مقالات

المواطن العراقي بين مطرقة الضرائب والغرامات وسندان الغلاء

يشهد الواقع المعيشي في العراق ضغوطاً متزايدة تثقل كاهل المواطن، نتيجة تصاعد الضرائب والغرامات وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، في وقت ما تزال فيه مستويات الدخل عاجزة عن مواكبة الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة. وقد انعكس ذلك بصورة واضحة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ليجد المواطن نفسه في مواجهة تحديات يومية مع أعباء مالية متراكمة وسط ظروف اقتصادية معقدة.
ومن المفترض أن تقوم السياسة الضريبية على أساس العدالة الاجتماعية، من خلال فرض الضرائب بصورة تتناسب مع مستوى الدخل والقدرة المالية، بحيث تتحمل الشركات الكبرى وأصحاب الثروات النسبة الأعلى، لا أن تتحول الضرائب والرسوم إلى عبء يرهق أصحاب الدخول المحدودة والفئات الفقيرة.
فالعراق، رغم كونه خامس أكبر منتج ومصدر للنفط عالمياً، ما يزال يعاني من ارتفاع معدلات الفقر التي بلغت نحو (17.5%)، أي ما يقارب (8.5) ملايين مواطن. ويعود ذلك إلى تراكمات الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية والاعتماد شبه الكامل على العائدات النفطية التي تشكل أكثر من (90%) من موارد الموازنة العامة.
كما بلغت قيمة الاستيرادات العراقية لعام 2025 نحو (87) مليار دولار، وهي مؤشر واضح على تراجع القطاعين الصناعي والزراعي وتحول الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد استهلاكي يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، الأمر الذي جعل الأسواق المحلية أكثر تأثراً بالضرائب الجمركية وتقلبات الأسعار العالمية.
وبات المواطن العراقي محاصراً بسلسلة من الالتزامات المالية اليومية التي تستنزف دخله المحدود، بدءاً من الضرائب والرسوم الجمركية التي تنعكس مباشرة على أسعار السلع والبضائع، إذ يقوم التجار بإضافة تلك التكاليف إلى الأسعار النهائية التي يتحملها المستهلك، مروراً بارتفاع أسعار الوقود وما يرافقه من زيادة في أجور النقل وأسعار المواد الغذائية، وصولاً إلى ارتفاع أجور الكهرباء والمولدات الأهلية والمياه، وهي خدمات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها.
وتبرز كذلك مشكلة الغرامات المرورية المرتفعة التي فُعّلت عبر أنظمة الكاميرات الذكية، إذ تجاوزت بعض الغرامات حاجز (30) مليون دينار على بعض المواطنين ممن يكافحون من اجل توفير لقمة العيش، فيما بلغت إيرادات تلك الغرامات خلال عام 2025 نحو (161) مليار دينار. كما أضيفت إلى ذلك رسوم وغرامات أخرى، مثل “الهزة” البالغة (30) ألف دينار، ورسوم طلبة المدارس والكليات، وإيجارات السكن، ورسوم زيارة المرضى الراقدين في المستشفيات البالغة (5) آلاف دينار، فضلاً عن الارتفاع المستمر في أسعار الأدوية والمواد الغذائية والخدمات المختلفة.
وقد أوجدت هذه الضغوط واقعاً اجتماعياً ومعيشياً بالغ الصعوبة، إذ يضطر المواطن إلى تقسيم راتبه المحدود بين الإيجار والطعام والعلاج وأجور النقل والخدمات الأساسية، في ظل انخفاض القدرة الشرائية وارتفاع معدلات البطالة التي بلغت نسبتها خلال عام 2025 نحو (13%) بحسب إحصاءات وزارة التخطيط، و(15.5%) وفق بيانات البنك الدولي، وضعف فرص العمل. اما من لم تخصص لهم رواتب من الدولة فمعاناتهم قاسية جدا. وأمام هذا الواقع، تلجأ العديد من العائلات إلى الاستدانة أو التخلي عن بعض احتياجاتها الأساسية لتتمكن من مواجهة متطلبات الحياة اليومية.
وتبقى الشرائح الأكثر تضرراً من هذه الظروف هي فئات أصحاب الدخل المحدود والمتقاعدين والمشمولين بالرعاية الاجتماعية، لأن دخولهم ثابتة والعاطلين عن العمل، ولا تنسجم أوضاعهم المالية والمعيشية مع الارتفاع المتواصل في الأسعار. وقد دفع هذا الواقع المؤلم بعض المواطنين إلى التعبير عن معاناتهم عبر وسائل الإعلام أو من خلال احتجاجات ومواقف رمزية تعكس حجم الإحباط والضغوط التي يعيشونها.
وتكشف الأرقام حجم التحديات المعيشية التي تواجه المجتمع العراقي، إذ يوجد نحو (7.7) ملايين شخص مشمولين بالرعاية الاجتماعية برواتب تتراوح بين (125) ألفاً و(420) ألف دينار، إلى جانب ما بين (4 ــ 5) ملايين موظف حكومي بمتوسط راتب لا يتجاوز (1.2) مليون دينار شهرياً، فضلاً عن نحو (2,913,109) متقاعد حتى أيلول 2025 بحد أدنى للراتب يبلغ (500) ألف دينار. كما تشير الإحصائيات إلى وجود نحو (21.955) مليون مشتغل بأجر، بمتوسط دخل شهري لا يتجاوز (201) ألف دينار، عدا حجم العاطلين عن العمل ،وهي أرقام تعكس بوضوح حجم الفجوة بين مستوى الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة.
إن الاستمرار في زيادة الضرائب والغرامات ورفع أسعار الخدمات على فئات تعاني أصلا من الفاقة وتدني الدخل لن يشكل حلاً حقيقياً لأزمة العجز المالي في الموازنة، خصوصاً مع تراجع العائدات النفطية وتأثر الأسواق بالأزمات الإقليمية والدولية، بسب اغلاق مضيق هرمز، وتضاءل كمية الصادرات النفطية العراقية، بل سيؤدي إلى تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وزيادة الضغوط النفسية والمعيشية على المواطن العراقي.
ومن هنا، فإن الحلول الحقيقية يجب أن تبدأ بمكافحة الفساد وترشيد الإنفاق العام ومعالجة الهدر في الموازنة، واعتماد سياسات مالية واقتصادية رشيدة وعادلة، تضمن حياة كريمة للمواطن العراقي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى