الغيوم البيضاء بين البراءة والصدمة
الدكتورة مريم خلف الشمري
وانا أرى الغيوم البيضاء الناصعة كأنها قطن منفوش في سماء زرقاء صافية بعد يوم ممطر، يضحك قلبي كثيراً. تذكرت فجأة تلك الأيام البعيدة عندما كنا صغاراً، نرفع رؤوسنا إلى السماء ونقول بكل براءة: (هذي غيوم قطن ) كنت أتخيل نفسي أقفز من غيمة إلى غيمة كأنني في لعبة سحرية لا تنتهي، أركض وأطير وأضحك بلا خوف.
كثير منا مرّ بهذا التخيل الجميل. الطفولة تجعل العالم لعبة، والغيوم مخدات ناعمة تنتظر قفزاتنا الجريئة. كنا نرى فيها قصوراً، وحيوانات، وممالك طائرة. كان الحلم سهلاً، والخيال لا حدود له.
ثم جاءت اللحظة التي غيّرت كل شيء.
تذكرت يوم ركبت الطائرة لأول مرة. كان الطيار يحلق عالياً، ثم اقتربنا من تلك الغيوم البيضاء الرائعة. في البداية كانت الفرحة تملأني (سأرى القطن من الداخل ) لكن الطائرة اخترقت الغيمة فجأة. لم أجد قطناً ناعماً، ولا أرضاً طرية، بل وجدت رطوبة باردة، واهتزازاً قوياً، وصوتاً يشبه عواء الريح. أصابني ذعر خفيف. شعرتُ بالصدمة. كأن طفولتي تتلاشى أمام عيني في ثوان .
كم هو جميل تخيل البراءة في الصغر، وكم هي مؤلمة صدمتنا عندما نكبر ونكتشف الحقائق.
الغيوم ليست قطناً، بل قطرات ماء متكثفة تطفو في الهواء. لا يمكن القفز عليها، بل قد تكون خطرة إذا اقتربنا منها بطريقة خاطئة. ومع ذلك، فإن هذا الاكتشاف لا ينفي جمالها. بل يضيف إليه عمقاً جديداً. الغيوم لا تزال ساحرة، لكن سحرها الآن علمي وشعري في آن واحد: كيف تتكون؟ كيف تطير؟ كيف تمطر؟.
ربما هذه هي قصة حياتنا كلها.
نبدأ بالأحلام الوردية والتخيلات الجميلة، ثم نصطدم بالواقع القاسي تدريجياً. نفقد بعض البراءة، لكننا نكتسب في المقابل فهماً أعمق وتقديراً أكبر للجمال الحقيقي. الطفل يرى القطن، والكبير يرى معجزة الطبيعة التي تحمل في طياتها المطر والحياة.
اليوم، عندما أرى غيمة بيضاء ناصعة بعد المطر، أبتسم للطفلة الذي كنتها ، وللكبيرة التي أصبحتها.
في كل غيمة بيضاء، لا يزال هناك شيء من ذلك القطن المنفوش، لكن هذه المرة، أراه بعيني طفلة و قلب امرأة .
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.