آراء متنوعة

هل تنتهي أزمات الشرق الأوسط بنهاية الحرب الأمريكية

بسم الله الرحمن الرحيم
هل تنتهي أزمات الشرق الأوسط بنهاية الحرب الأمريكية الإ*سر*ائي*لية مع إيران؟

 

إنّ الإجابة عن هذا السؤال يتطلب فهماً عميقاً لأحداث الماضي والحاضر وما تؤول اليه أحداث المستقبل ودوافعها ففي ظل المعطيات القائمة في عامنا الحالي يشير الى أن أزمات المنطقة ليست نتاج عامل واحد بل عوامل جيوسياسية متداخلة وشبكة من الصراعات التأريخية والسياسية والإقتصادية ترمي بظلالها على أمن وإستقرار المنطقة برمتها ومن أهم هذه العوامل هي:
1.تعدد دوافع الصراع: إن تنوع بؤر الصراع قد تدفع الى عودة المنطقة الى حالة من القلق بسبب التنافس على النفوذ والتسابق على المصالح والتناقض في التوجهات السياسية والإقتصادية والإجتماعية تدفع الطامعين للمواجهة المباشرة حتى لو توقف القتال الحالي بين أمريكا وإس*رائي*ل وبين إيران فقد تشهد المنطقة خلافات إقليمية ودولية أخرى قد تكون مستقِلة عن الصراع القائم وأسبابه فهناك ملفات أخرى قد تكون دافعاً لحروب مماثلة ومنها ما يأتي:
أ. الحروب الأهلية الداخلية والخارجية : هناك صراعات أخرى قد تكون قائمة بمستوى معين وقد تنفجر عند نهاية هذا الحرب فالصراعات الداخلية والمذهبية لا زالت قائمة في سوريا والعراق واليمن وليبيا والسودان ودول الخليج العربي وإن لم تُقدِّر النُظُم السياسية الحاكمة حجم هذه الصراعات فقد تقود الى التناحر والصراع والإقتتال الداخلي الّذي يُنذر بعواقب وخيمة.
ب. الصراع على المصالح والموارد والسلطات لا يرتبط بالصراع العربي الإ*سر*ائي*لي أو بالصراع الإيراني الأمريكي الإ*سر*ائي*لي فهناك قوى أخرى تعمد للحفاظ على مصالحها الإستراتيجية في المنطقة وهناك تنافس واضح بينهم وقد يدفع الى أزمات وصراعات دولية جديدة في المنطقة حتى باتت الموارد كاهلاً ثقيلاً على شعوب المنطقة دون أن تحقق لها حياة آمنة ومُستقرّة.
ت. التنافس بين الدول الإقليمية وسباق جاري بينهم لفرض واقع معين يخدم أجنداتهم ومصالحهم في المنطقة من خلال إقامة تكتلات أو زعامات إقليمية وممرات مائية وخطوط طاقة بديلة ومواصلات حديثة واسعة لمعاجلة الإختناقات التي تفرضها ظروف النزاعات إن تجددت مستقبلاً فهناك زعامات مختلفة قد تكون بقيادة سعودية أو تركية أو إيرانية .
ث. محاولة أطرف إقليمية معينة تصدير برامجها وعقائدها الى الآخرين وكانت حتى وقت قريب أحد أهم أسباب النزاعات في الشرق الأوسط.
2. المعطيات التي أفرزتها الحرب الأمريكية الإ*سر*ائي*لية ضد إيران والتي إندلعت في شباط من العام الحالي ولم تُحدث تغيير في موازين القوى في المنطقة ولم يستطع طرفي النزاع من فرض إرداتهما على الآخر وبالتالي عندما لم تتحقق أهداف الحرب فقد تدفع الظروف اليوم أوغداً لتجديد المطالبة فيها وإعادة صفحات القتال من جديد فقد أحدثت خسائر الحرب بين الطرفين الى تغيير قواعد اللعبة في المستقبل لأن الأزمات لم تنته بعد وبالتالي إعادة سيناريو الأحداث من خلال الآتي:
أ. ظهور محاور دولية جديدة ونهاية التحالفات السابقة بظهور فاعلين جدد حكوميين وغير حكوميين كجماعات مسلحة أو تيارات فكرية وعقائدية جديدة مدفعوة بمصالح قوى عظمى مما يدفع بالأوضاع الى التدهور من جديد.
ب. أنعكاسات ظروف الحرب على إقتصاديات العالم وما أحدثته من تدهور وإنكسار إقتصادي ومالي كبير وما لحق بالبُنى التحتية للطاقة من أضرار جسيمة قد يقود الى إضرار إقتصادية بإمتياز كالتضخم ونقص الموارد والهجرات الجماعية ونقص العقول العلمية والتقنية الرائدة بسبب الهجرة والبحث عن أماكن أكثر أماناً وإستقراراً ورفاهيةً.
3. أزمات ما وراء التسليح في الشرق الأوسط فهناك مشاكل لا تحلها المعاهدات والتفاهمات العسكرية بل تحلها النُظُم السياسية الرشيدة فهناك مشاكل متنوعة منها:
أ. أزمة النُظُم السياسية وشرعية وجودها وإستمرار سلطاتها وتعثر مشاركاتها السياسية تخلق نوع من الكره والإحتقان الاجتماعي وعدم تقبل النظام السياسي القائم بسبب عدم المشاركة في صنع قرارات السياسة العامة للدولة والأقصاء والتهميش الّذي يلحق ببعض الطوائف والأقليات وسط غياب أي أفق للإصلاح السياسي.
ب. إنعدام أسس التوزيع العادل للموارد والخدمات والوظائف ووجود ملايين العاطلين عن العمل وتعثير أسس التنمية.
ت. الأضرار التي تُلحق بالطبيعة ومكنوناتها وعدم إستغلال الموارد وفق خطط التنمية المُستدامة وضياع العقول والخبرات بإسناد الوظائف العامة وفق المعايير الحزبية والمناطقية دون الاهتمام بوضع الرجل المناسب في مكانه الّذي يستحقه.
ث. التغييرات المناخية وسوء الأحوال الجوية ونقص المياه والخدمات وتدهور الأمن الغذائي وإرتفاع الأسعار وتدني الرواتب جميعها تُعد قنابل موقوته لا ندري متى تنفجر وتهدد المنطقة وشعوبها بكوارث أشد إيلاماً من الحروب التقليدية.
4. إنّ نهاية الحروب الكبرى في المنطقة تُنذِر بتوقعات إقتصادية وسياسية وإجتماعية خطيرة حيث تعقبها فترة من السلام والإستقرار فيتحول الصراع من مواجهة عسكرية الى حرب أستنزاف إقتصادية وثقافية ودينية لها آثارها الضارة لأي مجتمع كان.
5. السلام لا يعني نهاية الحرب فحسب بل لا بد من عقود إجتماعية عادلة وتوازن قوى دولية يحقق الردع المتبادَل وتكامل إقتصادي يجعل كلفة الحرب أعلى من كلفة السلام ثم خلق بيئة دولية قانونية وأخلاقية تحمي الحقوق في ظل السلام وفرض قانون دولي مُستدام يكون هو المرجعية للعالم أجمع وإنهاء مبدأ القوة القاهرة التي تدفع للتهرب من المسؤوليات الإنسانية .
وختاماً فإن نهاية الحرب الأمريكية الإ*سر*ائي*لية مع إيران أو مع غيرها قد تضع نهاية لفصل دموي وتدميري كبير ولكن في الوقت نفسه لا بد من إستقرار مُستدام وتنمية إقتصادية وعدالة أجتماعية وحلولاً نهاية للقضية ا*لفلس*طينية وفق قواعد القانون الدولي بعيداً عن منطق القوة ولَيْ أذرع الباحثين عن الإستقلال الوطني والباحثين عن الحقوق المشروعة فعالمنا اليوم يحتاج الى وجدان حي وضمير إنساني وهندسة سلام حقاني يعترف بحقوق الضعفاء ويضع حقوق الإنسان وحرياته وخدماته فوق جميع المصالح الجيوسياسية الضيقة فعندما تضعف المؤسسات الدولية من إرساء أسس العدالة الاجتماعية تكون الأخلاق الإنسانية والإلتزامات الثنائية والجمعية هي الملاذ الأخير فالسلام العالمي لا يتحقق بالدعاية والإعلان ولا بالخطابات في المحافل الدولية بل عبر شبكة دولية رصينة تجعل من اللجوء الى إستخدام القوة والظلم الملحق بها شائنة ومُشينة للمجتمع الدولي عامة
الدكتور شاكر عبدالقهار الكبيسي
12- نيسان – 2026م

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى