آراء متنوعة

“عام الانكماش الروسي” من أوكرانيا إلى أفريقيا… روسيا

اللواء الركن ضرغام زهير الخفاجي
كاتب وباحث في قضايا الأمن الإقليمي
خبير في شؤون الدفاع والتدريب والعلاقات الدولية

١.المقدمة

تواجه روسيا اليوم انتكاسة جديدة في مسار نفوذها الخارجي بعد التراجع الذي مُنيت به قواتها وشبكاتها العسكرية في أفريقيا مع انسحاب الفيلق الروسي وعناصر فاغنر أمام تقدم مقاتلي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وحركة تحرير أزواد في مالي في مشهد يعكس حجم التراجع الذي بات يطاول أدوات النفوذ الروسي في مناطق كانت موسكو تعدّها ساحات توسع استراتيجية.

ففي غضون سنوات قليلة انتقلت روسيا من موقع القوة الصاعدة التي سعت إلى إعادة تشكيل التوازنات الدولية في آسيا وأفريقيا إلى دولة تواجه تآكلًا متسارعًا في نفوذها الخارجي على أكثر من جبهة. فمن أوكرانيا التي تحولت إلى حرب استنزاف مرهقة إلى سوريا التي فقدت فيها موسكو أحد أهم مرتكزات حضورها في الشرق الأوسط مرورًا بـ إيران التي شكّل انهيارها ضربة قاسية لمحور النفوذ الروسي وصولًا إلى ليبيا ومالي حيث بدأت أدوات الحضور الروسي بالتراجع والانكشاف تبدو موسكو اليوم أمام واقع استراتيجي مختلف تمامًا عمّا سعت إلى ترسيخه خلال العقد الماضي.

فبعد سنوات من التمدد العسكري والسياسي نجح خلالها الكرملين في بناء حضور واسع داخل مناطق النزاع والفراغات الجيوسياسية جاءت تطورات عام 2026 لتكشف أن هذا النفوذ كان أكثر هشاشة مما بدا عليه. فالضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية المتراكمة دفعت روسيا تدريجيًا من مرحلة التوسع الخارجي إلى مرحلة الدفاع عن ما تبقى من مواقع نفوذها.

إن ما تشهده موسكو اليوم لا يمكن النظر إليه على أنه مجرد سلسلة انتكاسات متفرقة بل يمثل بداية انكماش استراتيجي واسع قد يعيد رسم موقع روسيا في النظام الدولي ويفرض تساؤلات جوهرية حول قدرتها على الاحتفاظ بدورها كقوة مؤثرة في معادلات الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا الشرقية خلال السنوات المقبلة.

٢.أوكرانيا: الحرب التي استنزفت القوة الروسية

مثّلت الحرب في أوكرانيا نقطة التحول الأخطر في مسار النفوذ الروسي. فما خُطط له ليكون عملية تعزز الهيمنة الروسية في الفضاء السوفيتي السابق تحول إلى حرب استنزاف مفتوحة أنهكت القدرات العسكرية والاقتصادية والسياسية للدولة الروسية.
لقد فرضت العقوبات الغربية الواسعة إلى جانب الخسائر البشرية الكبيرة وكلفة الحرب الممتدة ضغوطًا هائلة على موسكو وقلّصت قدرتها على تمويل عملياتها الخارجية أو الحفاظ على مستوى النفوذ نفسه في ساحات أخرى.
وهكذا تحولت أوكرانيا التي كانت تُعد ساحة توسع روسية إلى المركز الذي استنزف القوة الروسية وأضعف قدرتها على الحفاظ على نفوذها الخارجي.

٣.سوريا: سقوط الحليف الاستراتيجي وانكشاف النفوذ الروسي

مثّلت سوريا طوال عقد كامل أهم نقطة ارتكاز للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط وبوابة موسكو إلى المياه الدافئة إذ مكّن التدخل الروسي عام 2015 نظام بشار الأسد من البقاء ووفّر لروسيا قواعد استراتيجية على البحر المتوسط ونفوذًا سياسيًا واسعًا.
لكن مع سقوط نظام بشار الأسد خسرت موسكو أهم حليف لها في المنطقة وتعرضت بنيتها الاستراتيجية في سوريا لهزة كبيرة. فقد فقدت روسيا القدرة على التأثير في القرار السوري كما في السابق وأصبحت قواعدها العسكرية ومصالحها السياسية موضع تفاوض وضغط في ظل المتغيرات الجديدة.
إن خسارة دمشق لم تكن مجرد انتكاسة سياسية بل شكّلت ضربة استراتيجية مباشرة للنفوذ الروسي في المشرق العربي.

4. إيران: تراجع الشريك الإقليمي وتفكك محور النفوذ والمقاومة

اعتمدت موسكو لسنوات على شراكة استراتيجية مع إيران لبناء محور إقليمي مضاد للنفوذ الغربي ولا سيما عبر التنسيق في سوريا ودعم شبكات النفوذ الإقليمية الممتدة إلى لبنان والعراق واليمن.
لكن الحرب مع الولايات المتحدة وإس*رائي*ل عام 2026 وما رافقها من ضربات جوية واسعة ومدمرة أدت إلى تدهور كبير في البنية العسكرية الإيرانية وكشفت حدود هذا المحور وقدرته الفعلية على الصمود في مواجهة الضغوط العسكرية المباشرة.
فقد فشلت الأسلحة الروسية ولا سيما منظومات الدفاع الجوي في فرض معادلة ردع فعالة كما عجزت موسكو عن تقديم دعم عسكري حقيقي لحليفها الإيراني رغم الاتفاقات العسكرية والتنسيق المشترك بين الطرفين.
ومع تراجع قدرة إيران على دعم أذرعها الإقليمية خسرت روسيا شريكًا كان يمثل ركيزة أساسية في توازناتها الشرق أوسطية لتجد نفسها أمام تراجع واضح في أحد أهم أعمدة نفوذها السياسي والعسكري في المنطقة.

٥.ليبيا: حضور روسي هش تحت ضغط المتغيرات

في ليبيا بنت روسيا نفوذها عبر دعم أطراف محلية ونشر عناصر فاغنر في مواقع استراتيجية مستفيدةً من حالة الانقسام الداخلي الليبي.
لكن هذا الحضور ظل قائمًا على توازنات ظرفية هشة أكثر من كونه شراكة مستقرة ومع تراجع قدرة موسكو على الإسناد وضعف شبكاتها الميدانية بدأ النفوذ الروسي يتراجع تدريجيًا وأصبح أكثر عرضة للمنافسة الإقليمية والدولية.
وهكذا تحولت ليبيا من نقطة تمدد روسي إلى ساحة نفوذ متنازع عليها يتراجع فيها الدور الروسي بوضوح.

٦.مالي: طرد فاغنر وكشف حدود النفوذ الروسي

في مالي راهنت موسكو على مجموعة فاغنر كأداة لبناء نفوذ سريع بعد تراجع الحضور الفرنسي في الساحل الأفريقي وبدا في البداية أن روسيا نجحت في تثبيت حضورها عبر الدعم العسكري المباشر للنظام العسكري هناك.
غير أن تطورات عام 2026 وما شهدته من تراجع نفوذ فاغنر وانسحابها من مناطق عدة كشفت هشاشة هذا النموذج. فالنفوذ الذي بُني على القوة المسلحة والصفقات الأمنية انهار أمام تعقيدات الواقع الميداني والسياسي.
وكانت مالي المثال الأوضح على أن النفوذ الذي لا يستند إلى مؤسسات وشراكات حقيقية يبقى نفوذًا مؤقتًا وقابلًا للتراجع السريع.

٧.أفريقيا: تراجع النفوذ الروسي بعد مرحلة التمدد السريع

خلال السنوات الماضية توسع النفوذ الروسي في أفريقيا بسرعة في دول مثل مالي أفريقيا الوسطى، ليبيا، السودان، وبوركينا فاسو، مستفيدًا من تراجع الحضور الغربي.
لكن هذا التوسع اعتمد على أدوات أمنية واقتصادية محدودة وعلى شبكات نفوذ مرتبطة بأنظمة محلية أو بشركات عسكرية خاصة دون أن يرتكز على شراكات استراتيجية طويلة الأمد.
ومع تعرض موسكو للاستنزاف في أوكرانيا وخسارتها حلفاء رئيسيين في الشرق الأوسط بدأت هذه الشبكة في التراجع لتتحول أفريقيا من ساحة صعود روسي إلى ساحة انكشاف لتراجع هذا النفوذ.

٨.خاتمة

ما تشهده روسيا اليوم لا يمثل مجرد انتكاسات متفرقة بل يعكس تحولًا استراتيجيًا واسعًا ينقلها من مرحلة التوسع الخارجي إلى مرحلة الانكماش والدفاع عن ما تبقى من نفوذها.

فالحرب في أوكرانيا استنزفت القوة الروسية وسقوط النظام السوري أفقد موسكو قاعدة نفوذ رئيسية والحرب على إيران أضعف شريكها الإقليمي بينما كشف تراجع فاغنر في مالي وليبيا هشاشة أدواتها الخارجية.

لقد حاولت روسيا خلال العقد الماضي بناء شبكة نفوذ تمتد من شرق أوروبا إلى الشرق الأوسط وأفريقيا لكن تطورات عام 2026 أظهرت أن هذا التمدد كان أكبر من قدرة موسكو على حمايته أو الاستمرار في دعمه.

والسؤال الاستراتيجي المطروح اليوم ؟؟ إلى أي مدى تستطيع روسيا الحفاظ على ما تبقى من مواقع نفوذها قبل أن يتحول هذا التراجع المتسارع إلى انحسار استراتيجي طويل الأمد يعيد رسم مكانتها في موازين القوى الدولية؟

وهل ستكون روسيا الهدف العسكري التالي للولايات المتحدة بعد أن أصبحت تحت مطرقة سياسات الاحتواء والاستنزاف الغربية عبر الضغط الاقتصادي وتقليص دوائر النفوذ وإضعاف قدرتها على استعادة دورها الدولي.!!

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى