الأيام الأخيرة لنظام ولاية الفقيه
يتصور البعض ممن لم يفهموا ويستوعبوا الاوضاع الجارية في إيران منذ 47 عامًا عن کثب، بأن النظام الإيراني ومن خلال تمکنه من إخماد 4 إنتفاضات شعبية ضده من کونه قد إکتسب خبرة في قمع الانتفاضات المضادة له وإنه سيتمکن في النتيجة من قمع الانتفاضة الحالية التي إندلعت على أثر الاحتجاجات التي جرت في طهران في 28 ديسمبر2025، وإمتدت للعام الحالي مع إتساع نطاقها.
هذا التصور هو مثل ذلك الذي ينظر للنصف الخالي من الکأس ويتجاهل النصف المملوء، أو إنه يقرأ مسار الاحداث والتطورات الجارية في إيران من وجهة نظر النظام الحاکم، ولا يجهد نفسه عناء التفکر في أن إندلاع الانتفاضات على الرغم من ممارسة النظام للقمع المفرط، يعني بأن الشعب يرفض الاذعان والخضوع الى إن هذا النظام قد أصبح أمرا واقعا، بل وحتى إن مجرد النظر الى التطور الفکري ـ الاجتماعي الذي يرافق وعي الشعب الإيراني خلال هذه الانتفاضات، إذ لو نظرنا الى الاننتفاضة التي إندلعت في عام 2022 وقمنا بمقارنتها بالانتفاضتين اللتين سبقتاها، لوجدنا إنها تتميز عن سابقتيها بإکتسابها الطابع الفکري ـ الاجتماعي بالاضافة الى الطابع السياسي ـ الاقتصادي الذي کانت الانتفاضتان السابقتان تحظان بها، وهذا يدل على إن هناك مسار وسياق زمني يتم فيه حدوث تطور في المواقف الشعبية المناهضة للنظام، ولاسيما إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار والاهمية الدور والتأثير الفعال للنشاطات التعبوية والثورية للشبکات الداخلية لمنظمة مجاهدي خلق في سائر أرجاء إيران ضد النظام.
من هنا، فإن الإنتفاضة الحالية، وإن کانت تجري بنفس سياق الانتفاضات التي سبقتها من حيث رفض النظام ومواجهته لکنها تختلف عنها في إنها إضافة الى کونها قد إندلعت في ظل أسوأ ظروف وأوضاع يواجهها النظام داخليا وخارجيا، فإنها تسير بنفس ذلك الإتجاه الذي سارت فيه الثورة الإيرانية في الايام الاخيرة لنظام الشاه، بمعنى رفض کل حوار أو تواصل أو مساومة مع النظام والإصرار على إسقاطه، لإنه قد وصل الى قناعة راسخة بأن أي تواصل مع النظام يخدمه ويساعد على بقائه.
ويبدو إن السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من جانب المقاومة الإيرانية، قد جسدت الموقف العام للإنتفاضة الحالية عندما قالت في رسالتها الموجهة للشعب الإيراني بمناسبة إنتفاضته الشجاعة هذه:” قبل 47 عاما وفي مثل هذه الأيام، لم يستطع سافاك (الشرطة السرية للشاه) و”حرس الشاه” وقواته العسكرية والأمنية المدججة بالسلاح حماية نظامه أمام انتفاضة الشعب. واليوم أيضا، لن تتمكن قوات الحرس وقوى خامنئي الشيطانية من إبقاء حكمه قائما لفترة أطول؛ حتى وإن أطلق عناصر البسيج والمخابرات الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، ورددوا في الوقت نفسه شعارات تدعم ديكتاتورية بهلوي. ولكن كما قال مسعود رجوي قائد المقاومة الإيرانية: “إذا قاومنا ودفعنا الثمن”، فإن تدابير العدو البائسة “لن تجدي نفعا.”
ومن دون شك فإن هناك متابعة دولية وإقليمية لما يحدث الان في إيران، مع ملاحظة إن سعي النظام الإيراني للتأکيد على إن سقوطه سيٶثر سلبا على الامن والاستقرار في المنطقة، إلا إن ما حدث في سوريا بعد سقوط نظام بشار الاسد(حليف النظام الإيراني الاساسي) وعدم حدوث أي مضاعفات سلبية على المنطقة رغم إنه قد تم الترويج لذلك کثيرا، يعطي إنطباعا الى عدم الثقة بما يقوله النظام بهذا الصدد.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني