مقالات

جناية على المعرفة: في سيكولوجيا العداء بين التلميذ والكتاب –

​تطلّ علينا مع كل ختام للمواسم الدراسية ظاهرة تدمي جبين الوعي، إذ يستحيل الكتاب المدرسي الذي يُفترض أن يكون منارةً للترقية الفكرية، إلى مادةٍ للمهانة والتمزيق تحت أقدام العبث. هذا المشهد لا يمثل مجرد سلوك مراهق طائش، بل هو عَرَضٌ لمرض يضرب جذور المنظومة القيمية والتربوية في مجتمعنا.

​الاغتراب المعرفي.. حين يصبح العلم قيداً..
​إن ما يحدث أمام بوابات المدارس هو حالة من “الانتقام الرمزي”. فالتلميذ الذي يُجبر على التع-اط*ي مع العلم كأداة للضغط، ومع الامتحانات كأداة للترهيب، يتولد لديه عداء دفين تجاه كل ما يرمز لهذه التجربة. إن تمزيق الورق هو في حقيقته “إعلان تحرر” مشوه من وصاية تعليمية فشلت في تحويل المعرفة إلى متعة، فاختزلها الطالب في صفحاتٍ يودّ التخلص من ثقلها النفسي بمجرد نيل العبور الصوري.

​فقه الاستهلاك وضياع البوصلة..
​المفارقة المأساوية تكمن في انقسام الوعي الجمعي، إذ تستنفر الأمة طاقاتها وقلقها لمواكبة تذبذب أسعار السلع الاستهلاكية وقوت اليوم، في حين يسود صمت مطبق تجاه “انهيار القيم الروحية والعلمية”. إننا نعيش زمناً طغى فيه “الإنسان المستهلك” على “الإنسان المتعلم”، فأصبح سعر الرغيف مِحوراً للحديث، وبات هوان الحرف مجرد تفصيلٍ عابر لا يستدعي
الوقوف.

​الجرح التربوي الغائر..
​حين تفقد المؤسسة التعليمية قدسيتها، ويتحول المعلم من قائد ملهم إلى موظف في “ماكينة الحفظ”، يغدو الكتاب مجرد وسيلة لا غاية. إن إهانة الكتاب المدرسي هي نتاج طبيعي لبيئة مجتمعية بدأت تفقد إيمانها بأن العلم هو المصعد الوحيد للنهضة، مكرسةً بدلاً من ذلك ثقافة السطحية والربح السريع.

​ نحو استرداد القداسة..
​إن معالجة هذه الظاهرة تستدعي وقفة سيكولوجية معمقة قبل أن تكون إجراءات انضباطية. نحن بحاجة إلى إعادة صياغة العلاقة الوجدانية بين الطالب والكتاب، وترسيخ مفهوم “أدب العلم” قبل “مادة العلم”. ​إن الأمة التي تُهان فيها الرموز المعرفية، هي أمة تأكل مستقبلها بيد أبنائها، ولن يشفع لها استقرار أسعار السلع إذا ما انهارت أسعار القيم.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى