
منوعات
التّجريب ورحلة البحث عن فضاء جديد
ليس التّجريب سوى مغامرة جريئة للبحث عن فضاء للحياة،وقد ينقلب عندما يفقد أدواته التي تصنع نجاحه الذي يشرعن وجوده إلى مساحة للموت بهدوء أو بصخب مزعوم لا يعوّل عليه ليكون يكون مجرد نقوش حرفيّة على واجهة نصب قبر كان اسمه رواية أو أيّ عمل إبداعيّ ابتكاريّ آخر؛ولذلك عندما يشرع المبدع في رهان التّجريب فإنّه يقايض أحلامه وأفكاره وجموع خبراته ودفقات شعوره بحالة خاصة من تلبّس الفكرة وإعادة تشكيلها بعصا سحريّة لتملك قدرة الإدهاش والإبهار والبوح والتّأثير والتّفعيل، ولا يتحقّق ذلك إلاّ عبر القدرة على خلعها من سياقها التّقليديّ،وخلخلة رتابة إدراكها لنقلها إلى مستوىً آخر من التّشكّل والإدراك والوعي بها.
التجريب غالباً ما يكون وليد رغبة التّجديد والخروج بنسق جديد،كما هو وليد حالة غضب وانزعاج،وهو- دون شكّ – لاي*نح*ر هذا الغضب وذلك الانزعاج،ولكنّه ينقله من حالة العصاب والكبت إلى حيّز الوعي والنّقد والتّشكيل والتّحرر والرّفض،هو يصنع من حالة القهر حالة إبداع إداركيّة تنطلق من العلم والعقل والقلب لبناء عالم يوتيوبيّ منشود يفارق العالم المنكود الذي يجتهد المبدع المجرّب في التّمرد عليه،وعدم الانصياع لإكراهاته.
المبدع المجرّب يجب أن يكون غاضباً من البشريّة الحمقاء التي تتصارع دون توقّف،من البشر القساة اللامباليين،من حمّام الدّم المشرع في كلّ مكان بزخم دماء الأبرياء،من مشهد الحياة دون كرامة،من جداريّة الموت دون ونيس،من سلطة الفاسدين،ومن قهر المستلبين،من إعدام العشق،يجب أن يكون حانقاً على المتخمين كلّهم،وثائراً باسم الجائعين والمحرومين والمنكدين جميعهم،أن يكون في حرب ضدّ الحرب،وفي صرخة ضدّ جعجعات الكاذبين،أن يكون راغباً في أن يقول لا حتى ولو كلّفه ذلك أن ينجز عملاً روائيّاً يعدم نفسه عند أوّل مفترق كتابة،عليه أن يدرك تماماً وأن يسلّم في لحظة إيمان لا تعترف بالشّك بأنّه يقامر على طاولة التّجريب بكلّ آلامه ومعاناته.
hالرّواية التّجريبيّة جاءت لتفتح الباب على مصراعيه لرفض الأشكال الجاهزة للفكر أو لطرق التعّبير عنه ،وتغرق في الضّبابية والصّعوبة والتعقيد ،كما أنهّا تبالغ ،وتمسرح ، وتتقصّى المشكلات وتصوّر رؤية الناس لها تحت ضغط الإجراءات اليائسة أو الحلول الرهيبة أحياناً”.وقد عبّرت الروايات التّجريبيّة عن اللامعقول والغرابة ،وضاع منها كلّ ما هو منطقي، وصارت خليطاً من أشياء متنافرة،هي مزيج من تلاحم الذّهن بالذّاكرة ، وبالتالي سيطر عليها الغموض”
هي تنطلق من منطلقات الحداثة التي تؤمن بكلّ جديد ، ذلك الجديد القلق الذي لا يكاد يولد حتى يصبح قديماً ،ويبحث عن شكلّ يستولد منه ؛ ليقوم على أنقاضه . فالحداثة وليدة الوعي بضرورة التفسير ، والخروج من النمطية واستمرار تطوّر الأنواع.
هي لا ترتبط بالزمن فقط إذ لا يمكن اختيار مؤلفين من القرن العشرين كي يتمّ التأكد من حداثة فكرهم؛ ففي كلّ لحظة زمانية تتعايش لحظات من الماضي القريب أو البعيد، مع الحاضر وحتى مع المستقبل،فالحداثة فكر وأدب قيمي لا زمني
التجريب عند مالكم برادبري هو التحليل والتأمّل و الهروب والخيال و إطلاق العنان للأحلام،كما أنّ الحداثة إعادة نظر في المرجعيات والقيم، والمعايير وهي رؤيا جديدة، وتعبّر عن المقلق والفنتازي والمثير وهي تجديد للغة ، وتحرير للمخيّلة ، وتجاوز للحدود الوهمية التي تفصل الواقع عن اللاّواقع، وهذه الحداثة تستوجب حساسية جديدة تجاه هذا العصر.
الحساسيّة الجديدة تعبّر عن وعي خاص تجاه الأشياء سواء في الشّكلّ أو المضمون، وهذا الوعي يقوم على تقنيات كسر الترتيب السّردي ، وتجاوز العقدة التقليدية ، والغوص إلى الداخل،والتعلّق بالظاهر ، وتوسيع دلالة الواقع لكي يعود إليها الحلم والأسطورة والشعر،ووضع المعجز والخارق موضع الحقيقة المسلّم بها دون دهشة ، والانفتاح على عوالم وأكوان ما تحت الوعي ، أمّا الزمن فقد أصبح مهمشاً ومحطماً ضمن توافق نادر عند بعض المبدعين.