العلاقات الإفريقية الروسية في ظل التحولات الدولية: دلالات
مقدمه
شهد النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين تحولات جوهرية تمثلت في تراجع الهيمنة الغربية المطلقة على العلاقات الدولية، وصعود قوى دولية جديدة مثل روسيا والصين والهند، الأمر الذي أسهم في بروز نمط جديد من التفاعلات الدولية قائم على التعددية القطبية. وفي هذا السياق، أصبحت القارة الإفريقية إحدى أهم ساحات التنافس الدولي، نظراً لما تمتلكه من موارد طبيعية ضخمة وموقع جيوسياسي مؤثر وسوق استهلاكية متنامية.
ومنذ عودة روسيا إلى الساحة الدولية بقوة خلال العقد الأخير، سعت موسكو إلى استعادة نفوذها التاريخي في إفريقيا الذي تراجع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وقد تجسد هذا التوجه في تكثيف الزيارات الدبلوماسية، وعقد القمم الروسية الإفريقية، وتعزيز التعاون الاقتصادي والعسكري مع عدد متزايد من الدول الإفريقية.
وفي هذا الإطار، تكتسب زيارة رئيسة تنزانيا السيدة سامية صلوحو حسن إلى موسكو أهمية خاصة؛ إذ تأتي في مرحلة تتسم بتصاعد التنافس الدولي على إفريقيا، وبحث الدول الإفريقية عن بدائل وشركاء جدد لتحقيق التنمية وتعزيز استقلالية القرار الوطني.
اولا:- تفسير العلاقات الإفريقية الروسية من خلال عدة مقاربات نظرية في العلاقات الدولية:-
1. نظرية الواقعية السياسية:-
تفترض المدرسة الواقعية أن الدول تسعى إلى تعظيم قوتها وتحقيق مصالحها الوطنية في بيئة دولية تتسم بالفوضى.
ومن هذا المنطلق:
1/تسعى روسيا إلى توسيع نفوذها العالمي.
2/تسعى الدول الإفريقية إلى الاستفادة من المنافسة الدولية.
3/يمثل التعاون الروسي الإفريقي أداة لتعزيز المكانة الدولية للطرفين.
وبالتالي فإن زيارة رئيسة تنزانيا يمكن فهمها باعتبارها جزءاً من سياسة تنويع التحالفات وتحقيق المصالح الوطنية.
2. نظرية التعددية القطبية:-
ترى هذه النظرية أن النظام الدولي يتجه نحو توزيع القوة بين عدد من الأقطاب بدلاً من احتكارها من قبل دولة واحدة.
وفي هذا السياق:
1/تمثل روسيا أحد الأقطاب الصاعدة.
2/تسعى الدول الإفريقية للاستفادة من هذا التحول.
3/تتراجع تدريجياً أنماط التبعية التقليدية للغرب.
ثاتيا: محددات السياسة الروسية تجاه إفريقيا
1. البعد الجيوسياسي:-
تعتبر إفريقيا مجالاً حيوياً لروسيا في إطار استراتيجيتها الرامية إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وتعمل موسكو على:
1)توسيع نفوذها الدبلوماسي.
2)تعزيز حضورها في المؤسسات الدولية.
3)الحصول على دعم الدول الإفريقية في الأمم المتحدة.
ويكتسب هذا البعد أهمية متزايدة منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية وما ترتب عليها من استقطاب دولي.
2. البعد الاقتصادي:-
**تمثل إفريقيا سوقاً واعدة للاقتصاد الروسي.
وتركز روسيا على:
1-قطاع الطاقة”
-النفط والغاز.
-الطاقة النووية السلمية.
-شبكات الكهرباء.
2-قطاع التعدين”
-الذهب.
-اليورانيوم.
-المعادن النادرة.
3-القطاع الزراعي”
-تصدير الح*بو-ب والأسمدة.
-تطوير الإنتاج الزراعي الإفريقي.
3. البعد الأمني والعسكري”
-تعد روسيا أحد أهم موردي السلاح للقارة الإفريقية.
وتشمل مجالات التعاون:
1)التدريب العسكري.
2)مكافحة الار*ها*ب.
3)تبادل المعلومات الأمنية.
4)تطوير القدرات الدفاعية.
ويمثل هذا الجانب أحد أهم أدوات النفوذ الروسي في القارة.
4. البعد الثقافي والتعليمي”
استثمر الاتحاد السوفيتي سابقاً في تكوين النخب الإفريقية.
وتواصل روسيا هذا النهج من خلال:
-المنح الدراسية.
-برامج التدريب الفني.
-التعاون الجامعي.
-نشر اللغة والثقافة الروسية.
ثالثا: تطور العلاقات الروسية التنزانية
1)الخلفية التاريخية
**ترجع العلاقات بين البلدين إلى ستينيات القرن العشرين عندما أقام الاتحاد السوفيتي علاقات وثيقة مع تنزانيا في عهد الرئيس الراحل:
جوليوس نيريري
وقد ساهم الاتحاد السوفيتي في:
-تدريب الكوادر التنزانية.
-تقديم المنح التعليمية.
-دعم مشروعات التنمية.
**مرحلة ما بعد الحرب الباردة:-
شهدت العلاقات تراجعاً نسبياً خلال التسعينيات نتيجة:
-انهيار الاتحاد السوفيتي.
-انشغال روسيا بأزماتها الداخلية.
-تنامي النفوذ الغربي في إفريقيا.
** مرحلة العودة الروسية:-
1/منذ عام 2014 بدأت روسيا إعادة تنشيط علاقاتها مع تنزانيا عبر:
-الزيارات المتبادلة.
-الاتفاقيات الاقتصادية.
-التعاون في مجال الطاقة.
-التوسع في برامج التعليم والتدريب.
رابعا:- دلالات زيارة رئيسة تنزانيا إلى موسكو
-الدلالة الأولى:
1/تنامي استقلالية القرار الإفريقي
2/تعكس الزيارة اتجاهاً إفريقياً متزايداً نحو التحرر من الاستقطاب الدولي التقليدي.
فالدول الإفريقية لم تعد ترغب في حصر علاقاتها الخارجية في شريك واحد، بل تسعى إلى:
-تنويع الشراكات.
-تعظيم المكاسب الاقتصادية.
-الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.
-الدلالة الثانية:
1/صعود شرق إفريقيا في الحسابات الروسية
تعد تنزانيا إحدى القوى الصاعدة في شرق إفريقيا.
وتتميز بـ:
-موقع استراتيجي على المحيط الهندي.
-موانئ حيوية للتجارة الإقليمية.
-عضوية مؤثرة في تجمعات شرق إفريقيا.
لذلك فإن تعزيز العلاقات معها يمنح روسيا منفذاً مهماً إلى المنطقة.
-الدلالة الثالثة:
1/تعزيز التعاون الاقتصادي
تسعى تنزانيا إلى جذب الاستثمارات الأجنبية لدعم:
(التصنيع،الطاقه، النقل، البنيه التحتيه)
بينما تبحث روسيا عن:
-أسواق جديدة.
-فرص استثمارية.
-منافذ تجارية بديلة.
ومن ثم تمثل الزيارة أرضية مناسبة لتقاطع المصالح الاقتصادية للطرفين.
-الدلالة الرابعة:
1/توسيع النفوذ الروسي في إفريقيا
تأتي الزيارة ضمن استراتيجية روسية أوسع تهدف إلى:
-توسيع شبكة الحلفاء.
-تعزيز النفوذ السياسي.
-زيادة الحضور الاقتصادي.
-بناء شراكات طويلة المدى.
-الدلالة الخامسة:
-انعكاسات الحرب الروسية الأوكرانية
أظهرت الحرب في أوكرانيا أهمية إفريقيا بالنسبة لروسيا.
إذ تسعى موسكو إلى:
-تقليل آثار العقوبات الغربية.
-تنويع الشركاء التجاريين.
-تعزيز العلاقات مع دول الجنوب العالمي.
ومن هنا تكتسب العلاقات مع تنزانيا بعداً استراتيجياً إضافياً.
سادساً: انعكاسات الزيارة على إفريقيا
يمكن أن تسهم الزيارة في:
1)سياسياً:-
-تعزيز الحضور الروسي داخل القارة.
-زيادة هامش المناورة للدول الإفريقية.
-دعم توجهات التعددية القطبية.
2)اقتصادياً:-
-زيادة الاستثمارات الروسية.
-توسيع حجم التجارة.
-دعم مشروعات البنية التحتية.
3)أمنياً:-
-تطوير التعاون الدفاعي.
-مكافحة الار*ها*ب.
-تعزيز الأمن البحري في شرق إفريقيا.
4)دبلوماسياً:-
-توسيع التنسيق داخل الأمم المتحدة.
-تعزيز التعاون في المحافل الدولية.
سادسا: التحديات التي تواجه العلاقات الروسية الإفريقية
رغم التطور الملحوظ، تواجه هذه العلاقات عدداً من التحديات:
-التنافس الدولي
وجود منافسة قوية من:
(الصين، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، تركيا، الهند)
-محدودية القدرات الاقتصادية الروسية
لا تزال الإمكانات الاقتصادية الروسية أقل من القدرات الصينية والغربية في إفريقيا.
-عدم الاستقرار السياسي
تواجه بعض الدول الإفريقية تحديات أمنية وسياسية قد تؤثر على الاستثمارات والتعاون طويل الأجل.
سابعا: النتائج
**تكشف زيارة رئيسة تنزانيا إلى موسكو عن مجموعة من الحقائق المهمة:
-إفريقيا أصبحت فاعلاً مؤثراً في تشكيل التوازنات الدولية.
– روسيا تنظر إلى القارة باعتبارها شريكاً استراتيجياً طويل الأمد.
– الدول الإفريقية تتبنى سياسات خارجية أكثر استقلالية.
-العلاقات الروسية الإفريقية مرشحة لمزيد من التوسع في ظل التحولات الدولية الراهنة.
– تنزانيا تمثل نموذجاً للدول الإفريقية التي تسعى إلى الاستفادة من التنافس الدولي لتحقيق أهدافها التنموية.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.