آراء متنوعة

تزوير الهوية الوطنية: تهديد للسيادة الديموغرافية في

تزوير الهوية الوطنية: تهديد للسيادة الديموغرافية في ليبيا

تزوير الهوية يهدد الأمن القومي
كشفت البيانات الأخيرة الصادرة عن النيابة العامة الليبية، في ديسمبر 2025، عن ضبط نحو 34 ألف قيد أسري مزيف في منظومة الرقم الوطني، إلى جانب شطب أكثر من 17 ألف رقم وطني مزور، و40 ألف مرتب وهمي، مع استمرار ملاحقة شبكات التزوير في مدن مثل سبها وسرت وغريان والأصابعة. هذه الأرقام، التي تمثل قمة جبل الجليد، تتجاوز كونها مجرد قضية فساد جنائي تقليدية، لتكشف عن اختراق ممنهج للسيادة الديموغرافية والقانونية للدولة. فقد مكّن تورط موظفين في مصلحة الأحوال المدنية أجانب من الحصول على وثائق هوية كاملة، مما يشكل اعتداءً مباشراً على مفهوم الدولة الوطنية.

الظاهرة، التي تفاقمت منذ عام 2011، لم تقتصر على أعمال فردية، بل تحولت إلى عملية منظمة تهدد نواة العقد الاجتماعي، وتؤدي إلى تمييع الهوية الجماعية وتقويض الشرعية السياسية للكيان الليبي.

أزمة تزوير الهوية في ليبيا تشكل تهديداً وجودياً يفوق التحديات السياسية أو العسكرية، خاصة في ظل انتشار الفساد المؤسسي الذي يضعف الدولة من الداخل

يأتي هذا الاختراق في سياق أوسع يتميز بتفشي الفساد المؤسسي المزمن في ليبيا، حيث صنّفت منظمة الشفافية الدولية البلاد في المرتبة 173 من أصل 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، بحصولها على درجة 13 من 100 فقط، مما يجعلها من بين الدول الأكثر فساداً عالمياً. هذا الترتيب المتدني، الذي يعكس ضعف الرقابة وغياب المساءلة، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالانقسام السياسي والفراغ الأمني منذ عام 2011، اللذين ساهما في انتشار الرشوة والمحسوبية ونهب المال العام في قطاعات متعددة مثل النفط والصحة والإدارة العامة. إن تزوير الهوية ليس إلا تجلياً واحداً من تجليات الفساد المنتشر، الذي يهدد ليس فقط النزاهة الإدارية، بل أيضاً الأمن القومي والتركيبة السكانية.

يفقد الرقم الوطني، كرمز للانتماء المحمي وضمانة للحقوق الحصرية، قدسيته ليصبح سلعة قابلة للتداول. أما السجل المدني، وهو الذاكرة القانونية الرسمية التي تحدد التركيبة السكانية، فيتحول إلى هدف للتحريف المنظم، خاصة من خلال إدراج أسماء أجانب في قيود عائلات ليبية وهمية أو تغيير بيانات الميلاد. هذا الانتهاك يقوّض العلاقة بين الفرد والدولة، محولاً إياها من عقد قانوني راسخ إلى معاملة تجارية هشة، ويضعف السيادة الرقمية والقانونية كأركان أساسية للدولة الحديثة.

في جوهرها، تمثل الهوية الوطنية الإطار القانوني للاعتراف بالفرد داخل المجتمع السياسي؛ وعند التلاعب بها، تفقد الدولة قدرتها على ضبط حدودها الداخلية، مما يفتح الباب أمام تغييرات ديموغرافية مصطنعة تخدم أجندات داخلية أو إقليمية.

تكشف آليات التزوير عن استغلال منهجي لثغرات هيكلية، مثل سرقة مستندات رسمية وختمها بأختام مزورة، أو استخدام بيانات المتوفين والمغتربين. لا يمكن تنفيذ هذه العمليات دون تواطؤ مؤسسي واسع، حيث يتحول حراس البيانات إلى وسطاء في شبكات فساد. وتشير التقديرات إلى أن عشرات الآلاف من غير الليبيين حصلوا على هويات كاملة، مما مكّنهم من الوصول إلى وظائف عامة، رواتب، منح أسرية، وامتيازات اجتماعية واقتصادية. هذا يؤدي إلى إهدار مالي عام هائل، وينتهك الحق السيادي في تحديد الانتماء، مع مخاطر جيوسياسية تشمل التأثير على التركيبة السكانية في مناطق حدودية، أو التلاعب في القوائم الانتخابية، أو تسهيل أنشطة إجرامية منظمة.

الهوية الوطنية تمثل الإطار القانوني للاعتراف بالفرد داخل المجتمع السياسي؛ وعند التلاعب بها، تفقد الدولة قدرتها على ضبط حدودها الداخلية

تمتد التداعيات إلى أبعاد متعددة وعميقة. قانونياً، تفقد الدولة مرجعيتها الموثوقة، مما يهز شرعية قراراتها ويؤدي إلى انهيار الأمن القانوني. اجتماعياً، تزرع هذه الممارسات الغبن وتقوّض الثقة في الدولة، دافعة المواطنين نحو الاعتماد على هويات فرعية قبلية أو جهوية، مما يعزز التفكك الاجتماعي. أمنياً، تخلق ثغرة تسمح بدخول عناصر غير مرغوب فيها، قد تحمل ولاءات خارجية أو تنتمي إلى تنظيمات متطرفة، مما يهدد النسيج المجتمعي ويضعف السيطرة على الإقليم. كما أدى انتشار الجوازات المزورة إلى فرض قيود دولية على سفر الليبيين، مما يعكس فقدان الثقة الدولية في الوثائق الليبية.

تعود جذور الأزمة إلى أسباب هيكلية، أبرزها الفساد المزمن الذي ينخر معظم المؤسسات، غياب المساءلة الجادة، والانقسام السياسي الذي أنتج إدارات متوازية وتضارباً في قواعد البيانات. ورغم إطلاق استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد (2025–2030)، يظل التحدي قائماً في ظل غياب سلطة مركزية شرعية، حيث أصبحت الهوية أداة للمتاجرة في سياق الصراعات المحلية والإقليمية.

العلاج يتطلب إصلاحات جذرية. يجب أولاً تعزيز الرقابة عبر لجان تدقيق مشتركة، مع مساءلة قضائية سريعة (نشير إلى أن النيابة شرعت بحبس متورطين في عدة مدن). كما ينبغي الإسراع في تنفيذ منظومة هوية إلكترونية آمنة مدعومة بتقنيات حيوية، مع مراكز احتياطية مشفرة وحماية مستقلة للبيانات. ويلزم أيضاً تعزيز الشفافية من خلال إشراف مجتمعي، وضمان حق الوصول إلى المعلومات، وتحويل حماية الهوية إلى مشروع وطني جامع يتجاوز الخلافات.

في الخلاصة، تشكل أزمة تزوير الهوية في ليبيا تهديداً وجودياً يفوق التحديات السياسية أو العسكرية، خاصة في ظل انتشار الفساد المؤسسي الذي يضعف الدولة من الداخل. إذ يقوّض هذا الاختراق قدرة الدولة على تحديد مواطنيها وحمايتهم، ويهدد التركيبة الديموغرافية والأمن القومي. وتتطلب معالجة الأزمة إعادة بناء مشروع الدولة على أسس الشرعية والمساءلة والعدالة، فالدولة التي تفشل في ضمان سلامة هويتها تصبح عرضة للتفكك الداخلي. ولتلافي هذا المصير، يصبح التصدي لهذه الآفة شرطاً أساسياً لإعادة بناء ليبيا موحدة ومستقرة.

صلاح الهوني
إعلامي ليبي

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى