مقالات
قراءة متأنّية في رواية نزيف أُسَري للكاتب عبد الباقي يوسف
إعداد: مريم مبارك
رواية جديدة تتناول واقع الأسرة العربية والمسلمة في ظل قانون الأُسرة، رواية مشوّقة منذ صفحتها الأولى حيث تتوالى الأحداث فيها.
جاءت الرواية في 218 صفحة وتقسَّمَت على ثمانية فصول تتمحوَر حول المرأة والأسرة، وقانون الأسرة الجديد، تقدّم لنا الرواية مقارناتٍ ما بين تماسك الأُسرة قبل هذا القانون، وتفتّتها عقب هذا القانون فقد كانت نسبة الطلاق منخفضة جدّاً بل وتكاد نكون معدومة، وكانت الأُسرة متماسة، ونادراً ما كنا نرى أُسرة مفكّكة، أمّا العن*ف الأُسَري وفي أعلى مستوياته التي تصل إلى حد ج#ريم*ة ق*ت*ل المرأة على يدي زوجها أو غيره، فكان ذلك معدوماً، أو نادراً جدّاً كحالةٍ استثنائية، في حين أنّ جرائم ق*ت*ل النساء تفشَّت بشكل كبير جداً بعد إقرار هذا القانون، إلى جانب النسب المرتفعة جداً في الطلاق، وتفتيت الأُسَر وتشريد الأبناء.
تسلّط الرواية الضوء على هذه الظاهرة من خلال بطل الرواية (إدريس) الذي يتعرَّف في المهجع الذي ينزل فيه في السجن على مجموعةٍ من المساجين الذي سُجِنوا بسبب ق*ت*ل زوجاتهم، أو غيرهن. نتعرَّف على هؤلاء المساجين عندما يروون التفاصيل التي أدَّت بهم إلى ارتكاب تلك الجرائم على خلفيّة هذا القانون. وكما أن هذا القانون في الظاهر يحمي المرأة، وفي الواقع يفتك بها، فكذلك نرى الذين يؤجّجونها على زوجها وتفكيك أسرتها، وهم يدَّعون بأنَّهم يؤازرونها ويتعاطفون معها فيودون بها إلى تلك النهاية المأساوية. ولذلك نرى في الرواية بأن انتقام الأزواج لا يقتصر على الزوجة فحسب، بل أحياناً يطال أبوَيها، وأخوتها، وبعض أقاربها، أو المحامين، أو العاملين في قانون الأسرة، هؤلاء الذين يؤجّجونها ويشجّعونها على التمرّد على زوجها مستقويةً بقانون الأسرة، فهي محاولات استدراجيّة كي تُظهر المرأة مدى عدوانيتها، وبالتالي تودي بنفسها وبأسرتها إلى ذاك المصير القاتم.
وأحياناً نرى بأن الزوجة تعكس الأمر فتحرّض أحد أخوتها على زوجها، فتقع جرائم الق*ت*ل كما الأمر بالنسب لبطل الرواية إدريس الذي يُسجَن عشرين سنة بسبب ق*ت*ل زوج أخته (نجوى) وبعد ذلك يكتشف بأن أخته كانت قد استدرجته إلى ق*ت*ل زوجها كي تتزوَّج من رجلٍ آخَر، وامتنعت حتى عن زيارته في السجن طوال تلك السنوات، بل حتى عند خروجه من السجن رفضت أن تستقبله حين أراد زيارتها في البيت. الرواية مليئة بالأحداث، كما أنّها مليئة بالشخصيّات، وهي تبيِّن لنا بأن المرأة في واقع الأمر هي ضحيَّة وقد وقعت في هذا الفخّ الكبير الذي اسمه قانون الأسرة الذي يستنزف المرأة والأسرة معاً. يقول أحد شخصيّات الرواية: (تفاقمت جرائم ق*ت*ل النساء بشكلٍ مروع، وأُصيبت البيوت الزوجية بنزيف داخلي، وتشتتت العائلات، تشرّد الأطفال، شاع الانحراف، وأعداد النساء اللواتي قُتِلن خلال عشر سنواتٍ سابقة في بلادنا، تجاوز أعداد النساء اللواتي قُتِلن خلال مئتَي سنة سابقة بسبب خلافاتٍ زوجية، أو جرائم الشرف في العالَم كلّه، تحوَّل هذا القانون إلى وأدٍ حقيقيٍّ للنساء في بلادنا، لكن بشكله المعاصر من خلال قانون الأسرة.
قبل هذا القانون ما كنا نسمع بق*ت*ل امرأة إلّا نادراً، ذات يومٍ سألتُ جدّي الذي بلغ الخامسة والتسعين من عمره عن ق*ت*ل النساء، والطلاق، فقال بأنّه خلال ذاك العُمر الذي عاشه، لم يسمع سوى بق*ت*ل امرأتَين فقط، واحدة بسبب الخيانة الزوجية، والثانية لأنّها تزوَّجت رغماً عن أهلها بالخطيفة، وكذلك سمع عن حالتَي طلاق فقط). يقول ضابطٌ في شرطة العن*ف الأُسَري لأحد الأزواج: (لا توجد سلطة على وجه الأرض تمنعك من الدخول إلى بيتك، لكنك إذا دخلت البيت، وافتعلَتْ زوجتك شجاراً معك، ثم اتصلَتْ بنا، سنضطرّ أن نأتي. هذا هو الواقع، لا نستطيع أن نفعل شيئاً، لأن اختصاصنا يكمن فقط في الاستجابة لأي اتصال أو شكوى نتلقّاها من امرأة بحق رجل، مهما كان منصب هذا الرجل، وسبق لنا أن أوقفنا أزواجاً وهم يشغلون مناصب مهمّة عندما تقدّمت زوجاتهم بالشكوى عليهم، مثل: رئيس نقابة المحامين، وضابط شرطة برتبة عقيد، وعضو في البرلمان، ووزير سابق، وأستاذ جامعي، والقائمة تطول.. عندما لا تريد الزوجة أن يدخل زوجها إلى البيت، فلا أحد يستطيع أن يمنعها، لأنَّها ستوكل محامياً وسيجد لها المبرّرات القانونيّة التي يتوقَّف الزوج بموجبها، وأسهل تلك المبرّرات، أنّه يُهدّدها بالق*ت*ل. فيخرج بكفالة، ولم يعد قادراً أن يمنعها، أو يعترض طريقها أينما ذهبتْ، وحيثما توجَّهتْ، لأن شرطة العن*ف الأُسَري تكون له بالمرصاد بمجرَّد اتِّصال المرأة بها من هاتفها الخلوي، وهي تُرجّح كفّة المرأة على كفّته. برأيي الشخصي، اذهب إلى فندق، أو استأجر لك بيتاً). وفي موضعٍ آخَر يقول هذا الضابط لطاهر: (عندما تنطوي المرأة على شر وخاصة في ظل قانون العن*ف الأُسَري، تتحوَّل إلى كائنٍ هائج، لا أحد يقدر أن يكبح جماحها. لم تكن تلك المرأة تسيء للأب في نظر الابن فقط، بل كانت تُسيء للابن أيضاً في نظر الأب، لأنَّها كانت تجعله متطفّلاً على أبيه، ويعيش في ازدواجيّة، فمن ناحية كانت تدفعه كي يقطع صلته بأبيه ويرفض أن يراه، بل وكانت تحظّر عليه أن ينطق على لسانه كلمة أبي، ومن جهةٍ أُخرى عندما كان الأب يتأخّر في دفع مصروف ابنه، كانت تأخذه إلى القضاء فيقول كما أوصته أمّه: أنا ابن فلان، وأبي لم يرسل لي نفقتي الشهر الفائت، هو أبي، وأنا بحاجةٍ إليه كي ينفق عليّ. ويقدّم للقاضي الوثائق الرسميّة التي تثبت بأنه ابن فلانٍ.
فيقول له القاضي: لا بأس، عد إلى بيتك، وسوف تتّصل الشرطة بأبيك حتى ينفق عليك بناءً على طلبك. ومبلغ النفقة كان محدوداً، لأنّه يُقاس بموجب راتب الأب، ولو أن هذا الفتى ذهب إلى أبيه بشكلٍ طبيعي رغم أنّه يعيش مع أمّه، لأنفق عليه ضعف ذاك المبلغ، بل كلّما كان يحتاج إلى مبلغ في أيّ وقت، كان سيطلب منه.
لقد حرمت تلك المرأة ذاك الابن من كل تلك المزايا التي كان سيتمتَّع بها، وكذلك وضَعَته في موقفٍ محرجٍ مع أبيه، وأرغمت عليه أن يبدو متطفّلاً كي ترضي نزعتها العدوانيّة وتنتقم بحقدٍ أعمى من الأب بشكلٍ مباشَر، وكذلك من الابن بشكلٍ غير مباشر وتحرمهما من حميمية وجماليّة العلاقة بين الأب وابنه، وتقطع صلة الرحم بينهما مستقوية بشرطة العن*ف الأسري، النفقة في المحاكم هي محاولة لإفساد العلاقة الطبيعيّة بين الأب وأبنائه، لأنّها قد تسرّب إلى الابن شعوراً بأن أباه ينفق عليه مُرغَماً وبالقوَّة، وليس بدافع أبوَّته، وبالتالي قد تكون في بعض الظروف بمثابة تحريضٍ للابن كي يتطاوَل على أبيه في حال تعرّض الأب لظرفٍ ماليٍّ طارئ، أو صعب، ومن المفترض هنا في العلاقة الطبيعيّة أن يترك الابن كل ما بيدَيه ويقف إلى جانب والده في محنته حتى لو اضطرَّ أن يقسّم وقته بين الدراسة وإيجاد عملٍ ريثما يمضي ذاك الظرف).
وتُذكّر الرواية بالخطر الكبير الذي ينجم عن قطع صلة الرحم في المجتمع وذلك على لسان أحد الأشخاص الذي يقول لضابطٍ في قانون الأسرة: (أساس أمننا الأسري قائم على صلة الرحم وبرّ الوالدَين، ومؤازرتكم للنساء في استئصال صلة الرحم، وتحريض الأبناء على عقوق الآباء يجعلكم شركاء لهن في زحزحة هذا الأمن الأُسَري، يقول الله: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} . وقد حذَّر الله {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} . وأردف يقول بلهجةٍ شديدة: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرَّحمُ معلَّقةٌ بالعرش تقولُ: مَن وصلني وصله اللهُ، ومَن قطعني قطعه اللهُ” . “ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجِّلَ اللَّه لصاحبه العُقوبةَ في الدُّنيا مع ما يدَّخر له في الآخرة من البغيِ، وقطيعةِ الرَّحم” . “مَن سرَّه أن يُبسَط له في رزقه، وأن يُنسأ له في أثرِه، فليَصِل رَحِمَه” . “قال الله: أنا الرَّحمن، وهي الرَّحِم، شققتُ لها اسمًا من اسمي، مَن وصلها وصلتُه، ومن قطعها بتتُّه” . “ليس الواصِلُ بالمُكافِئ، ولكن الواصل الَّذي إذا قُطِعتْ رَحِمُه وصلَها” . “ألا أُخبِرُكم بأفضل من درجة الصيامِ والصلاةِ والصدقةِ؟”، قالوا: بلى، قال: “صلاحُ ذاتِ البَيْنِ، فإنَّ فساد ذاتِ البَيْنِ هي الحالقةُ” . “الوالدُ أوسطُ أبوابِ الجنةِ، فإن شئتَ فأضِع ذلك البابَ أو احفَظْه” . “رضا الله في رضا الوالد وسخط الله في سخط الوالد”) . فيقول الضابط: (هذا جهاز جديد في البلاد، بصراحة نحن ندور في فَلَكه ولا نعلم ما الذي يحدث، غير أنّنا ننفّذ الأوامر التي تصلنا من جهاتٍ عُليا).
والرواية توثّق الآيات والأحاديث في الهوامش.
أمّا عن حيثيّات هذا القانون، فيرد ذلك على لسان أحد الشخصيّات: (هذا القانون الوضعي جاء ضمن منظومة متكاملة مع بعضها بعضاً بعد دراسات مستفيضة، كي يتم تطبيقه ضمن منظومته، لكننا اجتزأناه من منظومته المتكاملة، وأقحمناه على منظومةٍ غريبةٍ عنه ومتنافرة منه، كأنك تضع لشخصٍ دماً من زمرةٍ مختلفة عن زمرته الدموية، عندها بدل أن يتعافى الجسد، فإنّه يُصاب بالتسمّم وتتفاقم عليه التداعيات حتى تق*ت*له، فلا يمكن أن تنسجم الزمرتان في جسدٍ واحد بأيّ حالٍ من الأحوال، ولكننا نصرّ بعنادٍ شديدٍ على انسجام الجسد مع الزمرتَين المتناقضتَين رغماً عنه.
كل شيءٍ في منظومة هذا القانون يختلف عن منظومتنا الاجتماعية، لأنه جاء نتيجة دراسة دقيقة وعميقة آخذة بعين الاعتبار كل المفرزات التي يمكن لها أن تنجم عنه عند تطبيقه، وبالتالي تم وضع حلولٍ ملائمة لتلك المفرزات، إضافةً إلى ذلك، فإنه مُنسجمٌ مع طبيعة مجتمعهم، وطبيعة أنظمتهم، مثل: تداول السلطة، تأمين فرص العمل للعاطلين عن العمل، إعطاء رواتب للعاطلين عن العمل سواء أكانوا من تلك البلاد أو من اللاجئين فيها، الضمان الصحّي، العادات والتقاليد الاجتماعية، الثقافة، محو الأمية.. والمرأة في ذاك المجتمع، لا تقبل لنفسها أن تحرّض أولادها على أبيهم، أو تسيء إلى سمعته أمامهم كي تُحقّق بعض المآرب، والأب في حال ارتكابه جناية حقيقيّة بحق زوجته، فإنَّهم يؤمّنوا له مسكناً عندما يخرجونه من مسكنه الزوجي، يؤمّنوا له راتباً إن كان بلا راتب، أو بلا عمل، ويمكن له بسهولةٍ أن يتزوّج من غير معوّقات، ويتواصل مع أولاده متى شاء.
هذا القانون الوضعي جاء مفصَّلاً لتلك البيئة، لكنه في بيئتنا القبلية والعشائرية وفي ظل الفاقة، وعدم وجود فرص عَمَل، والنسبة المُرتفعة جداً في أمّيتَي التعليم والثقافة، ونشر الفساد، واحتكار السلطات، وانتشار الفتن، والضغوطات الاجتماعية والمعيشية، يكون إقحاماً على المجتمع).
اقتباسات من رواية نزيف أُسَري
ليس بالضرورة أن كل ما يأتينا من الغرب يكون سليماً، بل منها ما يكون فاسداً لأن هذه القوانين الوضعيّة في النهاية هي اجتهادات بشريّة قابلة للصواب، وقابلة للخطأ، وأحياناً بعد فترةٍ من تطبيقها، يتم إجراء تعديلات كثيرة عليها، أو حتى إلغاءها لأنّها تلحق الضرر أكثر مما تنفع.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص78
في أيّ مرحلة من مراحل العمر يمكن للإنسان أن يبدأ بدايةً جديدة من حياته، الحياة تغتني بكل مقومات التجدّد يا إدريس، ولكل مرحلة من مراحل العمر جمالياتها. كن واثقاً بأن الله دوماً لديه العَوَض، عليكَ ألّا تستسلِم، أو تيأس، بل أن تأخذ الدرس البليغ من خطيئَتك الفادِحة في عدم الحرص، وتلجأ إلى ربِّكَ بالعَوَض. فالذي أعطى أول مرة، لديه ما هو مثل، وما هو أفضل. وكما يقال: (أضخم الأبواب مفاتيحها صغيرة).
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص50
الدُنيا دَوّارة، لكل دَورة حكمتها، مفرحة كانَت أم مؤلِمة، كيف تُريد أن تنضج ولا تتقلَّب بك الحياة يمنةً ويسرةً؟ رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص57
لولا الليل، لَما كان هناك نهار، لولا الغروب لما كان هناك شروق، لولا الشتاء لَما كان هناك صيف. من جليد الشتاء، وقيظ الصيف، يولد بهاءُ الربيع، تزهر الورود على الأشجار. هكذا يا نفسي، عقب مزاجٍ مُعكَّر، أنعم بلذَّة صفاء الذهن. عند ذاك تهبّ عليّ نسمات السكينة، أدرك بأن حاجَتي إلى الشدائِد هي كحاجتي إلى الرخاء، حاجَتي إلى المرض كحاجتي إلى العافية، حاجَتي إلى الضيق كحاجتي إلى السعة، حاجتي إلى الحزن كحاجتي إلى الفرح.
أما كنتِ ترين النتائج معي يا نفسي، كيف أن الذين كنتُ أظنّهم أصدقاء، في الحقيقة كانوا أعداء، هجمَتْ الشدائِد عليّ وأظهَرَت معادن غِلَّهم نحوي.
بعض الذين كنتُ أظنّهم أعداء، كانوا في الحقيقة أصدقاء، هجمَتْ عليّ الشدائِد وأفصحت عن معادن حبّهم لي. أهدهد نفسي، وتهدهدني نفسي حتى أغفو.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص63 ، 64
تمتلك المرأة غوايةً يمكن لها أن تحرّض الرجل به وتحقّق من خلاله مآربها، وعندما يتحقَّق لها ذلك، تُدرك آنذاك مدى غباء ذاك الرجل مهما كانت أواصر العلاقة بينهما. ولكنها تبقى تنظر بوقارٍ إلى ذاك الرجل الذي ترفَّعَ ونأى بنفسه ولم يستجب لتحريضها.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص65
لم تكن تلك المرأة تسيء للأب في نظر الابن فقط، بل كانت تُسيء للابن أيضاً في نظر الأب، لأنَّها كانت تجعله متطفّلاً على أبيه، ويعيش في ازدواجيّة، فمن ناحية كانت تدفعه كي يقطع صلته بأبيه ويرفض أن يراه، بل وكانت تحظّر عليه أن ينطق على لسانه كلمة أبي، ومن جهةٍ أُخرى عندما كان الأب يتأخّر في دفع مصروف ابنه، كانت تأخذه إلى القضاء فيقول كما أوصته أمّه: أنا ابن فلان، وأبي لم يرسل لي نفقتي الشهر الفائت، هو أبي، وأنا بحاجةٍ إليه كي ينفق عليّ. ويقدّم للقاضي الوثائق الرسميّة التي تثبت بأنه ابن فلانٍ.
فيقول له القاضي: لا بأس، عد إلى بيتك، وسوف تتّصل الشرطة بأبيك حتى ينفق عليك بناءً على طلبك. لقد وضَعَته في موقفٍ محرجٍ مع أبيه، وأرغمت عليه أن يبدو متطفّلاً كي ترضي نزعتها العدوانيّة وتنتقم بحقدٍ أعمى من الأب بشكلٍ مباشَر، وكذلك من الابن بشكلٍ غير مباشر وتحرمهما من حميمية وجماليّة العلاقة بين الأب وابنه، وتقطع صلة الرحم بينهما مستقوية بشرطة العن*ف الأسري.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص76 ، 77
النفقة في المحاكم هي محاولة لإفساد العلاقة الطبيعيّة بين الأب وأبنائه، لأنّها قد تسرّب إلى الابن شعوراً بأن أباه ينفق عليه مُرغَماً وبالقوَّة، وليس بدافع أبوَّته، وبالتالي قد تكون في بعض الظروف بمثابة تحريضٍ للابن كي يتطاوَل على أبيه في حال تعرّض الأب لظرفٍ ماليٍّ طارئ، أو صعب.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص78
ذاتَ يومٍ قلتُ لقاتلٍ قام بق*ت*ل زوجته، ثم أحرقها، ووقف ينظر إليها وهي تحترق: كيف احتملتَ ذاك المنظر؟
قال: هذه المرأة أحرقت قلبي ألف مرّة بدلاً عن مرّة واحدة، لذلك كانت كل نظرة إليها وهي تحترق، تُطفئ من قلبي ناراً كانت قد اشعلتها فيه، لم تترك لي خياراً آخَر سوى أن أطفئ نار قلبي بالنار.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص82 ، 83
هذا القانون الوضعي جاء ضمن منظومة متكاملة مع بعضها بعضاً بعد دراسات مستفيضة، كي يتم تطبيقه ضمن منظومته، لكننا اجتزأناه من منظومته المتكاملة، وأقحمناه على منظومةٍ غريبةٍ عنه ومتنافرة منه، كأنك تضع لشخصٍ دماً من زمرةٍ مختلفة عن زمرته الدموية، عندها بدل أن يتعافى الجسد، فإنّه يُصاب بالتسمّم وتتفاقم عليه التداعيات حتى تق*ت*له.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص101
في بلاد العالَم، نسبة الج#ريم*ة تنخفض، إلّا في بلادنا فإنها تزداد،
في بلاد العالم، الانتهاكات الإنسانية تنخفض إلى أدنى مستوياتها، إلّا في بلادنا فإنّها ترتفع إلى أعلى مستوياتها،
في بلاد العالَم أصبح همّ الشخص أن يقدَّم مسرَّةً للآخر بما يستطيع،
في بلادنا أصبح همّ الشخص أن يستفزّ الآخَر بما يستطيع،
في بلاد العالَم، يبسط الأمن دفأه على الناس،
في بلادنا يبسط الرعب صقيعه على الناس،
في بلاد العالَم تمتلىء الربوعُ بالمسارح، والسينمات، والمراكز الثقافية والمكتبات، والحدائق،
في بلادنا تمتلئ الربوعُ بالسجون، والثكنات، والمشافي، ومراكز الشرطة.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص105
هؤلاء أول شيْ فعلوه، هو أن وجَّهوا الضربة القاصمة إلى هيبة الرجل في بيته وأمام زوجته وأولاده، الهيبة التي هي أساس بناء البيت الزوجي. لم يصلحوا خلافاً واحداً نشب بين زوجٍ وزوجته، بل أجَّجوه، لم يحافظوا على تماسك عائلة واحدة، بل فتّتوها، أشاعوا العداوات والمشاحنات بين الزوج وزوجته من جهة، وبين أهلَي الزوج والزوجة من جهةٍ أُخرى. يداهمون البيوت مدجّجين بأسلحتهم كأنّهم فرق إنقاذ جاؤوا على جناح السرعة لإحباط عملٍ ار*ها*بي مروع، يُخاطبون الزوج باستصغارٍ أمام زوجته وأبنائه، ضاربين بحرمات البيوت الزوجية عرض الحائط.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص110
ثمة أمور هي أصغر من أن تضخّمها، وثمّة أمور أكبر من أن تصغّرها، تكمن المعضلة عندما يلتبس عليك الأمر ولا تستطيع أن تميّز بين الأمرَين.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص133
لا تأبه بما يقول الناس عنك، أنظر إلى نتيجة ما قمتَ به، فإن كانت النتيجة جيّدة، فاعلم بأنّك بدأت بداية جيّدة، وإن كانت النتيجة سيّئة، فاعلم بأنّكَ بدأتَ بداية سيّئة.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص133
أحيانا تكون المواجهة في ظرف غير مناسب، هزيمة، وتكون الهزيمة في ذاك الظرف، مواجهة.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص133
أيّ حادثٍ يقع لشخصٍ في المجتمع، يعكس تأثيره على المنظومة الاجتماعيّة برمّتها، لأن لا شيء يحدث في مجتمعٍ دون أن يترك أثره عليه، دون أن يترك شرخاً فيه، وعندما تزداد الشروخ، ينهدم المجتمع وينهار بمختلف مستوياته دون أن يسلم منه أحد.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص134
أشعر بأن كائِناً يقطن رأسي، يبقى مستيقظاً طوال الوقت، لا ينام البتة، لا يقربه فتور، يخبر كل شيءٍ عنّي، كل كبيرة وصغيرة. عندما أكون سعيداً يكون معي، عندما أكون تعيساً يكون معي، حتى عندما أنام أراه يحدّثني في الحلم، وأراني أستشيره في أدق تفاصيل حياتي وأكثرها حساسيَّة.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص138
العلاقة الزوجية بين الزوجَين هي علاقة نقية كالماء الذي في النبع، قد تشوبه شائبة نتيجة قذف شيءٍ فيه، أو حتى نتيجة عاصفة، ولكن يعود النقاء إليه تلقائياً مع الوقت ومن تلقاء نفسه بشكلٍ طبيعي، أمّا إذا دخل شخصٌ في قعر النبع وتلاعب بالماء، فإنه يعكّره أكثر فأكثر، وكلّما تلاعب أكثر، كلّما عكّره أكثر.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص140
عندما يجد المرء الصفر كي يبدأ منه، فذلك أيضاً نعمة، لأنه كان يمكن ألّا يجد حتى هذا الصفر ليؤسّس عليه حياته مُجدَّداً.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص158
بعض الناس يبرحون وينتهي كل شيء كأن شيئاً لم يكن، وبعض الناس يبرحون، ويتركون أثراً في المكان، وفي القلب أيضاً.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص174
كم بدت الحياة غنيّة أمامه في تلك اللحظات، وأن غناها لا ينضب، كم بدت واسعة لا حدود لسعتها، والإنسان هو الذي يضيّقها على نفسه، أو يوسّعها على نفسه، فإن ضيَّقها، ضاقت عليه، وإن وسَّعها، وسعت عليه.
رواية نزيف أُسَري – عبد الباقي يوسف ص176