آراء متنوعة

قزوين تحت الأرض.. هل تدخل إيران وكوريا الشمالية مرحلة

أبو بكر ابن الأعظمية

في الشرق الأوسط لا تُصنع الحروب فقط بالصواريخ والطائرات، بل تُصنع أحيانًا داخل الكهوف والأنفاق البعيدة عن أعين الأقمار الصناعية. وما يتردد اليوم من معلومات وتسريبات عن نشاط نووي إيراني متسارع داخل كهوف محافظة قزوين، وبإشراف أو استشارة تقنية من كوريا الشمالية، لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد شائعة عابرة، بل كإشارة خطيرة إلى أن المنطقة ربما تقف أمام أخطر تحول استراتيجي منذ سنوات طويلة.

إيران التي عاشت سنوات من العقوبات والحصار والاغتيالات التي طالت علماءها النوويين، تبدو اليوم أكثر اقتناعًا بأن “السلاح النووي” لم يعد مشروع رفاهية سياسية أو ورقة تفاوض، بل أصبح بالنسبة لها “ضمانة بقاء”. ومن هنا يمكن فهم السرعة غير المسبوقة في إعادة تنشيط منشآتها السرية، والبحث عن أماكن حصينة يصعب استهدافها، مثل الكهوف الجبلية في قزوين والممرات العميقة التي تشبه إلى حد كبير النموذج الكوري الشمالي.

طهران تدرك جيدًا أن منشآت مثل نطنز وفوردو أصبحت مكشوفة استخباراتيًا، وأن أي حرب جديدة قد تبدأ بضربات أمريكية أو إ*سرائ*يل*ية تستهدف البنية النووية التقليدية. لذلك فإن نقل النشاط إلى كهوف جبلية عميقة يحمل رسالة واضحة: “حتى لو اندلعت الحرب، فإن المشروع سيبقى حيًا”.

أما كوريا الشمالية، فهي ليست مجرد حليف سياسي لإيران، بل دولة نجحت رغم الحصار والجوع والعزلة في فرض نفسها قوة نووية حقيقية. وهذا ما يجعل بيونغ يانغ النموذج الأكثر إغراءً لصناع القرار الإيراني. فالكوريون الشماليون بنوا برنامجهم في الجبال والأنفاق، واعتمدوا على السرية المطلقة، والخداع الاستراتيجي، والعمل تحت الأرض، حتى فاجؤوا العالم بتجارب نووية وصاروخية قلبت المعادلات الدولية.

اليوم يبدو أن الإيرانيين يحاولون استنساخ هذه التجربة حرفيًا، لكن بنكهة شرق أوسطية أكثر خطورة. فالمشكلة هنا لا تتعلق فقط بإنتاج قنبلة نووية، بل بعقلية “عليه وعلى أعدائي وجيراني”، وهي العقلية التي تجعل أي سلاح استراتيجي في المنطقة مصدر قلق عالمي، وليس إقليميًا فقط.
الخطر الحقيقي لا يكمن في امتلاك إيران للسلاح النووي فقط، بل في البيئة السياسية والعسكرية المحيطة بها. المنطقة تعيش أصلًا على حافة الانفجار؛ العراق منهك، وسوريا مفتوحة على كل الاحتمالات، واليمن يغلي، ولبنان مختنق، والخليج يعيش حالة استنفار دائمة. وفي وسط هذا المشهد، فإن ظهور مشروع نووي عسكري إيراني ـ كوري شمالي مشترك قد يدفع المنطقة إلى سباق تسلح غير مسبوق.

السعودية لن تقف متفرجة، وتركيا ستعيد حساباتها، وإس*رائي*ل ستعتبر الأمر تهديدًا وجوديًا، وربما تبدأ مرحلة جديدة من الحروب السرية والاغتيالات والضربات الجوية. بل إن مجرد شعور دول المنطقة بأن طهران اقتربت من “الزر النووي” قد يشعل الشرق الأوسط بأكمله قبل إعلان أي تجربة رسمية.

إس*رائي*ل تحديدًا ترى أن أخطر ما في المشروع الإيراني ليس القنبلة بحد ذاتها، بل العقلية العقائدية التي تدير المشروع. ولهذا قد لا تنتظر تل أبيب كثيرًا إذا شعرت أن الوقت ينفد. فالعقيدة الأمنية الإ*سر*ائي*لية قامت دائمًا على منع أي قوة إقليمية من امتلاك سلاح نووي قادر على تهديدها، كما حدث سابقًا مع العراق وسوريا.
لكن المفارقة الكبرى أن الضغوط الغربية والعقوبات الطويلة ربما ساهمت في دفع إيران أكثر نحو الخيار النووي بدل إيقافه. فكلما شعرت طهران بأنها محاصرة ومهددة، ازداد اقتناعها بأن القنبلة وحدها هي الضمان الحقيقي لبقاء النظام، تمامًا كما حدث مع كوريا الشمالية.
وفي حال صحت المعلومات عن وجود تعاون تقني عميق بين بيونغ يانغ وطهران داخل كهوف قزوين، فإن العالم قد يكون أمام نسخة جديدة من “التحالف النووي المعزول”، حيث تتبادل الدولتان الخبرات والتكنولوجيا والالتفاف على العقوبات، بعيدًا عن الرقابة الدولية.

المشهد اليوم لا يشبه ما كان قبل سنوات. نحن أمام إيران مختلفة، أكثر جرأة، وأكثر اقتناعًا بأن مرحلة الصبر الاستراتيجي انتهت. وأمام عالم منشغل بأوكرانيا والصين والأزمات الاقتصادية، قد تجد طهران اللحظة مناسبة للتحرك بسرعة نحو ما تعتبره “السلاح الحاسم”.

وإذا كان العالم قد فوجئ يومًا بتجارب كوريا الشمالية النووية، فإن المفاجأة القادمة ربما تكون من جبال قزوين، حيث تُبنى مشاريع لا تُرى، وتُدار معارك المستقبل داخل الصخور، بعيدًا عن عدسات الإعلام، لكن قريبًا جدًا من مستقبل المنطقة كلها.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى