«شرق أوسط الردع الساخن»لا حرب كبرى… ولا سلام دائم”عصر
«شرق أوسط الردع الساخن»لا حرب كبرى… ولا سلام دائم”عصر الهدنة الهشّة”
الدكتور ثائر العجيلي
التقرير الاستراتيجي الخامس: “عصر الهدنة الهشّة”
لم يعد السؤال المطروح في الشرق الأوسط هو: هل ستقع الحرب أم سيحل السلام؟
فخلال السنوات الأخيرة اعتادت المنطقة الانتقال من أزمة إلى أخرى، ومن مواجهة إلى أخرى، حتى أصبحت تعيش داخل حالة دائمة من التوتر الاستراتيجي. لكن المشهد الراهن يختلف عن كل ما سبقه؛ إذ تقف القوى الإقليمية والدولية أمام معادلة غير مسبوقة: لا أحد يمتلك القدرة على فرض نصر حاسم، ولا أحد يرغب في تحمل كلفة هزيمة كبرى.
بناءً على المعطيات الميدانية والسياسية المعقدة الجارية حالياً، وتجنباً لأي انحياز، يمكن القول بأننا لا نقف أمام شرق أوسط الحرب الكبرى، ولا أمام شرق أوسط السلام الشامل، بل أمام ما يمكن تسميته بـ «شرق أوسط الردع الساخن»؛ مرحلة تتشكل ملامحها تحت عنوان واحد:*لا حرب كبرى… ولا سلام دائم، بل عصر الهدنة الهشّة*.
لرسم خارطة الطريق بدقة وأمانة حول “إلى أين نحن ذاهبون”، ينقسم المستقبل المنظور إلى مسارين متوازيين يتحكمان في المشهد:
1️⃣ المسار الدبلوماسي: الذهاب نحو …
“اتفاق الضرورة لا اتفاق القناعة”.
الطرفان (إدارة ترامب والقيادة الإيرانية) وصلا إلى قناعة خلف الأبواب المغلقة بأن التصعيد الشامل يعني ا*نت*حا*راً اقتصادياً وسياسياً. لذا، فإن الوجهة المرجحة دبلوماسياً هي:
◾️تجميد الصراع بدلاً من حله: المفاوضات الجارية عبر الوساطة الباكستانية لا تهدف إلى نزع سلاح إيران بالكامل أو تغيير نظامها، بل تتجه نحو اتفاق مرحلي مؤقت.
◾️صيغة “التهدئة مقابل التنفس”: نحن ذاهبون نحو صيغة تلتزم فيها إيران بفتح مضيق هرمز ووقف الهجمات الصاروخية وتجميد مؤقت لنسب تخصيب اليورانيوم، مقابل قيام ترامب بتخفيف جزئي للحصار البحري والاقتصادي ليسمح لإيران ببيع كميات محددة من النفط لإنقاذ اقتصادها.
◾️إعلان “النصر” المزدوج: سيخرج ترامب للإعلام الأميركي ليعلن أنه أجبر إيران على التفاوض وحقق اتفاقاً عجز عنه أسلافه (لخدمة أجندته السياسية محلياً)، بينما سيعلن النظام الإيراني أنه صمد أمام “الغطرسة الأميركية” وحمى سيادته ورفع الحصار.
2️⃣ المسار الميداني: الذهاب نحو …
“الصدام المنضبط وقواعد الاشتباك الجديدة”.
حتى لو تم توقيع اتفاق أو تمديد وقف إطلاق النار لـ 60 يوماً، فإن جذور الخلاف بين الطرفين يتجاوز الملفات النووية والعقوبات، ليمتد إلى طبيعة التوازنات الإقليمية ومفهوم النفوذ والأمن في الشرق الأوسط، فالصراع لن تنتهي. نحن ذاهبون إلى واقع ميداني يتسم بالآتي:
◾️حرب الظل المستمرة: ستتحول المواجهة من الضربات العسكرية المباشرة (التي أثبتت كُلفتها العالية) إلى الحروب السيبرانية، واستهداف شبكات الطاقة، والاغتيالات الاستخباراتية الصامتة.
◾️تفكيك الجبهات الإقليمية: الولايات المتحدة وإس*رائي*ل ستواصلان الضغط العسكري لفصل الساحات (مثل ما يحدث في لبنان وسوريا) لمحاصرة النفوذ الإيراني جغرافياً، بينما ستحاول طهران الاحتفاظ بأوراق الضغط هذه لاستخدامها في أي جولة مفاوضات مستقبلية.
◾️تعزيز الردع المتبادل: إذ أثبتت التجارب الأخيرة أن كلفة الضربات المباشرة مرتفعة على الجميع، الأمر الذي يدفع الأطراف إلى البحث عن أدوات ضغط تحقق الأثر السياسي دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
قد تبدو الصواريخ والطائرات المسيّرة هي العنوان الأكثر حضوراً في المشهد، إلا أن العامل الأكثر تأثيراً يبقى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة. فمضيق هرمز لم يعد مجرد ممر بحري، بل أصبح أحد أهم محددات الاستقرار الاقتصادي الدولي. وأي اضطراب واسع فيه ينعكس فوراً على أسعار النفط وسلاسل الإمداد والأسواق المالية العالمية.
وفي المقابل، تدرك طهران أن استمرار الضغوط الاقتصادية لفترات طويلة يضعف قدرتها على المناورة ويزيد من التحديات الداخلية، كما تدرك واشنطن أن أي اضطراب كبير في أسواق الطاقة قد ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي وعلى حساباتها السياسية الداخلية.
لهذا السبب تحديداً، يتحول الاقتصاد إلى قوة كابحة للحرب بقدر ما يتحول الردع العسكري إلى أداة لمنع الانفجار.
⏺️ خلاصة الرؤية الواقعية: استقرار هش لا سلام دائم
الوجهة الأكثر ترجيحاً ليست الحرب الكبرى ولا السلام الشامل، بل حالة وسطية يمكن وصفها بـ «الاستقرار الهش». نحن ذاهبون إلى “عصر الهدنة الهشّة”.
لقد تيقن ترامب أن إغلاق مضيق هرمز وضربات الطاقة الإيرانية تمثل خطاً أحمر للاقتصاد العالمي لا يمكنه تحمله، وتيقنت إيران أن بنيتها العسكرية التقليدية واقتصادها لا يمكنهما الصمود أمام حرب استنزاف أميركية مفتوحة.
النتيجة هي أن الطرفين مجبران على السير في طريق التسوية الاضطرارية. لن تصبح إيران صديقة لأميركا، ولن تتوقف أميركا عن محاصرة إيران، لكنهما ذاهبان إلى صياغة “هدنة أمر واقع” تحمي مضيق هرمز وتمنع الانفجار الكبير، بانتظار تغير الموازين السياسية الداخلية في واشنطن أو طهران.
وبعبارة مختصرة:
لسنا أمام شرق أوسط يتجه إلى السلام، بل أمام شرق أوسط جديد تُرسم حدوده بقواعد الردع لا بمعاهدات السلام، وتُدار أزماته بالتوازنات المؤقتة لا بالحلول النهائية. فالحرب الكبرى ليست مستحيلة، لكنها لم تعد الخيار المفضل لأحد، والسلام الشامل ليس مستحيلاً، لكنه ما زال أبعد من أن يصبح واقعاً.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.