المقاطعة أفضل خيار، – حسن مدبولى
الناقد والمحلل الرياضي الشاب أحمد عفيفي لم يكن مبالغًا حين قرر أن يبتعد عن المشهد كله. ربما كان فقط أكثر وضوحًا من غيره، وأكثر شجاعة في قول ما يراه كثيرون ولا يجرؤون على التصريح به حين وصف المنافسات الكروية في مصر بأنها غير متكافئة وموجّهة، وهو بهذا لم يكن يطلق حكمًا انفعاليًا، بقدر ما كان يعبّر عن رؤية صادقة تعتمد على تحليل دقيق للأحداث والوقائع ،
من هنا، تبدو الدعوة إلى مقاطعة تشجيع كرة القدم رد فعل طبيعي، لا موقفًا متطرفًا. وهو أفضل بكثير من إنشائيات “دعم الكيان” و”سنظل أوفياء”. فأي كيان هذا الذي يضعك باستمرار في موضع السخرية والإحباط الممنهج !؟
إن الدعم يفترض حدًا أدنى من العدالة، من تكافؤ الفرص، والتداول، ومن الإحساس بأن ما يحدث داخل الملعب هو انعكاس نزيه لما يحدث خارجه، لا نتيجة سيناريو مكتوب سلفًا، ينفذه لاعبون في أدوار مرسومة، بينما تُستنزف مشاعر جمهور اختصر آماله في لحظة انتصار لا تأتي.
المفجع أن الإحباط لم يعد مرتبطًا بخسارة مباراة أو بطولة، بل بإحساس أعمق: أنك أصبحت طرفًا في مشهد لا تملك التأثير فيه.وتحولت لمجرد مشجع يؤدي دور “الكومبارس”، يصرخ ويتحمس وينفعل، بينما تسير النتيجة النهائية في اتجاه يبدو معلومًا سلفًا.
وفي مثل هذا المناخ، تتحول المنافسة إلى عرض مكرر باهت، يُضبط إيقاعه بعناية. فيرتفع فريق في التوقيت المناسب، ويتراجع آخر حين يلزم، تُشحن الأجواء قليلًا لإبقاء الجمهور متيقظًا، ثم تُحسم الأمور بما يضمن استمرار “الهيصة” دون أن يختل ترتيب المشهد.
وربما لا تكون هناك مؤامرة مكتملة الأركان، لكن الإحساس العام يهمس دومًا بأن هناك شيئًا ما ليس طبيعيًا.
والزمالك، في هذا التصور، لا يُترك ليسقط تمامًا، ولا يُسمح له أن يهيمن. بل يُستدعى إلى دائرة المنافسة بقدر يكفي لإبقاء الصورة جذابة، ثم يُعاد إلى موقع لا يخلّ بتوازن المشهد الأكبر. فيبقى الأمل قائمًا، لكنه أمل مُعلّق؛ يتجدد ليُخيب، ويخيب ليُعاد إنتاجه من جديد.
وهنا تتراكم الخسارة الحقيقية. ليست خسارة نقاط في جدول، بل خسارة شعور: شعور بالإنصاف، بالانتماء لشيء يستحق، بالإيمان أن ما تراه هو ما يحدث فعلًا. ومع كل موسم، يصبح الإحباط أكثر عمقًا، لأنه لم يعد طارئًا… بل صار متوقعًا.
لذلك، تبدو فكرة الانسحاب – ولو معنويًا – مغرية. لا كعقاب لأحد، بل كوسيلة لحماية ما تبقى من عقلٍ مثقل، وتوازنٍ مُستنزف، ورغبة أخيرة في الإفلات من خيوط مشهدٍ لم يعد يُصدَّق.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.