مقالات سياسية

كذبة التطبيع وحملة استهداف غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو

نافع شابو
مقدمة في ظل تصاعد الحملات الإعلامية الموجهة ضد غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو، برزت تهمة خطيرة باطلة تزعم أنه دعا إلى التطبيع مع إس*رائي*ل. هذه الاتهامات لا أساس لها، وقد تم تحريف خطاباته الإنسانية والدينية لتخدم أجندات سياسية معينة. في هذا المقال، نوضح الحقائق مع الاستناد إلى أقوال البطريرك وتصريحاته الرسمية.
تتواصل منذ فترة حملة منظمة تستهدف غبطة البطريرك، كان آخر فصولها اتهامه زوراً وبهتاناً بالدعوة إلى التطبيع مع إس*رائي*ل. وهي تهمة خطيرة، لا تستند إلى أي دليل أو تصريح موثق، بل تقوم على تحريف متعمد لكلمات قيلت في سياق روحي وإنساني بحت.
أن هذه التهمة عارية تماماً عن الصحة، ولم تصدر عن غبطة البطريرك لا تصريحاً ولا تلميحاً، لا في خطاب علني ولا في لقاء خاص. إن ما جرى هو تحريف متعمد لكلمات قيلت في سياق ديني وإنساني، تتعلق بالدعوة إلى السلام والتعايش داخل العراق، وتحويلها بشكل مغرض إلى اتهام سياسي خطير.
خطاب الكاردينال البطريرك لويس روفائيل ساكو خلال قداس عيد الميلاد بحضور رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني وشخصيات دينية وسياسية عراقية، فُهم منه على أنه دعوة إلى “التطبيع” مع إس*رائي*ل في حين كانت كلمته واضحة وضوح الشمس ، ونقتبس ما قاله حرفيا: “هناك كلامًا عن التطبيع وأتمنى من الحكومة الجديدة أن يكون التطبيع في العراق ومع العراق بلد الأنبياء، كما أن التلمود قد كتب في بابل، فالعالم يجب أن يأتي إلى العراق وليس إلى مكان آخر“.
فهنا المقصود من كلمة “التطبيع” لم يكن دعوة الى تطبيع العراق مع دولة معينة أو مع إس*رائي*ل، بل أنّها كانت في سياق دعوته الى أن “يطبع العالم” علاقاته مع العراق ويعود الانتباه الى مكانته الدينية والحضارية، وأنَّ خطابه أُخرج من سياقه ألأصلي . فنيّة غبطة البطريرك كانت جذب العالم الى العراق لأهداف دينية وسياحية.
النفي القاطع من البطريركية الكلدانية
أصدرت البطريركية الكلدانية عدة بيانات رسمية تنفي فيها جملة وتفصيلاً أي علاقة أو تواصل سياسي مع إس*رائي*ل.
وصفت البطريركية هذه الاتهامات بأنها “أكاذيب” و”فبركات” تهدف إلى اغتيال شخصية البطريرك معنوياً. تحدى غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو، وإعلام البطريركية مروجي هذه الشائعات بأن يقدموا دليلاً واحداً (صورة، وثيقة، أو تسجيل). كما نفى غبطته زيارته لإس*رائي*ل أو لقائه بمسؤولين إس*رائي*ليين ً.
ما الحقيقة؟
غبطة البطريرك لم يدعُ في أي خطاب أو لقاء أو بيان إلى التطبيع السياسي مع إس*رائي*ل. كل ما صدر عنه كان دعوة إلى السلام، والتعايش، والتطبيع الاجتماعي داخل العراق نفسه، أي عودة الحياة الطبيعية بين أبناء الوطن الواحد بعد عقود من العن*ف والانقسام.
غبطة البطريرك يدعو دائماً إلى السلام العادل والشامل، ويؤكد على حقوق الشعب الفلسطيني وكرامته، ويدعو لحل الدولتين وفقاً للشرعية الدولية، وهو موقف بعيد كل البعد عن “التطبيع السياسي” المجاني. تحويل هذا الخطاب الأخلاقي إلى “تطبيع مع إس*رائي*ل” هو تزوير للمعنى وتسييس مقصود للكلمة.
غبطة البطريرك رفض مغادرة العراق، في أحلك الظروف، ودافع عن وحدة العراق وعن المكون المسيحي كجزء أصيل من النسيج العراقي. محاولة وصمه بالخيانة أو العمالة تتناقض مع تاريخه الطويل في خدمة العراق وشعبه.
سياق “الصراع السياسي” الداخلي
من الضروري فهم توقيت ومصدر هذه الاتهامات لفهم بطلانها:
1-أداة للتسقيط السياسي: غالباً ما تظهر هذه الاتهامات عند اشتداد الخلاف بين البطريركية وبعض الجهات السياسية حول تمثيل المسيحيين أو الاستيلاء على مقدراتهم وأوقافهم.
2- سلاح التخوين: في البيئة السياسية العراقية، تُعد تهمة “التطبيع” أسهل سلاح يُستخدم لتشويه سمعة الخصوم ولتأليب الرأي العام ضدهم، خاصة عندما لا يملك الخصم حججاً قانونية أو أخلاقية حقيقية.
لماذا هذه الحملة الآن؟
الهجوم على البطريرك ليس جديداً، بل هو حلقة ضمن سلسلة استهدافات سابقة
لقد عُرف غبطة البطريرك الكاردينال لويس روفائيل ساكو، منذ توليه السدة البطريركية، بمواقفه الواضحة في:
1 – دفاعه العلني عن حقوق المسيحيين والأقليات.
2 – رفضه إخضاع الكنيسة لإرادة أحزاب أو جماعات مسلحة.
3 – وقوفه ضد محاولات الاستيلاء على أوقاف وممتلكات الكنيسة.
4 – اعتراضه على قرارات رسمية مست موقع البطريركية القانوني والدستوري.
5 – رفض الطائفية والتبعية السياسية
6 – المطالبة بدولة المواطنة والقانون
7 – الحفاظ على استقلالية الكنيسة وكرامتها
كل ذلك جعله هدفاً لقوى نافذة لا تتحمل وجود مرجعية دينية مستقلة ونزيهة.
من يقف وراء الاتهامات؟
منذ سنوات، يتعرض غبطة البطريرك الكلداني الكاردينال لويس روفائيل ساكو إلى حملة منظمة وممنهجة، لم تتوقف عند حدود الإساءة الشخصية، بل تجاوزتها إلى محاولات تشويه السمعة، والتضليل الإعلامي، وتلفيق التهم الخطيرة التي تمس الموقف الوطني والديني والأخلاقي لرجل كرّس حياته للدفاع عن كرامة المسيحيين وحقوق الأقليات في العراق.
تقف خلف هذه الحملة:
1 – شخصيات سياسية معروفة بعدائها للبطريرك.
2 – جهات تسعى لتصفية حسابات داخلية باسم “الدفاع عن الثوابت”.
3 – أطراف تحاول جرّ البطريرك إلى صراعات إقليمية لا علاقة له بها، لتشويه صورته أمام الرأي العام العراقي والإسلامي.
لماذا الصمت داخل بعض الأوساط المسيحية؟
الصمت أو المواقف الملتبسة من بعض رجال الدين المسيحيين والمثقفين لا تعكس بالضرورة اقتناعاً بالتهم، بل تعود إلى:
الخوف من الضغط السياسي والإعلامي.
حسابات شخصية أو كنسية داخلية.
الخشية من الاتهام أو الاستهداف في مناخ متوتر.
لكن هذا الصمت، يا للأسف، يخدم حملة التشويه ويضعف الموقف المسيحي العام، وخاصة صمت بعض رجال الدين والشخصيات المسيحية، أو اتخاذهم مواقف ملتبسة، رغم علمهم بحقيقة الأمور. إن هذا الصمت لا يخدم إلا من يقف وراء التشويه، ويضر بوحدة الموقف المسيحي في مرحلة هي الأخطر منذ عقود.
أين المجتمع الدولي؟
الأطراف الدولية والفاتيكان يتعاملون عادة بسياسة هادئة، ويدركون أن ما يجري هو نزاع داخلي وتوظيف سياسي لكلمات دينية، وأن غبطة البطريرك لم يخرج يوماً عن ثابته الوطنية والروحية، وأن غياب التصريحات العلنية لا يعني القبول بهذه الاتهامات، بل يعكس أسلوباً دبلوماسياً حذراً.
ما الهدف الحقيقي لهذه الحملة؟
إن الهدف الحقيقي من هذه الحملات المتكررة هو إضعاف صوت وطني حرّ، وتجريد الكنيسة من دورها الروحي والأخلاقي والحقوقي، وتحويلها إلى مؤسسة صامتة أو تابعة.
الهدف المبطن من هذه الحملات هو:
1-إضعاف البطريرك كممثل شرعي وقوي للمسيحيين.
2-تفريغ الكنيسة من دورها الوطني والأخلاقي.
3-فتح الطريق أمام قوى بديلة خاضعة للنفوذ السياسي.
4 – إسكات صوت ضمير وكرامة المسيحيين والأقليات في العراق
5- السيطرة على أوقاف الكنيسة وممتلكات المسيحيين ومصادرتها
خلاصة: اتهام غبطة البطريرك بالدعوة إلى التطبيع مع إس*رائي*ل هو كذب سياسي مكشوف، يراد منه تشويه رجل دين عُرف بنزاهته وشجاعته ودفاعه عن المظلومين، وغياب التوضيح الرسمي من بعض الجهات يزيد التشويه.
يمكن الرد باختصار بأن هذه الاتهامات هي حملة تشهير ممنهجة تفتقر إلى أي دليل مادي، وتأتي في سياق صراع سياسي داخلي يهدف لإسكات صوت البطريرك الذي يندد بالفساد وسرقة أملاك المسيحيين، ولا علاقة لها بالواقع أو بمواقف البطريرك القومية والإنسانية الثابتة.
غبطة البطريرك، طوال مسيرته، لم يكن سياسيًا بالمعنى الحزبي، بل رمزًا للضمير الوطني والدفاع عن حقوق الأقليات لا بل حقوق المواطنين أجمع، بغض النظر عن عقيدتهم او ديانتهم. كان غبطته، ولايزال، صوت الحق والعدالة والكرامة الإنسانية، وسيبقى يدافع عن السلام والمواطنة مهما كانت الحملات ضده، وسيظل صوت الحق في عراق تتقاطع فيه المصالح وتضيع فيه الحقيقة. هو صوت، للسلام، للمواطنة، للعدالة، ولرسالة المسيح في المحبة. أي تحريف لكلماته لا يغير الحقيقة. غبطته يقف دائمًا مع الحق والكرامة الإنسانية، والحملات المغرضة لن تكسر هذا الموقف.
خاتمة – صلاة من أجل غبطة البطريرك
في الختام، وأمام ما يتعرض له غبطة البطريرك الكلداني الكاردينال لويس روفائيل ساكو من حملات تشويه وافتراء، لا يسعنا إلا أن نرفع قلوبنا قبل أصواتنا ونضع الحقيقة بين يدي الله، لأن الحق لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى نور.
ونطلب من الرب يسوع المسيح أن يمنح غبطته القوة والحكمة والصبر، وأن يثبّت قلبه في الحق ويحفظه من كل ظلم وكيد، ويُنير دربه ليواصل رسالته في خدمة الإنسان والدفاع عن المظلومين، وصون كرامة الكنيسة وأبنائها.
نصلّي من أجل العراق، ليكون وطناً يتّسع للجميع،لا يُقصي ولا يُخوِّن، بل يحمي الإنسان لكونه إنساناً.
نطلب من الرب يسوع المسيح ان يكون عيد ميلاده في قلوبنا لينور حياتنا وأن تكون رأس السنة المباركة بداية وعي جديد، وبداية سلام لا يُفرض بالقوة، بل يولد في القلوب، وليكن نور المسيح أقوى من كل افتراء، وأبقى من كل حملة عابرة.
آمين

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى