النزاع، فكانوا إذًا يقومون بتعيين طرف ثالث للفصل بين أطراف النزاع، وهذا الأمر معروف منذ الحضارة المصرية القديمة وصولًا للحضارات الأوروبية الوسطى.
إذًا، نجد أن التحكيم كان تخصصًا قديمًا ضاربةٌ جذوره في الزمان القديم، ونجد أن المتخاصمين كان يجلؤون له في العصور البعيدة لذات الأسباب التي تجعلهم يلجؤون له في الزمن الحديث؛ وذلك اختصارًا لأمد التقاضي وهربًا من الإجراءات الروتينية الطويلة في المحاكم النظامية والرسمية الموجودة بالبلدان القديمة، وهذا بحد ذاته يعطينا نبذة عن أهمية التحكيم في البيئة الحياتية القديمة وعن ضرورته للإنسان القديم.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى