الى المتزوجين والمُكَرّسين
الى المتزوجين والمُكَرّسين
“أَنا لِحَبيبي وحَبيبي لي“ (نشيد الأناشيد 6/ 3)
الكاردينال لويس ساكو
سابقاً كانت الزيجات مُرتَّبة بين الأهل والعشيرة والقرية، وكان الزوجان بسيطين قَنوعين، صَبورين يتحمَّلان الصعوبات، خصوصاً الزوجة القابعة في البيت في مجتمعنا الشرقي. أما اليوم فإن كل شيء تغيَّر. هذا النوع من الإرتباط باتَ نادراً وغير مقبول. كما ان الدخول الى الدير أو الكهنوت كان نوعاً من إمتياز اجتماعي. وكان منذ الصغر، في معاهد للصغار. كل هذا تغيَّر مع تراجع القيَم في الحالتين، وعمل الزوجين خارج البيت بسبب المعيشة، و تغيير الثقافة، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي.
الحبّ ينبع من اللقاء الشخصي لاكتشاف الآخر في عمقِه، والتعرُّف عليه في حقيقته، والإنجذاب اليه بإنبهار، والتحرُّك نحوه بقناعة (بإيمان)، ذلك أن اللقاء هو أساسُ كلِّ شيء.
اُدرك أن الموضوع الذي أطرحه ليس سهلاً وإنما يحتاج الى التفكير بهدوء ومشاركة.
في هذه الخاطرة، اُعبّر عن ذاتي كمكرَّس للمسيح بفرح وح*ما*سة في خدمة الناس وجذبهم اليه كما جذبني. أكتبها أيضاً كأب وراعٍ للمتزوجين والمكرَّسين لا سيما ونحن نعاني، في عالم اليوم من حالة ارتفاع في بطلان الزواجات، وتحديد الإنجاب بولد أو إثنين في معظم الحالات، وظاهرة عزوف الشباب المسيحي عن الزواج، وتراجع الدعوات الكهنوتية والرهبانية. وهذا امر مقلق.
الحب أعمق وأصدق مشاعرنا
الحبّ ليس عاطفة عابرة أو نزوة مضلّلة أو قوالب جاهزة، بل هو أعمق مشاعرنا. انه يلمس بدينامية قلبَنا وفكرنا، وكياننا. انه يسكننا.
القلب في الكتاب المقدس هو مركز التفكير، وليس مركز العواطف فحسب. وقد اجاد اﻷديب الفرنسي بول كلوديل، في وصف المفارقة بين القلب والفكربقوله: “للقلب أفكار مسبّبة ﻻ يعرفها الفكر نفسه”.
الحب ينير دربِنا، ويفتح اُفقِنا على الرجاء والمستقبل. انه يرسم شخصيتنا وتاريخنا كأزواج أو كمكرسين في فرح اللقاء. من يُحبّ يرى ما لا يراه الآخرون.
الحب يُساعدنا على الإصغاء والحوار للإستماع إلى اﻵخر والتعبير عن النفس ببساطة وتلقائية ومن دون تعقيد، بالأفعال وليس بالاقوال. وهذا يتطلب من المتزوج والمكرَّس أن يكونَ حُراً، لَطيفاً، مستقيماً، وذا عمق انساني وروحي يُعزّز الإرتباط.
فرحُ الحُبّ
ما يمنحنا الفرح هو الحبّ الذي يجمع الزوجين ببعضهما والمكرس/ة بالمسيح.
الحبّ يجعلنا نشعر بالاستقرار والبهجة. إنه يطرح علينا السؤال الآتي: هل انظر الى الذي اُحبّه واهتم به بشغف، أم انتظر فقط ان آخذ منه “الأنانية”؟ يقول يسوع: “ما من حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ الانسان نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه (يوحنا 15/ 13). الحبّ ليس كلّه عسلاً، بل يتطلب التضحيات ويمرّ بضيقات أحياناً، لكن لا ينبغي ان ننغلق على ذاتنا اذ قد يتعمّق الجرح! عندها، لنسال أنفسنا لمَن أحيا؟
الحبّ يجعلنا نفهم دورنا في الحياة، وبه تبدأ مسيرتنا الى الأبدية: “المحبة/ الحب، وحدها تبقى” (1 قورنثية 13/ 13). إنه مشروع حياة يشكل تاريخنا.
لذا علينا ان ندرك معنى الحب، ونفهم النداءات التي يوجهها الله الينا (الدعوة)، سواءٌ في الزواج أو في الحياة المكرّسة. أجل أن كل شيء يتغير عندما يكون الله حاضراً. ومن ثمّ نحتاج الى الإيمان والشجاعة والرجاء.
في اختبار حضور الله فينا نتعلم قبول محدوديتنا وضعفنا، ونعيش علاقة صافية مع بعضنا باحترام وحرية وروح الاتحاد للمتزوجين والاُخوّة عند المكرسين، بعيداً عمّا يمليه المجتمع الشرقي خاصة من نزعة التسلط على الآخر وتطويعه لرغاباتنا ومسح شخصيته. هذه النزعة موجودة عند الرجل والمرأة واحياناً عندها هي أقوى!
حتمية حرية القرار
الإنسان رجل وامرأة مخلوقان من أجل بعضهما البعض والارتباط الزوجي هو من أجل الإنجاب ونمو البشرية واستمرارها. في المسيحية يُعدُّ الزواج، ثمرة الحب الصادق، سراً من أسرار الكنيسة.
التكريس في الرهبنة، الرهبان والراهبات مدعوون الى الحقيقة نفسها بحب المسيح الذي أسرهم وكرّسوا ذاتهم له. انه تكريس اختياري ناضج للبتولية، للارتباط المباشر بشخص المسيح بفرح وعطاء كونه حقيقة حياتهم. يقول الراهب على مثال بولس: “فالحَياةُ عِندي هي المسيح (فيلبي 1/ 21) و”فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ” (غلاطية 2/ 20). ولهذا ينذر الطاعة والعفّة والفقر.
ينبغي ان يروّض المكرّس ويطوّع غرائزه من أجل تكريسه، من خلال الصلاة والتأمل. البطريرك طيمثاوس الثاني († 1332) يذكر في قائمة اسرار كنيسة المشرق ان النذور الرهبانية هي سرّ مقدس، Sacrament (ساكو مدخل الى لاهوت كنيسة المشرق، بغداد 2025 ص 70)، أي المكرّس/ة مدعو الى ان يصير سرّاً مقدساً يعكس المسيح.
بعد ما لمسناه من إرهاصات في داخل المرء، نحو ما يسكنه من دعوة في أعماقه، لابد ان يأتي القرار بالزواج ممن اخترناه بصفة شريك حياتنا، او الإنخراط في الحياة المكرّسة بوضوح وخدمة الإخوة بسخاء: ما الذي ابحث عنه في الزواج؟ ما الهدف الذي اسعى له في الحياة المكرّسة؟ ماذا اُقدم وماذا أتلقـى؟ وما هي الأولويات؟ بل ما هي المتطلبات بمَن التزمتُ معه مدى العمر في الصحة والمرض والغِنى والفقر والشباب والشيخوخة؟
“الزواج سرّ عظيم” يشير إلى معاني روحية عميقة، خاصة في السياق المسيحي حيث يُنظر إليه كسرّ sacrement يرمز لاتحاد المسيح بالكنيسة، “إِنَّ هذا السِّرَّ لَعَظيم” (أفسس 5/ 32)، ويتضمن تضحية ودعماً متبادلاً، وهو نعمة إلهية يباركها الله لإقامة حياة مشتركة مليئة بالفضيلة والموَدة بين الزوجين، وليس مجرد ارتباط جسدي.
إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». (متى19/ 6). ما أعظم هذا السرّ.
حادثة معبّرة للشاعر والمتصوف المسلم جلال الرومي. يروي ما يأتي: راح خطيب الى بيت خطيبته وقرع الباب فاتت الخطيبة وسألت: من انت؟ فاجاب: انا.. فلم تفتح الباب. استغرب وقرع ثانية فاتاه الجواب عينه.. ففكر في نفسه وقرع الباب ثالثةً، فقالت: من انت، فقال: انتِ! فانفتح الباب!!
الحبّ يتطلب الحرية: في رتبة تكليل العريسين في الزواج نسأل هل تقبل فلانا او فلانة قريناً او قرينة لك من دون فرض ولا إكراه وبرضاك التام؟ من هذا المنطلق فإن الحرية والاحترام أساس العطاء وهو هدية الحب الأكبر. هدية تجعلنا نتحمل مسؤولية قرارنا وحياتنا وما نعيشه من مساندة ومشاركة… من هنا لا يمكن خنق الحرية وتجاهل الاحترام، فافعالنا تبقى بلا قيمة، نحن لسنا عبيداً. أكيدا يمكن استشارة الأخرين لبلورة قرارنا الذي يملأنا فرحاً وسلاماً.
المحب ﻻ يهتم بحياته الشخصية أكثر مما يهتم بحياة الشريك مثل الاُم والأب اللذان تبقى انظارهما منصبّة على اولادهما ..
هذا لا يعني أن مشوارنا ورد وعسل، بل يمرّ هذا المشوار بالحضور والقرب واحياناً بالبعد والغياب والمعاودة.. هذه طبيعة البشر.. لان لكل واحد مساحته وطبعه الذي عليه ان يصقله، هذا ما يجعلني أقول دوما للمكرّسين تدرّبوا على صقل طبعكم…
يجب ان نعترف ان ثمة أوقات قوة وأوقات ضعف وعدم اليقين. لا ينبغي ان نستسلم للاحباط ونطلب الانفصال أو البطلان. ينبغي التحلّي بالصبر وعدم الإنجراف مع مفاهيم عالم اليوم. ليفكرا بالأبوّة والأمومة لخير اولادهما. استمرار الحب فينا يتطلب تغذية الرغبة والعلاقة وتجديد المسيرة بوفاء، ما يفتح الاُفق على الرجاء.
هذا يقودنا الى نقطة مهمة في مراحل العمر أﻻ وهي: التجديد لحبّنا، بحضور الشريك، والمكرّسين، بحضور الربّ الحيّ. تجديد يومي يتخطى المشاكل، وينير لنا الطريق ويعزّز البقاء والسير معاّ بثقة الى النهاية.
اختم هذه الخاطرة بهذه الايات من الرسالة الأولى ليوحنا: “ايُّها الأحِبَّاء، فلْيُحِبَّ بَعضُنا بَعضاً لأَنَّ المَحَبَّةَ مِنَ الله، وكُلَّ مُحِبٍّ مَولودٌ لله وعارفٌ بِالله.. مَن لا يُحِبّ لم يَعرِفِ الله لأَنَّ اللّهَ مَحبَّة (1 يوحنا 4/ 7، 8). وقال يوحنا الحبيب في هذه الرسالة عينها: “إِذا قالَ أَحَد: إِنِّي أُحِبُّ الله وهو يُبغِضُ أَخاه كانَ كاذِباً” (1 يوحنا 4/ 20).
ملاحظة: هذا الخبر الى المتزوجين والمُكَرّسين نشر أولاً على موقع (البطريركية الكلدانية) ولا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. يمكنك الإطلاع على تفاصيل الخبر كما ورد من (مصدر الخبر)
عرضنا لكم أعلاه تفاصيل ومعلومات عن خبر الى المتزوجين والمُكَرّسين . نأمل أن نكون قد تمكنا من إمدادك بكل التفاصيل والمعلومات عن هذا الخبر الذي نشر في موقعنا في قسم أخبار مسيحية. ومن الجدير بالذكر بأن فريق التحرير قام بنقل الخبر وربما قام بالتعديل عليه أو الاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة تطورات هذا الخبر من المصدر.