كيسنجر وبريجينسكي في كتاب فكري رصين – عبد الحسين شعبان
الشاعر والصحفي حسن عبد الحميد رئيس تحرير وصاحب امتياز وكالة نمتار الإعلامية
بين يديْنا سِفرٌ فكريٌّ رصين، يغوص في دهاليز السياسة الدولية، ليس بوصفها مجرد أحداث عابرة، بل بوصفها “صناعة” تُمزج فيها الفلسفة بالتاريخ، والقوة بالدبلوماسية. يقدم الدكتور عبد الحسين شعبان في كتابه “كيسنجر وبريجينسكي: ترست الأدمغة والاستراتيجية الأمريكية” (دار الرافدين، 2025)، تشريحاً نقدياً لعملاقيْ الاستراتيجية الأمريكية الذين صاغا ملامح القرن العشرين وما زال ظلهما يمتد إلى مطلع القرن الحادي والعشرين.
عتبة الكتاب: في حضرة “مجمع العقول”
يستهل المؤلف كتابه بفك شفرة مصطلح “ترست الأدمغة” (Brain Trust)، وهو ذلك المطبخ السياسي والأكاديمي الذي يحيط بصانع القرار الأمريكي. لا ينظر شعبان إلى هنري كيسنجر وزبيغنيو بريجينسكي كمجرد موظفين رسميين، بل كـ “عقل سياسي” عابر للإدارات، استطاع تحويل التصورات الفلسفية إلى خرائط جيوسياسية على رقعة الشطرنج العالمية.
الثنائية الجدلية: كيسنجر “الثعلب” وبريجينسكي “ضابط الإيقاع”
يقيم الكتاب مقارنة بارعة بين الشخصيتين، مستعرضاً تباين الأصول والمنطلقات:
1. هنري كيسنجر: واقعية “المترنيخية” الجديدة
• الفلسفة: ينطلق كيسنجر من دراسة التاريخ (أطروحته عن مترنيخ وكاسلريه)، مؤمناً بأن “التوازن” هو مفتاح الاستقرار، وليس بالضرورة “السلام” بمعناه الأخلاقي.
• المنهج: اشتُهر بدبلوماسية “الخطوة – خطوة”، والقدرة الفائقة على تفكيك الأزمات وإعادة تركيبها بما يخدم الهيمنة الأمريكية، كما فعل في الشرق الأوسط عقب حرب 1973.
• السمة: هو “الثعلب العجوز” الذي يمزج بين الميكافيلية والبراغماتية، والذي يرى في القوة ضرورةً لتعزيز الدبلوماسية.
2. زبيغنيو بريجينسكي: مهندس أوراسيا وقوس الأزمات
• الفلسفة: تأثر بريجينسكي بأصوله البولندية وكرهه الدفين للهيمنة السوفيتية، فصاغ نظريات تهدف إلى تقويض “العدو” من الداخل عبر “القوة الناعمة” ودعم الحركات القومية والدينية (كما في أفغانستان).
• المنهج: ركز على “أوراسيا” بوصفها قلب العالم؛ فمن يسيطر عليها يسيطر على العالم، وحذر مبكراً من أن أوكرانيا هي “البطن الرخوة” التي إذا استعادتها روسيا، استعادت إمبراطوريتها.
• السمة: يصفه المؤلف بـ “الصقر والحمامة” (Dawk)، الذي يؤمن بتعظيم الدور الأمريكي ليصبح “ضابط إيقاع كوني”.
القوة الناعمة: حرب العقول لا الدبابات
من أعمق فصول الكتاب هو تحليل المؤلف لنظريات “الصراع الأيديولوجي” التي اعتمدها “ترست الأدمغة” لإسقاط المعسكر الاشتراكي. يشرح شعبان كيف استُخدمت نظريات مثل “بناء الجسور”، “المجتمع الصناعي”، و”التآكل والتدرج” لخلخلة الخصم من الداخل عبر الإعلام، الفن، ونمط الحياة، بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة التي قد تؤدي للفناء النووي.
الرؤية النقدية: “كيسنجر مستعاداً” في عالم متفجر
لا يكتفي الدكتور شعبان بالسرد التاريخي، بل يربط أفكار الرجلين بالواقع الراهن:
• أوكرانيا: كيف تحققت نبوءات بريجينسكي بشأن الصراع الروسي-الأوكراني.
• الشرق الأوسط: تحليل “السياسة الكيسنجرية” التي أخرجت مصر من الصراع العربي-الإ*سر*ائي*لي، وكيف أثر ذلك على القضية ا*لفلس*طينية التي يراها المؤلف “هاجساً مؤرقاً” لا يمكن تجاوزه بالقوة وحدها.
• الصعود الصيني: نظرة كيسنجر المتأخرة بضرورة “التعايش” مع التنين الصيني لتجنب صدام كوني مدمر.
الخاتمة: الكتاب كبوصلة معرفية
يتميز أسلوب الدكتور عبد الحسين شعبان في هذا العمل بالرصانة الأكاديمية الممزوجة ببراعة الروائي في رسم البورتريهات الشخصية. الكتاب ليس مجرد دراسة في العلوم السياسية، بل هو “قراءة ارتجاعية نقدية” لعقود من الهيمنة، ودعوة لصناع القرار العربي لفهم عقل الآخر لاستشراف المستقبل.
إن رحيل “الثعلب العجوز” كيسنجر وقبله بريجينسكي، لا يعني نهاية أفكارهما؛ فهذا الكتاب يثبت أن بصماتهما ما زالت محفورة في جسد العلاقات الدولية المعاصرة، وأن فهمنا للعالم اليوم يمر حتماً عبر سبر أغوار هذا “الترست” الفكري الذي شكلا عموده الفقري.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.