بين الطبع والتطبع: هل فقدت إيران دهاءها التاريخي؟
بقلم: د. حسام البدري
حين عرّف الأمريكي هانز مورغنثاو، الأب المؤسس للمدرسة “الواقعية السياسية” في العلاقات الدولية، السياسة الدولية بوصفها صراعًا على القوة، وحين ردّ كينيث والتز سلوك الدول إلى إكراهات البنية الدولية، وحين حذّر المؤرخ والاستراتيجي البريطاني بول كينيدي من مأزق “التمدد الاستراتيجي” الذي تتجاوز كلفته القدرة الوطنية على الاحتمال، فإن أفكارهم مجتمعة توفر مدخلًا لفهم المعضلة الإيرانية الراهنة. فإيران كيان جيوسياسي مثقل بذاكرة إمبراطورية، تتجسد معضلته في اختلال المواءمة بين الموروث الاستراتيجي والتحول النسقي في هندسة القوة العالمية.
فمن الثورة الدستورية (1905-1911)، إلى أزمة أذربيجان (1946)، وتأميم النفط وانقلاب 1953، ثم الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، تشكلت منظومة إدراكية جعلت البقاء والصلابة والقدرة على امتصاص الضغوط ثوابت ناظمة للسلوك السياسي الإيراني. ومع الثورة الإسلامية عام 1979، والبرنامج النووي منذ 2002، واستثمار الفراغ الجيوسياسي الذي أفرزه غزو العراق عام 2003، نجحت طهران في بناء منظومة ردع غير متماثلة، وتوسيع عمقها الاستراتيجي، ومراكمة نفوذ إقليمي متعدد المستويات.
ففي الوقت الذي كانت فيه هندسة القوة العالمية تنتقل من منطق السيطرة على الجغرافيا إلى منطق الهيمنة على المعرفة والشبكات، ظل العقل الاستراتيجي الإيراني متمركزًا حول معادلة مراكمة النفوذ بوصفها المصدر الرئيس لإنتاج المكانة وتعويض القيود.
هنا تبرز ثنائية الطبع والتطبع؛ فالطبع هو الإرث الذي منح إيران قدرة استثنائية على الصمود وإدارة الاستنزاف ومراكمة النفوذ، أما التطبع فهو القدرة على إعادة تموضع هذا الإرث داخل عالم انتقلت فيه القوة من السيطرة على الجغرافيا إلى السيطرة على الشبكات والمعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد .
ومن زاوية روبرت جيرفس، أحد أبرز منظّري “الإدراك السياسي” في العلاقات الدولية، تبدو المعضلة أقرب إلى فجوة إدراكية؛ إذ إن الدول لا تتفاعل مع الواقع كما هو، بل كما تدركه. ولذلك تبدو إيران، في كثير من الأحيان، وكأنها تقرأ نظامًا دوليًا جديدًا بعدسات صاغتها حقبة التنافس الإمبراطوري أو الأحادية الأمريكية.
وفي المحصلة، لا يبدو أن إيران تعاني من نقص في أوراق القوة بقدر ما تعاني من فجوة متزايدة بين منطق القوة الذي تتبناه ومنطق القوة الذي يحكم العالم اليوم. فالدولة التي نجحت لعقود في إدارة الصراعات غير المتكافئة، ومراكمة النفوذ عبر الجغرافيا السياسية، ما تزال تراهن على معادلات أثبتت فعاليتها في الماضي، لكنها لم تعد كافية وحدها في عصر تتشكل فيه موازين القوة داخل مختبرات التكنولوجيا وأسواق المال وشبكات الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد يتعلق بقدرة إيران على الصمود، بل بقدرتها على التكيّف؛ لأن الخطر الاستراتيجي الأكبر لا يكمن في خسارة المعارك، بل في الإصرار على قراءة تحولات المستقبل بعقل تشكل في انتصارات الماضي وهواجسه.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.