مقالات عامة

كيف يُعيد الإحصاء الإيجابي هندسة الوعي الإحصائي؟

اعتاد كثير من الناس أن ينظروا إلى الإحصاء بوصفه علمًا جافًا، وظيفته الأساسية كشف الخلل وتعداد الفشل وتثبيت صورة سلبية عن الواقع. وغالبًا ما تُقدَّم الأرقام وكأنها أحكام نهائية لا تقبل النقاش، فتتحول النتائج الإحصائية من أدوات للفهم إلى أدوات إدانة. ومع الزمن، تشكّل وعي إحصائي يرى الواقع من زاوية واحدة، ويختزل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية في قيمها الدنيا فقط.

الإحصاء الإيجابي لا يأتي ليُنكر المشكلات، ولا ليجمّل الواقع، بل ليقترح طريقة مختلفة في طرح السؤال الإحصائي نفسه. فبدل الاكتفاء بالسؤال: أين التراجع؟، يضيف سؤالًا مكمّلًا: أين حدث التحسّن؟ وكيف يمكن فهمه؟ هذا التحوّل البسيط في صياغة السؤال يقود إلى قراءة أكثر توازنًا للبيانات، ويمنح الإحصاء وظيفة معرفية أعمق من مجرد تسجيل الإخفاق.
في التحليل الإحصائي التقليدي، تُعطى الأولوية المطلقة للمؤشرات السلبية، مثل انخفاض الإيرادات أو تراجع الطلب أو ضعف المشاركة. هذه المؤشرات ضرورية ولا يمكن تجاهلها، لكن الاكتفاء بها وحدها يحجب جزءًا مهمًا من الواقع، وهو الجزء المتعلق بالتحسّن الجزئي أو التقدّم النسبي الذي قد يحدث داخل بيئات صعبة. هنا يظهر دور الإحصاء الإيجابي في تتبّع هذه الاتجاهات الموجبة، لا بوصفها نجاحات مكتملة، بل بوصفها إشارات يمكن البناء عليها.
ولتوضيح الفكرة، يمكن الإشارة إلى دراستنا المنشورة في المجلة الدولية للدراسات الاقتصادية والموسومة التمكين الإيجابي في قطاع السياحة في العراق. فالتحليل التقليدي لهذا القطاع يركّز غالبًا على ضعف الإيرادات مقارنة بالدول المجاورة، أو على محدودية البنية التحتية، أو على التحديات الأمنية والسياسية. هذه القراءة صحيحة من حيث الوصف، لكنها غير كافية لفهم ديناميكيات القطاع. عند تطبيق منهجية الإحصاء الإيجابي، لم يتم إنكار هذه التحديات، بل جرى في الوقت نفسه قياس مستوى التمكين الفعلي داخل القطاع، من خلال تتبّع نمو الإيرادات، وانتشار النشاط السياحي، واستقرار الاتجاه العام للأداء.
أظهرت نتائج التحليل أن القطاع السياحي، رغم كل القيود، سجّل مستويات متوسطة من التمكين الإيجابي، ما يعني أن هناك مسار تحسّن فعلي، وإن كان غير مكتمل. هذه النتيجة لا تقول إن القطاع ناجح بالكامل، لكنها تقول إنه ليس جامدًا ولا متراجعًا بالمطلق. هذا النوع من القراءة يغيّر وظيفة الإحصاء من أداة لإعلان الفشل إلى أداة لفهم المسار، ويمنح صانع القرار معلومات أدق حول أين يمكن التدخل وأين يمكن تعزيز ما هو قائم.
هندسة الوعي الإحصائي، بهذا المعنى، لا تعني هندسة النتائج أو التلاعب بالأرقام، بل تعني إعادة تنظيم علاقتنا بالبيانات. فالأرقام لا تتحدث وحدها، بل تُفهم من خلال الأسئلة التي نطرحها عليها، ومن خلال الإطار التحليلي الذي نضعها فيه. عندما نسمح للإحصاء بأن يرى التحسّن إلى جانب القصور، فإننا لا نفقد الموضوعية، بل نقترب منها أكثر.
في المجتمعات التي تعاني من أزمات متراكمة، يصبح للإحصاء دور يتجاوز البحث الأكاديمي، ليؤثر في الوعي العام وفي الثقة بالمستقبل. الإحصاء الإيجابي لا يعد بحلول سحرية، لكنه يقدّم قراءة أكثر نضجًا للواقع، قراءة تعترف بالصعوبات، لكنها لا تحوّلها إلى قدر نهائي. وفي زمن تتزايد فيه الحاجة إلى فهم الواقع بدل الاكتفاء بإدانته، قد يكون هذا التحوّل في الوعي الإحصائي خطوة ضرورية نحو ثقافة رقمية أكثر إنسانية واتزانًا.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى