حول (المبادئ المادية + استنباط المبدأ الأساسي + امتداد العقل
عرض فكري متصل مكتمل
ينطلق التحليل من نقد جميع المبادئ التي تُتخذ أساسًا لتعيين الإرادة إذا كانت قائمة على موضوعات الرغبة، كالسعادة أو اللذة أو المنفعة، إذ إن هذه المبادئ، رغم اختلاف صيغها، تجعل الفعل تابعًا لما يحققه من نتائج، وتربط قيمة الإرادة بما تميل إليه الطبيعة الإنسانية من رغبات، ومن ثمّ فهي تظل مبادئ تجريبية لا يمكن أن تحمل صفة الكلية والضرورة، لأنها تختلف باختلاف الأفراد والظروف، ولا تفرض نفسها بوصفها قانونًا ملزمًا لكل عقل عاقل، ولذلك فإن كل مذهب أخلاقي يجعل السعادة أساسًا له، سواء نظر إليها بوصفها لذة فردية أو منفعة عامة، يظل عاجزًا عن تقديم معيار أخلاقي خالص، لأن السعادة نفسها لا يمكن تحديدها تحديدًا كليًا، ولا يمكن أن تكون أساسًا لقانون عام، ومن هنا يصبح من الضروري الانتقال إلى مبدأ آخر لا يعتمد على التجربة ولا على موضوعات الإرادة، بل يقوم على العقل ذاته، وهذا ما يقود إلى استنباط المبدأ الأساسي للعقل العملي الخالص، حيث يتبيّن أن الإرادة لا تكون أخلاقية إلا إذا خضعت لقانون صوري، أي قانون يحددها من حيث صورتها فقط، لا من حيث غاياتها، بحيث يكون هذا القانون قابلًا للتعميم على جميع الحالات، ومن ثمّ فإن المعيار الحقيقي للفعل ليس ما ينتج عنه، بل ما إذا كانت القاعدة التي يقوم عليها يمكن أن تُراد قانونًا عامًا، وهنا يظهر أن القيمة الأخلاقية لا تتعلق بموافقة الفعل للميول أو بتحقيقه للسعادة، بل بصدوره عن احترام القانون نفسه، وهذا الاحترام ليس شعورًا تجريبيًا، بل هو أثر يتركه العقل حين يفرض قانونه على الإرادة، وبذلك تكون الإرادة الخيّرة هي التي تخضع للقانون بوصفه قانونًا، لا بوصفه وسيلة لغاية، ومن هذا المنطلق يتأسس مفهوم الواجب باعتباره ضرورة الفعل بدافع احترام القانون، لا بدافع الميل، كما يتضح أن الحرية ليست انفلاتًا من القوانين، بل هي خضوع الإرادة لقانون تشرّعه لنفسها، أي أنها استقلال الإرادة عن كل ما هو تجريبي، وارتباطها بالعقل الخالص، ومن هنا ينتقل التحليل إلى بيان حق العقل العملي في أن يمتد إلى مجال لا يستطيع العقل النظري أن يبلغه، إذ إن العقل النظري يبقى مقيدًا بحدود التجربة ولا يستطيع أن يثبت موضوعات مثل الحرية أو الله أو خلود النفس، بينما يملك العقل العملي، من خلال القانون الأخلاقي، أن يثبت هذه الأفكار بوصفها ضرورات عملية، لا بوصفها معارف نظرية، لأنه لا ينطلق من وصف ما هو كائن، بل من إلزام بما ينبغي أن يكون، ومن ثمّ يكون له الحق في أن يتجاوز حدود التجربة من حيث الفعل، لا من حيث المعرفة، وبذلك يكتمل بناء العقل العملي الخالص بوصفه قائمًا على قانون أخلاقي قبلي، يحدد الإرادة بصورة مستقلة عن كل ميل، ويمنح الإنسان في الوقت نفسه أساس حريته وإمكان امتداد عقله إلى ما وراء حدود التجربة.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.