مقالات دينية

من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر

                             من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر

 بقلم / وردا إسحاق قلّو

في شريعة موسى ، قال الله في الوصية السادسة ( لا تزنِ ) فالزاني والزانية بحسب الناموس يرجمان بالحجارةِ حتى الموت .

في أحد الأيام كان يسوع منذ الفجر في الهيكل وحوله جمهور يسمعون إلى تعليمه ِ . أراد الكتبة ومعلموا الشريعة والفريسيون رسم خطة ذكية ودقيقة ضد يسوع لإيقاعه في مصيدة ، ومن ثم النيل منه أمام السلطات الرومانية . والخطة كانت جلب إمرأة زانية ضبطت في ذات الفعل مع إعداد شهود لكي يشهدوا بحسب شريعتهم لكي ترجم . لكننا نقول لماذا أتوا بها إلى المسيح  أليس لديهم شيوخ في مجمع السنهدريم ؟ الجواب ، لكي يضعوا مسؤولية رجمها وموتها على المسيح ، علماً بأن إعدام الإنسان لم يكن من حق أحد إلا السلطة الرومانية ، لهذا أرادوا تحويل قضية تلك الزانية إلى يسوع ليحملوه مسؤولية رجمها ، ومن ثم رفع الشكوى ضده أمام السلطات المدنية لأنه أمر برجمها وموتها . فالغاية الأساسية من جلب الزانية إلى يسوع لم يكن أولاً للحكم على الزانية ، بل كان لوضع يسوع في مشكلة أمام السلطة الرومانية . فطلبهم المنسوج في خطة دقيقة بحسب إعتقادهم سينالون من يسوع بكل تأكيد ، واثقين ومتحدين له من أجل تصفيته .

أحضروا الزانية أمام يسوع وسألوه قائلين ( يا معلم ، هذه المرأة ضبطت وهي تزني ، وقد أوصانا موسى في شريعته بإعدام أمثالها رجماً بالحجارة ، فما قولك أنت ؟ ) السؤال معد سلفاً بمكر ودهاء بحيث أن كان جوابه نعم لترجم بحسب الشريعة ، فإنه سيجعل من نفسه مسؤولاً يشرِع أوامر بالقتل فيشتكون عليه عند السلطات الرومانية التي لها الحق فقط بإصدار أوامر القتل ، وهم يعرفون هذه الحقيقة جيداً لهذا لم يستطيعوا يوماً قتل أو رجم المسيح لهذا عندما أتت ساعته أخذوه إلى بيلاطس البنطي . وإن أجاب بالنفي ، أي ترحم ولا ترجم فإنه سيخالف معتقدلتهم ويصبح عدوا للشريعة  فيشتكون عليه عند سلطاتهم الدينية لأنه نقض الناموس . لهذا ظنوا إنه الخاسر لا محاله بكلتي الحالتين . أي عندما يكون جوابه ب ( نعم ) أو ( لا )   .

لم يرد عليهم المسيح بل أنحنى نحو الأسفل عند سماعه للطلب وبدأ يكتب بأصبعه على الأرض . لنسأل ونقول : ( ماذا كان يكتب على الأرض ؟ ) هل كان يدون خطايا كل المتحلقين حول المرأة لرجمها ؟ حدث صمت في تلك اللحظة لعدم إكتراث يسوع لطلبهم . لم يفهوا سبب سر صمته . لم يعلموا إنه يخطط للنيل منهم لا من المرأة ، وبعد قليل سيعلن الحكم ، أرادوا أن يخترقوا ذلك الصمت ليكرروا طلبهم بإلحاح للرد على سؤالهم . فاعتدل يسوع لكنه لم يرد على سؤالهم بنعم أو لا كما كانوا متوقعين . أي لم يكن رده معاكساً لشريعتهم أو للسطات الرومانية ، بل كان بعيداً عما خططوا له ، كما لم يهرب من سؤالهم ، بل قبل التحدي ، فقال لهم ( من كان بينكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر ) ” يو 7:8 ” . كان يعلم جيداً بكل خطاياهم ، إذاً لم يعادي الشريعة والناموس وينقضها ، بل جاء ليكملها ، وفي كلامه عمل بها لكن بدقة وكما تريد الشريعة حقاً بشكل شمولي ، فأمر برجم المرأة من قبل من يكون بمستوى الشريعة ، وفي الوقت نفسه لم يطلب بإطلاق سراحها ولم يؤيد فعلها الشنيع . وهكذا كانت ضربته قاسية جداً لهم ، لأنهم قساة القلوب ولا يحكمون بالعدل لأنهم هم أيضاً ملوثون بخطايا أسوأ من الزانية . ومن خطاياهم في هذه المشكلة إنهم لم يجلبوا الزاني الذي ضبط معها ، أم هل كان الزاني معهم أيضاً لأنهم هم من ارسلوه إليها مع إرسال شهود ليشهدوا على الجريمة ، ومن ثم يأتون بها إلى المسيح ؟ علم يسوع بنواياهم المبيتة ضده ، والزانية كانت حجة لهم لكي يناوا منه ـ لكنه كشف المؤامرة . هذا الذي يعرف حتى خطاياهم المستورة التي لا يعرفها أحد إلا هو ، فاحص القلوب والنوايا فبرهن بأنهم خطاة أيضاً ، وهم أيضاً يستحقون الرجم .

عاد يسوع بعدها وأنحنى ليكتب على الأرض ثانيةً . فماذا كتب ذلك الإله المحب لكل البشر ، والذي رد عليهم بكل محبة دون أن يجرح مشاعرهم ، أو يفضح خطاياهم ، ونياتهم أمام الحاضرين ، لأنه كالطبيب النفسي المعالج لجراح النفوس المريضة . بمهارةٍ أيقظ ضمائرهم لكي يفكروا بخطاياهم قبل أن يفكروا بخطايا غيرهم ، ولكي يدينوا أنفسهم أولاً قبل أن يدينوا الآخرين . كما دفعهم لكي يجتهدوا بإخراج الخشبة من عيونهم قبل أن يسعوا إلى إخراج القذى من عيون الآخرين .

جواب يسوع للمتحدين الذ هو عوان هذا الموضوع ، لم يكن للمشتكين على المرأة وعلى قادتهم الذين أرسلوهم غلى يسوع فحسب ، بل صار يتردد عبر الأجيال لكل الخطاة الذين يعتبرون أنفسهم أفضل من غيرهم واللذين يتفننون في تغطية خطاياهم متحدين الضمير ، والله الذي يعرف كل الخطايا . يستخدم الوعاظ وعلماء الدين والفلاسفة والكُتّاب قول يسوع لأمور كثيرة . لم يكن أحداً من الموجودين حول المسيح بدون خطيئة إلا هو . وهو الوحيد الذي كان محقً في رجمها ، لكنه لم يفعل لأنه لم ياتي إلى هذا العالم لكي يدين ، بل لكي يخَلص . فواجبه تِجاه الزانية كان الدفاع عنها لكي لا ترجم وتموت في خطيئتها ، وثانياً لكي يغفر لها بدلاً من أن يرجمها ، لهذا قال لها ، وأنا أيضاً لا أحكم عليك ، أذهبي ولا تعودي تخطئين . وهكذا محبته أسرت قلبها ، فلم تعد تخضع ثانيةً لطلبات شهواتها الجسدية ، هذه التي ارتكبت الخطيئة سراً مع عشيقها فكُشِفَ سِرها ، أما إطلاق سراحها من الرجم بعد مغادرة الجميع فكان سِراً بينها وبين حبيبها الجديد المخلص .هكذا نحن أيضاً علينا أن نقتدي به لكي لا نفكر بالأنتقام وهلاك الأنفس ، بل بخلاصها ، وهكذا نغفر لمن يخطأ إلينا . وإن غفرنا للناس زلاتهم سيغفر لنا أبانا الذي في السموات زلاتنا .

والمجد الدائم لربنا يسوع الغافر للخطايا

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x