النيل في رواية -موسم الهجرة إلى الشمال – للطيب صالح صراع
قرأت رواية – موسم الهجرة إلى الشمال – لأول مرة خلال مرحلة الشباب والاستعداد للباكالوريا في نهاية السبعينيات بتازة . ولم تعاودني لذة القراءة الثانية سوى قبل أيام من شهر مارس 2026 بمدينة القنيطرة بجوطية بنعباد الشهيرة حيث كانت نسخة مستعملة معروضة ضمن ركام من الكتب وكانت ضمن ثلاثة عناوين أخرى مقتنياتي .
صدرت رواية – موسم الهجرة إلى الشمال- للكاتب السوداني الطيب صالح عام 1966، وفضلا عن شهرتها الواسعة كأبرز نص روائي عربي في تلك المرحلة تم ترجمتها إلى أكثر من ثلاثين لغة . تدور أحداث الرواية في قرية سودانية على ضفاف النيل . وذلك بعد أن عاد راو لا يحمل إسما من رحلته الدراسية في أوروبا. الصدفة وحدها وتربة الانتماء رتبت له لقاء مع – مصطفى سعيد – وهي شخصية يشوبها الالتباس والغموض للوهلة الأولى . ومع متعة القراءة والتوغل عميقا في المتن الروائي نكتشف صراعا ثقافيا وحضاريا بين شرق الكرة الأرضية وغربها .سيمتد إلى فترة ما بعد الاستعمار . ليجد القارئ نفسه أمام قضايا الهوية والاغتراب وهي تعالج بروح أدبية جريئة وكاشفة يتضح لك بجسارة في ثقافة الجنس وسلطتها القوية في المقاربة والمعالجة .
ولعل من أقوى اللحظات في هذا المعمار الأدبي المديد تلك التقنيات السردية المبتكرة في المزج بين صوت الراوي وقصة مصطفى سعيد. إذ لابد من الإشادة بقدرتها على طرح صورة معقدة للعلاقة بين العالمين العربي والأوروبي في سياق أدبي موضوعي. ما جعل الرواية لأكثر من ثلاثة عقود موضوعا للنقد والتحليل والنقاش على أوسع نطاق .
نشرت الرواية لأول مرة على شكل حلقات في مجلة حوار التي كانت تصدر في بيروت ثم جمعت في كتاب وأصدرتها دار العودة في بيروت في العام نفسه ثم دار الهلال في القاهرة و ترجمت إلى الإنجليزية عام 1969 بقلم دنيس جونسون ديفز. وحظيت الترجمة لحظتها بإشادة من صحف بريطانية . حتى أن الصنداي تايمز اختارتها رواية العام لذلك الوقت. أعقب ذلك ترجمة العمل إلى لغات عديدة و عقب وفاة الطيب صالح نعته مجلة الغارديان سنة 2009 مشيرة إلى أن الرواية ترجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة.
الطيب صالح من مواليد 1929 وتوفي في 18 فبراير 2009 أديب سوداني وأحد أشهر الأدباء العرب أطلق عليه النقاد لقب «عبقري الرواية العربية». درس في الخرطوم ثم سافر إلى لندن وعاش في بريطانيا وقطر وفرنسا حيث عمل في إذاعة بي بي سي العربية، وتقلد لاحقا مهام ثقافية في الدوحة وباريس. تيمة كتابته ازدهرت بين عالم القرية وعالم الغربة، فصار سؤال الهوية و آفة الاستعمار حاضرا دائما في معظم أعماله. استند في كتابة «موسم الهجرة إلى الشمال» إلى ذاكرة القرية وتجربته الشخصية في بريطانيا. صاغ الرواية بلغة عربية واضحة تمزج بين السرد التقليدي وتقنيات حديثة مثل تعدد الأصوات. بهذه الرواية، ومع «عرس الزين» وغيرها، اعتبر الطيب صالح من أبرز روائيي العربية حتى وفاته عام 2009″.
نتعرف في الرواية على حياة رجل مجهول الهوية عاد إلى قرية سودانية على ضفاف النيل. الراوي وهو شاب مثقف إلى بلدته بعد غياب سبع سنوات قضاها طالبا في لندن. لكن حدثا ما يلفت انتباهه. يتعلق الأمر برجل غريب يعيش بينهم يدعى مصطف سعيد. لم يكن الراوي قد رآه من قبل. حل بالقرية قبل خمس سنوات من الخرطوم،لا يعرف سكان القرية عنه شيئا سوى أنه اشترى أرضا يعمل في زراعتها وتزوج امرأة من أهل القرية هي حُسْنة بنت محمود.”
يبدو مصطفى سعيد فلاحًا بسيطا ومنطويا على حاله، إلا أن الراوي يكتشف بالمصادفة جانبا مختلفًا من شخصيته إذ يسمعه في إحدى ليالي المجون ينشد أبياتا من الشعر الإنجليزي بلكنة واضحة. يثير هذا المشهد فضول الراوي وإعجابه، فيوقن أن مصطفى سعيد رجل مثقف ذو تعليم رفيع رغم تخفّيه خلف قناع البساطة. ينشأ تعارف بينهما ويشعر الراوي بأنه أمام لغز يسعى إلى حله، خاصة بعدما ألمح مصطفى ببضع كلمات غامضة إلى ماضيه مشيرا إلى وصية أودعها في عنقه الاعتناء بولديه وزوجته . ولما كان البحر يق*ت*ل أمهر السباحين. فقد جلب إلى أعماقه ذات يوم مصطفى سعيد .
يحاول الراوي تنفيذ الوصية قدر استطاعته، لكنه يواجه أحداثًا مأساوية تفوق طاقته على التدخل. إذ يتقدّم ود الريّس، وهو رجل مسن من وجوه القرية، لطلب الزواج من حسنة الأرملة مستغلًا ضعفها وغياب زوجها. ترفض حسنة بشدة فكرة الزواج من جديد وتعتبرها إهانة لذكرى مصطفى، بل وتهدد بأنها ستق*ت*ل ود الريّس ونفسها إن أُجبرت على ذلك الأمر. رغم تهديداتها، يتآمر والد حسنة وبعض رجال القرية لتزويجها قسرًا من ود الريس طمعًا في مال الأخير ونفوذه، متجاهلين رفضها القاطع. يسافر الراوي إلى الخرطوم أيامًا قليلة لقضاء شأنٍ ما، وفي غيابه تقع الكارثة: تُجبَر حسنة على الزواج، فتقوم في ليلة الزفاف بتنفيذ وعيدها؛ حيث تطعن ود الريس بسكين حتى تق*ت*له ثم تنتحر بذات السلاح. يهزّ هذا الحادث المروّع القرية المحافظة، التي لم تشهد مثله من قبل، ويصدم الراوي حين وصوله خبر المأساة.
موضوع الجنس في الرواية استرعى انتباه النقاد . حيث “تستخدم الرواية موضوع الجنس والعلاقات بين الرجل والمرأة كمرآة للصراع الثقافي وميزان للقوة بين الشرق والغرب. فمصطفى سعيد يمارس إغواءه للنساء الأوروبيات كفعل يحمل في طياته رغبة في السيطرة ورد الاعتبار، بعد شعوره بمرارة الهيمنة الاستعمارية على وطنه. علاقاته الغرامية لم تكن بدافع الحب البريء بقدر ما كانت ساحة حرب رمزية يستخدم فيها الجنس كسلاح للانتقام وإلحاق الهزيمة النفسية بمعشوقاته الغربيات .”
في المقابل اعتبر النقاد عشيقة الراوي جين موريس تجسيدا حقيقيا شخصيات النساء الأوروبيات على وجه الخصوص، وموقف الراوي منها معقدا يجمع بين الانجذاب للمستعمَر من جهة واحتقار مكامن ضعفه من جهة أخرى.علاقة مصطفى سعيد بجين كانت ذروة هذا الصراع الجنسي/السلطوي فقد تبادلا الأدوار مرارا بين الضحية والجلاد. جين سعت لإذلال مصطفى والنيل من كرامته كرجل شرقي، ولم تسمح له بالانتصار عليها عاطفيا، مما دفعه في النهاية لق*ت*لها في ذروةٍ جنونية مثلت هزيمة “
في نهاية المطاف، يجد الراوي نفسه عند منعطف وجودي حاسم: يذهب إلى نهر النيل في حالة من اليأس والاضطراب الداخلي، ويسبح في مياهه مضطرب الفكر. أثناء السباحة، يدرك أنه ينجرف مع تيار النهر ذاته الذي ابتلع مصطفى سعيد من قبله. عندها ينتابه صراع داخلي بين الاستسلام لمصيره المحتوم أو التشبث بالحياة. في لحظة حاسمة، يختار الحياة ويصرخ مستنجدًا بالناس على الشاطئ لإنقاذه من الغرق. تختتم الرواية بنداء الراوي وهو يطلب “النجدة! النجدة!”. تنتهي الرواية عند تلك الصرخة، ويبقى من غير الواضح ما إذا كان قراره قد جاء متأخرا، وما إذا كان القرار صائبا، وما إذا كان هو والآخرون والبلاد نفسها سيتلقون المساعدة المنشودة! رغبته في الحياة ما هي إلّا تشبث بالأمل رغم كل ما مر به من صراعات وأزمات.”
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.