مسارات الدستور لحل مجلس النواب – إياس الساموك
بين الحين والآخر تظهر دعوات في الرأي العام للمطالبة بحل مجلس النواب، ويُعزى ذلك إلى عدم إكمال التزاماته الدستورية المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية خلال المدد المنصوص عليها في الدستور.
ولابد من القول أولاً إن الدولة القانونية هي التي يخضع فيها الحكام والمحكومون للقانون، ولذلك فإن ما يصدر عن سلطاتها يجب أن يكون مستنداً إلى القانون.
وعليه، فإن اتخاذ قرار بحل مجلس النواب يجب أن يكون له سند دستوري، إذ عند التمعن في نصوص الدستور لا نجد أنه عالج هذه الحالة إلا في المادة (64) منه.
إن الذهاب إلى آلية جديدة للحل يعني، من وجهة نظرنا، الوقوع في مخالفة نصوص الدستور، الذي يُعد القانون الأعلى والأسمى في البلاد بحسب المادة (13) منه.
وبتحليل المادة (64/ أولاً) من الدستور نجد أنها تقوم على عدة مراحل، وتنطوي على قدر من الغموض بشأن كيفية إعمالها؛ إذ نصت على الآتي:
“يحل مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة لعدد اعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث اعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولا يجوز حل المجلس في اثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء”.
ويمكن قراءة هذا النص بطريقتين:
القراءة الأولى: أن حل مجلس النواب يتم بناءً على طلب يُقدَّم إما من ثلث عدد أعضائه، أو من رئيس مجلس الوزراء مقترناً بموافقة رئيس الجمهورية، ثم يُحال الطلب إلى مجلس النواب للنظر فيه، ويتخذ المجلس قراره بشأنه بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، أي أكثر من نصف العدد الكلي للأعضاء.
القراءة الثانية: أن حل مجلس النواب يتم بطريقتين مستقلتين؛ الأولى بناءً على طلب ثلث عدد أعضائه، ومن ثم يُتخذ القرار بشأنه بالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، والثانية بناءً على طلب رئيس مجلس الوزراء وموافقة رئيس الجمهورية، من دون الحاجة إلى عرضه على مجلس النواب، على أن يكون القيد الوحيد هو عدم اتخاذ قرار الحل أثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء.
وتستند القراءة الأولى بحسب ما يراه البعض إلى فلسفة كاتب الدستور ورغبته في تقوية السلطة التشريعية على السلطة التنفيذية، خشية سيطرة الأخيرة على مسار الدولة لأسباب تاريخية.
أما القراءة الثانية فتستند إلى تفسيرات لغوية للنص، فضلاً عن فلسفة النظام البرلماني الذي يقوم على تحقيق نوع من التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ إذ تمتلك الأولى وسائل الرقابة على الحكومة، في حين تمتلك الثانية وسيلة حل المجلس النيابي والعودة إلى صاحب السلطة الحقيقي، وهو الشعب، إذا ما تعسف هذا المجلس في استعمال اختصاصاته.
ويبرز غموض آخر يتعلق بدور رئيس الجمهورية، سواء كان الطلب المقدم بحاجة إلى موافقة مجلس النواب لصدور قرار الحل من عدمه، إذ يثور التساؤل حول ما إذا كانت موافقة رئيس الجمهورية على طلب الحل أو إصدار قرار الحل تعني امتلاكه حق رفضه.
فقد يُقال إن عبارة (بموافقة رئيس الجمهورية) تفيد إمكان عدمها، وهو ما يعكسه ظاهر النص، على اعتبار أن القرار أو الطلب يجب أن يصدر من خلال جناحي السلطة التنفيذية. إلا أنه يمكن القول أيضاً إن النظر في النصوص الدستورية الأخرى التي تمنحه صلاحيات يُظهر أنها لم تمنحه حق الاعتراض صراحةً. ويُستدل على ذلك بمسألة تكليفه مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء، وكذلك في موضوع المصادقة على القوانين وإصدارها، ولا سيما أن الدستور لم يخوّله صراحةً حق عدم الموافقة، ولم يبيّن الأثر المترتب على ذلك.
وبغض النظر عما إذا كان دور رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية يقتصر على تقديم طلب حل مجلس النواب أو يمتد إلى اتخاذ قرار الحل، فإن ذلك يصطدم بأمرين:
الأول: إن مجلس الوزراء الحالي قد تحوّل إلى (تصريف الأمور اليومية) منذ إجراء الانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، بحسب تفسيرات المحكمة الاتحادية العليا، وهذا يعني أنه لا يملك صلاحية اتخاذ قرارات جوهرية أو مهمة من هذا القبيل، لما لها من تأثير في عمل السلطات.
الثاني: أن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء قد جرى اختيارهما بالانتخاب ومنح الثقة من مجلس النواب في دورته السابقة، وليس من المنطقي أن يطلبا أو يتخذا قراراً بحل مجلس النواب الحالي الذي لم يتولَّ اختيارهما على النحو المتقدم.
وعليه، يبقى الخيار الوحيد في هذه المرحلة لحل مجلس النواب هو أن يتقدم عدد من أعضائه لا يقل عن الثلث بطلب إلى المجلس لحل نفسه، على أن يُتخذ القرار بالأغلبية المطلقة لعدد الأعضاء، وهو ما يُعرف بالحل الذاتي.
باحث دكتوراه في القانون الدستوري
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.