مقالات دينية
القدّيس الشهيد سِبَستيانُس
إعداد / جورج حنا شكرو
لا يُختزل القدّيس سِبَستيانُس في كونه أيقونة فنية خالدة تناقلتها ريشة الرسامين عبر العصور، بل هو قبل كل شيء شاهد حيّ على الإيمان في زمن الاضطهاد، وشخصية تاريخية راسخة الجذور في القرون الأولى للمسيحية. فـ«قائمة الشهداء الصادرة سنة ٣٥٤ توثّق استشهاده في روما في العشرين من كانون الثاني/يناير، وتشير إلى موضع ضريحه في الدياميس الواقعة على طريق أبيا، حيث ما زال اسمه يتردّد في ذاكرة الكنيسة حتى يومنا هذا
كان سِبَستيانُس رجلاً ذا مقام وسلطة. التحق بالحرس الإمبراطوري، ونال ثقة الإمبراطورين ديوكلتيانوس وماكسيميانوس لما عُرف عنه من إخلاص وانضباط، حتى أُدرج في عداد حرسهما الشخصيين. غير أنّ وراء الدرع العسكري والهيبة الرسمية كان ينبض قلب مسيحي مؤمن. فقد استثمر مكانته الرفيعة لعضد المسيحيين المضطهدين، فكان يزور المسجونين ويشدّد عزائمهم، ويبشّر بالإيمان داخل بيوت العائلات النبيلة. وحين انكشف أمره، واجهه ديوكلتيانوس بتهمة الخيانة، فجاء ردّ سِبَستيانُس ثابتاً لا لبس فيه: “لقد كنتُ أصلّي دائماً للمسيح من أجل سلامتك وأمن الدولة، لكنني لا أعبد إلا الإله الذي في السماوات”.
صدر الحكم ليكون عبرة لغيره، فنُفّذ فيه عذاب السهام. رُبط عارياً وأُطلق عليه وابل كثيف حتى بدا جسده كالقنفذ المثخن بالجراح. تُرك وحيداً ظنّاً أنه أسلم الروح، لكن امرأة مسيحية تُدعى إيرين جاءت لتكفينه، فإذا به لا يزال حيّاً. فاعتنت به في الخفاء حتى استعاد عافيته. وحين أُتيحت له فرصة النجاة، لم يختر الهرب، بل آثر الشهادة الكاملة. فتوجّه علناً إلى معبد هرقل، حيث واجه الأباطرة وجهاً لوجه. وإذ رأوه حيّاً بعد ظنهم أنه هلك، أمروا باعتقاله ثانية وجلده حتى الموت، ثم ألقوا بجثمانه في “القناة العظمى” لئلا يتمكّن المسيحيون من تكريمه
لكن صوت الشهيد لم يُطمس. فقد ظهر في رؤيا لامرأة تقية تُدعى لوتشينا، ودلّها على موضع جسده، طالباً أن يُدفن قرب ضريحي الرسولين بطرس وبولس. وهكذا صار قبره موضع صلاة وذاكرة حيّة للشهادة.
انتشرت شهرته على نطاق واسع بفضل كتاب سيرة القدّيس سِبَستيانُس الذي ألّفه أرنوبيوس الشاب في القرن الخامس. وعلى الرغم من أن النص كُتب بأسلوب أقرب إلى “الرواية التاريخية” الزاخرة بالعجائب، فهو يستند إلى وقائع ثابتة، ويجسّد ببلاغة روح التضامن والتضحية التي ميّزت مسيحيي تلك المرحلة، حيث لم يتردّد أصحاب المناصب والنفوذ في بذل حياتهم وفقدان امتيازاتهم وفاءً للمسيح
احتلّ القدّيس سِبَستيانُس مكانة سامية في وجدان روما، حتى لُقّب بـ”الشفيع الثالث للمدينة” بعد الرسولين بطرس وبولس. وشُيّدت فوق مدفنه كنيسة عظيمة ما تزال إلى اليوم مقصداً للحجاج، يقصدونها للتبرك برفات الشهيد الذي جمع بين أمانة الجندي وجرأة الشاهد للإيمان.
وهكذا يبقى القدّيس سِبَستيانُس رمزاً للشجاعة الأخلاقية، ومثالاً ناصعاً لمن يضع الحق فوق الجاه، ويبرهن أن الإيمان الصادق لا تنال منه السهام، ولا تُسقطه التهديدات، لأن جذوره مغروسة في السماء.