مقالات

نقد منهجية التعليم القانوني – زيد نائل العدوان

عُرِفَ الإنسان منذ القدم بحبه للفضول وبرغبته في استكشاف هذا العالم من جميع نواحيه المختلفة، ومن أجل ذلك، شرع بدارسة الظواهر المختلفة والمتعددة مثل الظواهر الفيزيائية والكيميائية وغيرها، ومن إحدى هذه الظواهر التي درسها الإنسان منذ القدم هي الظواهر القانونية، وهي التي تتعلق بالتنظيم القانوني للإنسان من مختلف نواحي حياته، فابتداءً بالعلاقات المالية مرورًا بالمهنية وصولًا للعلاقات الجنائية، يحتاج الإنسان إلى قواعد تنظم هذه العلاقات وترتبها بحيث لا تتضارب مصالحه مع الآخر.
فبالتالي، تم إيجاد الكثير من الجامعات عبر التاريخ البشري -خصوصًا بالعصر الحديث- التي تعمل على تدريس القانون وتعليمه للطلاب في مختلف نواحي العالم، فمع تطور القوانين ومع ظهور التشريعات الكثيرة برزت الحاجة إلى تدريس هذا التخصص بالجامعات، ولكن، وعلى الرغم من تدريس هذا التخصص وإيلاء أهمية بالغة له باعتباره يتداخل مع كثير من التخصصات الأخرى، إلا أن هنالك عيوبًا في تدريس هذا التخصص.
فالمنهجية المتبعة في تدريس هذا التخصص لا تخلو من الأخطاء والمشاكل، وأنه من الطبيعي ذلك؛ ذلك أن لا شيء في العالم لا يخلو من العيوب أو النواقص، ومع ذلك، فإن بعض الأخطاء قد تكون أخطاءً فادحة، وتكون آثارها سلبية جدًا، ولذلك، وجب توجيه سهام النقد لها لتلافيها أو لإصلاحها، وفي هذا المقال، سنقوم بتوجيه سهام النقد لمنهجية تعليم القانون في المؤسسات الأكاديمية، إذ أن المشكلة في المنهجية لا في الأشخاص ولا في الطلاب أنفسهم.
بدايةً، لو أتينا لأول خطأ في التعليم القانوني؛ لرأينا أنه تعليم غير عملي بقدر ما هو نظري، مع العلم أن الطالب يحتاج للتعليم العملي كما للنظري، فالطالب بعد تخرجه سيمارس القانون عمليًا، وبالتالي فهو بحاجة للتعليم العملي لا النظري؛ فإغراق الطالب في النظريات الفقهية القانونية، والعمل على إدخاله بالخلافات القانونية (التي تتطلب خبرة عملية في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى تتطلب عمقًا أكاديميًا)، بالإضافة إلى إعطاءه فرضيات صعبة لا تحصل على أرض الواقع، كل هذا يساهم في إضعاف الملكة العملية عند الطالب، كما يتعب الطالب ويثقل كاهله بتفاصيل لا يحتاج لها في حياته بعد تخرجه.
وإن قال لي البعض، أن المعرفة النظرية محتاج إليها الطالب كي يستطيع المضي في المعرفة العملية، رددتُ عليهم أني لا أنكر أهمية المعرفة النظرية، لكن بالوقت ذاته هذا ليس مبررًا لتغييب المعرفة العملية تمامًا وإقصائها من المؤسسات التعليمية الأكاديمية.
ومن ثم، هنالك خطأ آخر في هذا المنهج، وهو اعتماده على الحفظ والتلقين لا الفهم والتحليل، وهو أمر سلبي للغاية، فالطالب عند خروجه من الجامعة وانخراطه بسوق العمل، سيمر عليه كافة أنواع المشاكل والتفاصيل التي تحتاج لفهم وتحليل أكثر مما تحتاج لحفظ وتلقين، فما الفائدة من أن يكون الطالب يحفظ الكثير من أحكام القانون ولا يعلم كيفية تطبيقها عند ظهور أول مشكلة تواجهه، وبالتالي، فإنه يجب تعليم الطالب منهجية قائمة على الفهم والتحليل؛ فهذا سيساهم في تكوين شخصيته القانونية وسيساهم في تنمية ملكاته المختلفة.
وإن قال البعض أن القانون عبارة عن أحكام تُحفَظ وأنه قائم على الحفظ، رددت على ذلك أن تقسيم العلوم لعلوم قائمة على الفهم والحفظ تقسيم غير صحيح، ذلك أن كل العلوم تخلط ما بين الفهم والحفظ، فمثلًا، الرياضيات، تحتاج لحفظ القوانين الرياضية والقواعد الحسابية كي تستطيع تطبيقها على مسألة رياضيات، وفي القانون يحتاج الطالب لملكة التحليل القانوني للأحكام القانونية والتشريعية كي يستطيع تطبيقها على القضية القانونية المعروضة أمامه، وهكذا لبقية العلوم، فكل علم هو بين الحفظ والفهم، ولا يخلو منهما بتاتًا.
ومن ثم، إذ أتينا لنقطة تعد سلبية في منهجية التعليم القانوني، لرأينا أن التعليم القانوني فيه الكثير من مواد القانون المدني، مع إغفال شبه تام للقوانين الحديثة مثل القوانين المختصة بالتعاملات الرقمية أو التحكيم.. الخ من المواضيع القانونية الحديثة، فهذا من شأنه أن يضعف الطالب عند خروجه إلى البيئة العملية في السوق القانوني، خصوصًا ان القانون المدني رغم أهميته، إلا أن استخدامه وتطبيقه على الوقائع المختلفة يضعف مع مرور الزمن لصالح القوانين الخاصة ولصالح القوانين الحديثة، فهذه تعمل على أن تحل محل القانون المدني وتستبدله؛ لإن القانون المدني لم يعالج كثيرًا من المسائل الحديثة كالعملات المشفرة والتحكيم الرقمي وغير ذلك من هذه الأمور، وجل ما يمكننا تطبيقه في القانون المدني هو القواعد العامة المتواجدة فيه لا أكثر ولا أقل.
فبالتالي، وجب وضع تدريس مواد حديثة في المنهجية التعليمية القانونية الأكاديمية، وعدم الاكتفاء بتدريس مواد عفا عليها الزمن وتقادم تطبيقها، وذلك مواكبة للعصر الحديث وللتطورات القانونية والتشريعية الحاصلة في البيئات القانونية المختلفة.
أيضًا، من الأمور التي تُؤخَذ على التعليم القانوني، هو أن المصادر القانونية من الصعب توفيرها للطلاب الذين يتعلمون القانون كتخصص جامعي؛ ذلك أن على الجامعات أن تعمل على توفير مصادر قانونية لكافة أنواع الطلبة تحقيقًا للمساواة فيما بينهم، إذ أن بعض الطلبة لا يتمكنون من الوصول إلى هذه المصادر ويواجهون صعوبة بإيجادها، وبالتالي كان من الواجب مساعدتهم في ذلك.
كما أنه من الأمور التي تُؤَخَذ على التعليم القانوني في المؤسسات الأكاديمية، أنه لا يوجد تحديث للطرق الدراسية الجامعية، إذ يجب أن يكون هنالك تحديث في طرق التعليم، لا أن تعتمد طريقة التعليم على مجرد التلقين والإعطاء، بل تتعدى ذلك إلى التحليل والتفكير النقدي والمنهجي، لكي يكون الطالب عند خروجه من الجامعة مستعد لمواجهة أعقد القضايا والمشاكل القانونية التي تواجهه.
ومن الممكن أن نقول أن هنالك مشاكل أخرى في التعليم القانوني، ولكن هذه تعد من أهم المشاكل التي يعاني منها الطلبة الذين يدرسون القانون، ولذلك، وجب العمل على علاجها وحلها؛ كي لا تتفاقم المشكلة، وكي يكون التعليم مواكبًا لروح العصر وللتحديات التي تواجهه في زمننا هذا.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى