آراء متنوعة

من بيجي إلى بغداد الحيتان لا تسقط وحدها

من بيجي إلى بغداد
الحيتان لا تسقط وحدها

 

هل تكشف التحقيقات الشبكات أم تكتفي بالواجهات؟

المقدمة

ليست المشكلة في العراق أن ملفات الفساد نادرة، بل إن كثرتها أصبحت جزءاً من المشهد اليومي الذي اعتاد عليه المواطن حتى كاد يفقد ثقته بإمكانية المحاسبة.

فمنذ أكثر من عقدين، تتكرر المشاهد ذاتها: اتهامات بمليارات الدنانير، ووثائق تتحدث عن هدر المال العام، وتصريحات تتهم مسؤولين كباراً، ولجان تحقيق تُشكَّل، ثم تضيع الحقيقة بين النفوذ والوساطات والصمت.

لكن ما يجعل القضية الحالية مختلفة هو أنها لا تتعلق باتهامات فساد فحسب، بل باتهامات أخطر تتحدث عن محاولات للتأثير على مسار التحقيقات نفسها، وعن ملفات قيل إنها وصلت إلى جهات رقابية وتشريعية عليا، وعن مسؤولين وسياسيين وأصحاب نفوذ ذُكرت أسماؤهم في سياق سجال علني بات يتابعه العراقيون باهتمام كبير.

إن ما يُطرح اليوم بشأن قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية ومدير مصافي الشمال السابق عدنان أحمد حمود الجميلي، وما رافقها من تصريحات للنائب السابق مشعان الجبوري، وما أُثير بشأن دور جهات رقابية وتشريعية مختلفة، إضافة إلى حديث رئيس الوزراء علي الزيدي عن رفض عرض مالي ضخم للتدخل في مسار القضية، كل ذلك نقل الملف من دائرة الشبهات الإدارية إلى دائرة الرأي العام.

وهنا لا يصبح السؤال: من هو المتهم؟

بل يصبح السؤال الأهم:

هل نحن أمام قضية فردية تخص مسؤولاً واحداً؟

أم أمام فرصة نادرة لكشف شبكات المصالح التي طالما قيل إنها تعيش في الظل وتتحرك خلف الواجهات؟

إن القضاء وحده هو صاحب الكلمة الفصل، وهو الجهة الوحيدة المخولة بإثبات الوقائع أو نفيها، لكن من حق العراقيين أيضاً أن يعرفوا كيف تتحرك الملفات عندما تمس المال العام، وكيف وصلت الاتهامات إلى هذا المستوى من الخطورة، ولماذا يزداد الحديث اليوم عن الحيتان أكثر من الحديث عن الأفراد.

أولاً: من الاتهام إلى السؤال المشروع

خلال الأيام الماضية، تصاعد الجدل بعد تصريحات علنية أطلقها النائب السابق مشعان الجبوري، تحدث فيها عن ملفات فساد ضخمة مرتبطة بقطاع المصافي، واتهم فيها عدنان الجميلي بإدارة منظومة فساد واسعة داخل هذا القطاع.

كما تحدث الجبوري عن ملفات ووثائق قال إنها سُلِّمت إلى رئيس لجنة النزاهة النيابية زياد الجنابي في التاسع من أيلول 2025، معتبراً أن تلك الملفات لم تأخذ مسارها المتوقع لاحقاً.

هذه التصريحات تمثل اتهامات سياسية وإعلامية ما زالت بحاجة إلى تحقيقات وإثباتات قانونية، لكنها في الوقت نفسه تثير أسئلة مشروعة لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها.

ثانياً: عندما تصبح النزاهة جزءاً من الأسئلة

الخطير في أي قضية فساد ليس حجم الأموال المتداولة في الروايات المختلفة، بل احتمال أن تتحول الجهات المكلفة بمكافحة الفساد نفسها إلى جزء من الجدل العام.

فالحديث الذي أثير بشأن لجنة النزاهة النيابية ورئيسها زياد الجنابي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إدانة لأحد، بل باعتباره دعوة إلى التوضيح والشفافية.

فالمؤسسات الرقابية القوية لا تخشى الأسئلة، بل تجيب عنها، لأن ثقة الناس تُبنى على الوضوح لا على الصمت.

ثالثاً: اعتقال الجميلي… نهاية الملف أم بدايته؟

جاء توقيف عدنان الجميلي ليعيد فتح الباب أمام نقاش أوسع بكثير من شخصه أو منصبه.

فإذا كانت هناك شبهات أو ملفات يجري التحقيق فيها، فإن الرأي العام لا يبحث فقط عن مصير مسؤول واحد، بل عن طبيعة الشبكات التي قيل إنها استفادت من النفوذ والعقود والحماية السياسية والإدارية خلال السنوات الماضية.

وهنا تبرز العبارة التي تختصر جوهر القضية:

الحيتان لا تسقط وحدها.

فالقضايا الكبرى، إذا ثبتت، لا تكون عادة نتاج شخص منفرد، بل نتاج بيئات كاملة من المصالح المتشابكة.

رابعاً: عرض الـ200 مليون دولار… أخطر ما في القصة

ما أثار اهتمام العراقيين أكثر من أي تفصيل آخر هو تصريح رئيس الوزراء علي الزيدي بشأن رفض عرض مالي ضخم قيل إنه بلغ 200 مليون دولار للتدخل في مسار القضية.

وإذا كانت هذه الرواية صحيحة، فإنها لا تتعلق بمسؤول واحد، بل تشير إلى حجم المصالح التي تخشى وصول التحقيق إلى نهاياته.

فالخطر لا يكمن في الفساد وحده، بل في محاولة تعطيل العدالة ومنعها من الوصول إلى الحقيقة.

خامساً: المال العام لا يملك صوتاً

المواطن العراقي لا يملك شركات كبرى ولا نفوذاً سياسياً ولا حمايات مسلحة.

كل ما يملكه هو حقه في معرفة أين ذهبت أموال الدولة، ومن استفاد منها، ومن حماها إن كانت هناك تجاوزات بالفعل.

ولهذا فإن معركة مكافحة الفساد ليست معركة سياسية بين خصوم، بل معركة أخلاقية وقانونية للدفاع عن المال العام وعن ثقة الناس بالدولة.

الخاتمة

إن القضية المطروحة اليوم ليست قضية عدنان الجميلي أو زياد الجنابي أو مشعان الجبوري أو أي اسم آخر.

القضية الحقيقية هي قدرة الدولة العراقية على الانتقال من مرحلة تداول الاتهامات إلى مرحلة كشف الحقائق.

فالعراقيون لا يريدون أحكاماً تصدرها مواقع التواصل الاجتماعي، ولا إعدامات سياسية عبر الشاشات، ولا حملات تشهير متبادلة.

ما يريدونه أبسط من ذلك وأكثر أهمية:

تحقيق مستقل، وقضاء عادل، وشفافية كاملة.

فكل من وُجهت إليه اتهامات علنية موثقة يجب أن يخضع للتحقيق، وكل من يثبت تورطه يجب أن يُحاسب، وكل من تستر عليه يجب أن يُحاسب معه.

فالدولة التي تحاسب المنفذ وتترك الراعي، أو تعاقب الصغير وتخشى الكبير، لا تق*ت*لع الفساد بل تعيد إنتاجه بأسماء جديدة.

ولهذا تبقى القضية الحقيقية أبعد من شخص وأكبر من منصب:

هل تكشف التحقيقات الشبكات أم تكتفي بالواجهات؟

ذلك هو السؤال الذي ينتظر العراقيون إجابته، وذلك هو الاختبار الحقيقي لأي عهد يرفع شعار مكافحة الفساد واستعادة.
د. محسن علي المختار

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى