آراء متنوعة

الاستِجارَةُ والدَّخالَةُ واللُّجُوء عُرفيّاً

الدكتور رعد البيدر

لطالما كانت الاستجارة والدخالة نظامين متكاملين لحفظ الأرواح في العُرف العربي، وإن اختلفتا في طبيعة الرابطة؛ فبينما تمثل الاستجارة طلباً للأمان والجوار من خطر مُداهم، وتعد حالة طارئة ومؤقتة تنتهي بزوال مسببات الخوف، تبرز الدخالة كإطار أعمق من الاستجارة، إذ تتمثل بدخول الشخص في كنف قبيلة غير قبيلتهِ الأصلية، فينتسب إليها ويقيم في حماها وبين أفرادها، فيترتب على القبيلة التزاماً دائماً بحمايته والدفاع عنه كواحد من أفرادها. ارتبط مفهوما الاستجارة والدخالة تاريخياً بشيم المَنَّعَة وحماية الدخيل والمستجير على حد سواء، حيث يلوذ الفرد بجهة تمتلك من الجاه ما يكفل صد أي اعتداء يهدد سلامته. التوصيف وفق المفهوم العرفي يعني الرابطة الشخصية والالتزام الذي ساد قبل تبلور مفهوم الدولة المركزية وقوانينها المكتوبة؛ إذ يعد وصول المستجير إلى حمى شخصية معروفة أو صاحب ديوان أو لمس طرف ثوب المضيف إعلاناً صريحاً بالدخول في ذمته.

ومع تقادم الزمن في العصرين الحديث والمعاصر، انحسر المفهومان إلى حد كبير، ليظلا تقليداً رمزياً في بعض الأوساط العشائرية، بيد أن جوهرهما بقي مرتهناً بفكرة “استعارة” قوة الغير لتأمين الذات بعيداً عن سطوة الأطر الرسمية.

أما مفهوم اللجوء السياسي فقد برز كإطار قانوني معاصر نضجت أركانه في منتصف القرن العشرين؛ بموجبه يطلب الفرد ملاذاً لدى دولة أجنبية، فراراً من حملات القمع السياسي أو الفكري في وطنه ؛ فيتوجه اللاجئ نحو أحد المنافذ الحدودية التي تشمل : المطارات، والموانئ، والمعابر البرية، أو يقصد إحدى سفاراتها أو ملحقياتها في الخارج، فلا يكاد يطأ أرضها أو أحد مبانيها الدبلوماسية حتى يغدو مستفيداً من حصانة قانونية تمنع رده قسرياً، وتضعه تحت وصاية القانون الدولي وأجهزة الدولة التنفيذية لضمان سلامته الجسدية لحين البت في أمره.

عرفت الحضارات القديمة عبر التاريخ لجوء الملوك والقادة لبلدان أخرى، بيد أن المعايير الحديثة صاغته في إطار حق قانوني محكوم بنصوص دولية اتضحت مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، وتحديداً في الفقرة الأولى من المادة 14 التي نصت على أن “لكل فرد حق التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتع به تخلصاً من الاضطهاد”، وتوجت بإبرام اتفاقية جنيف لعام 1951 التي عرَّفَت في مادتها الأولى (اللاجئ) بأنه (كل من يوجد خارج بلد جنسيته بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلى فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، ولا يستطيع أو لا يريد بسبب الخوف أن يستظل بحماية ذلك البلد) ؛ وقد استنهضت الاتفاقية التزاماً دولياً واسعاً انضوت تحته 149 دولة كأطراف التزمت بموجبها وبموجب بروتوكولها لعام 1967، متعهدةً بتحديد حقوق اللاجئين والوفاء بالاستحقاقات القانونية الكفيلة بتوفير الحماية لهم، كما أرست في مادتها الثالثة والثلاثين مبدأ “عدم الرد القسري” إلى أقاليم تهدد حياة اللاجئ أو حريته، وأضفى البروتوكول المذكور على الحماية صبغة عالمية شاملة بإزالة القيود الزمنية والجغرافية.

وعلى الرغم من أن الاستجارة والدخالة تستندان على موروث القيم الراسخة في الضمير الجماعي، إلا أن حالة اللاجئ تستند على حصانة قانونية تشمل الاتفاقيات الدولية والقوانين الوطنية، كقانون اللاجئين السياسيين العراقي رقم 51 لعام 1971 المنظم لمنح الحقوق والواجبات للاجئ بما يقترب من حقوق المواطن. يبرز الاختلاف الجوهري في مصدر الشرعية؛ فالعرف القبلي ينبع من قيم الفروسية والمسؤولية الفردية التي تجعل من حماية المستجير والدخيل واجباً يتجاوز الحدود التنظيمية، بينما اللجوء فعل سياسي محكوم بالاتفاقيات المبرمة بين الدول. ومع كون الغاية في كافة الحالات تأمين الفرد من الخطر، تظل الأنماط العرفية محكومة ببيئة اجتماعية ضيقة، في حين يمنح اللجوء السياسي للفرد وضعاً قانونياً يتيح له الاندماج في مجتمع جديد بضمانات مؤسسية تفتقر إليها النظم التقليدية.

بناءً على ما تقدم، يتبين أن الاستجارة والدخالة واللجوء السياسي، وإن اختلفت ركائز كل منهم بين عُرف اجتماعي وقانون دولي، يلتقون عند جوهر إنساني واحد يتمثل بحق الإنسان في الحياة وأمان يسمو فوق كل اعتبار، لتظل حماية المستجير واللاجئ أمانة أخلاقية وقانونية تختبر مدى تحضر الأمم ورقي قيمها في صون كرامة الفرد أمام عواصف الاضطهاد.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى