اخبار الكنيسة الكلدانية

سرُّ الزواج المسيحي

سرُّ الزواج المسيحي

“فيَصيرانِ جَسَداً واحِداً” (تكوين 2/ 24)

تكليل جماعي في كاتدرائية كركوك 28 نيسان 2005

الكاردينال لويس روفائيل ساكو

في المجتمعاتِ القديمة معروفٌ ان العلاقات الجنسيّة كانت شبهَ حُرّة، والطلاقُ مباحاً لأبسط الأمور، والعزوفُ عن الزواج مذموماً.

شدَّد سِفرُ التكوين ويسوع ومار بولس على أهميّة وحدةِ الزواج: “لِذلِك يَترُكُ الرَّجُلُ أَباه وأُمَّه ويَلزَمُ امرَأَتَه فيَصيرُ الاِثْنانِ جَسَداً واحِداً” (تكوين 2/ 24، متى 19/ 5، افسس 5/ 31، و 1 قورنثية 6/ 16). يُعلِّم مار بولس أن كلَّ شيءٍ ليس مُباحاً، وأن العلاقات الزوجية تنحصر ضمن زواج رجل وأمراة! ويدعو الى احترام كرامةِ الجسد، والإمتناع عن كلِّ أشكال البغاء. هذه الممارسات لا ينبغي ان تكون بين الجماعات المسيحية (1 قورنثية فصل 6 و7).

الانسان رجلٌ وامرأة. تكوينُ الرجلِ والمرأة، وفروقُهما تكاملٌ مُدهش، يكمن في صفاتهما الجسدية والنفسية والروحية. حقيقةٌ انتروبولوجية – اجتماعية وثيولوجية- لاهوتية. عاملان فاعلان، الاختلافُ والتكافؤ، فلا بدّ من ثُنائية لتحقيق الوحدة والأمانة على الحبّ والعهد. الحب طاقة ينطلق نحو الآخر للاكتمال. الحبّ يُحيي ويُوحد. والفرح الحقيقي ينبع من القناعة، وليس من المظاهر الزائفة. الزواج مشروعُ حياة حقيقية يقوم على الحب، يَبنيه الاثنان معاً.

في كنف الزواج يجد القرينان الرضى والأمان والفرح. حذارِ من الادمان على وسائل التواصل الاجتماعي لملء الفراغ، قد يخلق الشك. يجب على الزوجين تجديد حبِهما في كلِّ مرحلة، ومشاعرهما بصدق، وتعزيز الثقة، والتغلب على الصعوبات بهدوء، من خلال التدرب على التعرف على ذاتهما واقعياً وليس مثالياً، والتعبير عن انتظارات الواحد من الآخر بصراحة، ومن دون خوف. لا ننسى الصلاة. الصلاة تغيّرُ الإنسان. من يُصلي أمام الرب، يتعرف على نفسه بشكل أكبر بعيداً عن التجميل.

هذا الشعور بالأمان يساعد على الانفتاح والحوار والتجدد والتقدم ولا يدفع الى الشك والانغلاق على الذات أو الى اختيارات خاطئة.

نجد أحياناً في عائلاتنا حالات التسلط على الشريك، وتملّكه وكأنه سلعة لإشباع الغرائز وليس شريكاً متساوياً. ينبغي الإنتباه الى هذه النزعة المدمّرة للعائلة”! المحبة / الحب تصبر على كل شيء” (1 قورنثية 13/ 4). وهنا اُشدّد على أهمية التدرّب على صقل الطبع.

الغريزة الجنسية الغريزة بين الكائنات الحيّة (البهائم)، غريزةٌ طبيعيّة آليّة مثل الغريزة الى الطعام والماء..الخ.

الجنس عند الانسان علاقةٌ حقيقةٌ واعيّةٌ. العلاقة بين الرجل والمرأة علاقةٌ من خلال الجسد، أي ارتباط من خلال الواقع البيولوجي، علاقة اختياريّة. يقول الاب نادر ميشيل اليسوعي: “في كل علاقة إنسانية توجد اللذة. نختبرها حين ننعم بالحبّ والأمان والتقدير. وعندما نكتشف جمالَ الآخر، ونُعجَب به ونقدّره ونبادله الإستلطاف والإنجذاب على المستويين المعنوي والجسدي، تبنى الثقة والارتياح بيننا. وبصفتنا بشراً، رجالاً ونساءً، تقوم ديناميّة واقعنا المُجنَّس على الانجذاب المتبادل.. وتقود مشاعر الحب الى الرغبة في عطاء الذات كاملاً للآخر في العلاقة الجنسية. يستقبل أحدُهما الآخر ليهبه ما يصبو اليه… الجنس حقيقة حياتنا، والواقع المُجَنَّس في حياتنا يفتح أمامنا سؤال عن المعنى والحب والحياة والفرح. والرغبة في الأمان والتقدير الحقيقي اللذين يجدان تعبيرهما الرائع في العلاقة بين الزوج والزوجة. الجنس حقيقة حياتنا. لكن هناك نعمة من الله يسمعها بعض الأشخاص ويُعلنون من خلالها تَبتّلهم الاختياري من أجل الملكوت.. ويعيشون الاخوّة بعمق”1.

العزوبية تمثل طريقة جديدة من الحياة في تكريس الذات لله. انها شهادة ترمز بشكل استباقي الى الوضع الاسكاتولوجي. 

الزواج سرّ مقدس، الزواج سرٌّ Sacrament مقدّس يرسم مسيرة الشركة والتاريخ، فيه يصير الانسان امتداداً لسرّ الله، سرّ الحبّ. يقول الأب شربنتيه: “الانسان صِلاةُ حبٍّ. لا يمكن ان تكون صورة اللهُ المُحِبة فرداً متوحدّا، بل هما زوجان، رجل وامرأة، يُحبُّ الواحد الآخر، ويثمر حبُّهما حياةً. علينا ان ننتظر الوحي الذي اتى به المسيح، لنكتشف كلَّ ما توحيه هذه الصورة من سرّ الله. ولكنّ الزوجين هما سرُّ ذلك الاله الثالوث”2.

الرجل والمرأة هما الصورة المنظورة لعرس المسيح والكنيسة السرّي: ܫܘܬܦܘܬܐ الشركة communion . التشبيه بين المسيح والكنيسة بالرأس: “الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيضاً رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ” (أفسس 5/ 23)، لان الرأس هو الذي يحتضن ويُحبّ ويبذل ذاتَه ويوحّد. الواحد يعيش في سبيل الآخر كما المسيح من أجل الكنيسة. اشارة الى العلاقة الحميمة الوجدانية.

الزواج تصميم الهي، خَلَقَ الله ادم أولاً ثم حواء من أحد أضلاعه، أي من الجزء الأقرب الى قلبه، مما جعل آدم يقفز من الفرح ويصيح: “هذا لحمٌ من لحمي، وعظمٌ من عظامي” (تكوين 2/ 23). ينبغي ان يعتبر الزوجان ان كلَّ واحد منهما هو “هِبة من الله” له/ لها. ثمة صلاة قديمة جميلة كان يتلوها الكاهن سابقاً، ادخلناها الى الطقس الجديد: ألهِب يا رب العروسين بنار حبّك، يا ليتهما يستيقظان كل صباح من حياتهما وقد ازدادا حبّاً وفرحاً أمين“.

سمّي الزواج إكليلاً بسبب الأكاليل – التيجان التي توضع على رأس العريسين كملك وملكة، ومباركة ܒܘܪܟܐ بسبب صلوات البركة التي يتلوها الكاهن على رأس العريسين، وزيجة بسبب إقتران ذكر وانثى في رباط أسَّسه الخالق عندما قال: “اِنْموا واَكْثُروا وأمْلأُوا الأَرضَ” (تكوين 1/ 28).

في البدايات عُدّ الزواج عقداً اجتماعياً طبيعياً ثم اعتبرته المسيحيّة سراً من أسرار الكنيسة.

يعرّف عبديشوع (†1318) الزواج: “ان الزواج الذي يتم بموجب الشريعة المسيحية، والهادف الى خدمة البيت والزوجة وتربية الأولاد بتقوى الله، بدون إنفصال ولا تذمُّر، تسميه الكتب المقدسة “عمل القداسة”. “مقدس الزواج وفراشُه نقي” (عبرانييون 13/ 4). لذلك عدّه مار بولس سراً يرمز الى الامور السامية “ان هذا لسرّ لعظيم، أعني به سرّ المسيح وكنيسته”. فلا يجوز الطلاق الا بعِلَّة الزنى او بعِلَّة نفسيّة وهي ثلاثة انواع: السحر والكفر والق*ت*ل. او من أجل عِلَّة جسدية، “كل من يطلّق زوجته بغير عِلَّة الزنى يجعلها تزني، ومن تزوج مُطلَّقة فقد زنى” 3

وحدة الزواج، أكد المسيح على وحدة الزواج وكرامته. وشبِّه مار بولس طاعة الزوجة لقرينها بطاعة الكنيسة للمسيح: “أيتها النساء إخضعن لأزواجكنَّ كما يليق بالرب” (افسس 5/ 22).

عدم الانفكاك: في المسيحية لا يوجد طلاق ولا تعدد الزوجات أو الازواج. والصفة الاولى للزواج هي وحدته التي تتطابق مع تصميم الخالق: “لذلك يترك الرجل أباه واُمه ويلتصق بإمراته ويكونان جسداً واحداً” (تكوين 2/ 24، متى 19/ 5، 1 كورنثس 7/ 2).

ان فعل النعمة هو تحول الزواج الطبيعي الى سرّ مقدس يعمل على ديمومة الرباط وعدم إنفصاله لسعادة الزوجين ونمو البشرية والكنيسة. رباط ثابت لا ينفك الا بالموت بالنسبة الى الكاثوليك وبالزنى المشهود بالنسبة الى الكنائس الارثوذكسية.

اما البُطلان عند الكاثوليك فهو زواج تُعلن محكمة كنسية متخصصة رسمياً عدم صحته لوجود عيب في الصيغة مثل: فقدان الرضى، الإكراه، عدم اكتمال الجسد، موانع مبطَّلة كالقرابة الدموية، اختلاف الدين، الدرجة الكهنوتية أو النذر الرهباني.

الزواج المسيحي، يتجاوز المستوى القانوني الى العهد الروحي، الى الحبّ المتفاني الذي هو أساس الزواج. صلاة قديمة في رتبة التكليل تقول: “يشبّه الختن وهو في خِدرِه شجرةَ الحياة في الفردوس. ثمارُها تغذي وتشفي، والعروسة تشبّه كأس ذهبٍ خالص، تَفيض حليباً وتقطر عسلاً، ليت الثالوث الأقدس يجعل من خِدرِهما مسكناً له“4.

مفاعيل الزواج: سعادة الزوجين ونمو البشرية وازدهار الكنيسة من خلال الانجاب.

بالرغم من أن كنيسة المشرق (الاشورية) لا تُعِد الزواج أحد الاسرار السبعة حصراً الا ان له كافة مقوّمات السرّ. يقول مجمع مار آبا (سنة 544): “لقد أسَّس الله الزواج بتدبير عجيب لصون طبيعتنا، ودوام جنسنا، لا على مثال البهائم التي لا تمييز لها، بل وفق القاعدة اللائقة بكائنات عاقلة، وكوثاق حبّ للاتحاد البسيط والشرعي بين الرجل والمرأة”5.

الاحتفال بالزواج، كان يتم الزواج ܙܘܓܐ سابقاً على مرحلتين: الخطوبة ܡܟܘܪܝܐ والزفاف أو التكليل ܚܘܓܝܐ أو ܒܘܪܟܐ.

الخطوبة، في الطقس القديم، كانت سيدة وقورة تحمل الخاتم لتقدمه الى الفتاة المختارة، واذا قبلته يتم تبادل اليد اليمنى بين الوكيلين أو الوالدين رمزاً للعهد. وتلبسه بحضور الاهل والاقرباء والشهود. الفتاة وحدَها كانت تلبس الخاتم، رمز الارتباط والوحدة.

 الزفّة، الحفلة، تتم عند انتقال الفتاة الى بيت زوجها “الخدر-ܓܢܘܢܐ” بحضور الكاهن لبركة الملابس والتيجان والكأس والخاتم والحنانا – تراب الشهداء – وبركة الصليب، وبركة غرفة العروسين “الخِدر” وبركة الإشبين والإشبينة ثم حلّ الغرفة.

في الطقس القديم كان يوضع الصليب الــذي تلبسه العروسة في كأس خمر يبارك مع قليل من حنانا ܚܢܢܐ (تراب الشهداء) ويشرب منها العروسان، تعبيراً عن استعدادهما للتضحية بالذات الواحد من اجل الأخر والانتماء الروحي إلى كنيسة الشهداء.

 تغيّر الوضع.  حالياً يتم الاحتفالان في رتبة واحدة، وبحضور الكاهن وصلاته وبركته، وباقرار كل من العروسين علنا بقبولهما الاقتران بحريتهما التامة ورضاهما المتبادل والتعهد بحفظ الامانة مدى الحياة.

شروط الزواج الكنسي

ان يكونا مسيحيَين مؤمنين.
ان يكونا بالغيَن، عموما بعد 18 سنة لكي يُدركوا واجباتهما تجاه بعضهما البعض والالتزام بها وتربية الأطفال.
ان يكونا بعيدين عن القرابة الدموية والمعنوية والروحية. عند الكاثوليك يفسح المطران مانع القرابة من الدرجة الرابعة.
الرضى المتبادل بحرية كاملة: “من دون جبر ولا أكراه وبالرضى العلني” كما جاء في طلب الرضى اثناء الرتبة.

رموز الرتبة، عناصر الرتبة بحسب عبديشوع هي: تلبيس الخاتم تعبيراً عن الرضى، بركة الكاس الممزوج بحنانا- تراب الشهداء وبركة الصليب. عند طيمثاوس الثاني († 1332) الترتيب هو: الكاهن، الكأس الممزوجة بحنانا/ الصليب/ الخاتم.

في الطقس الكلداني، يسأل الكاهن الختن ثم العروسة: ” لقد تقدمتَ أيها المبارك (فلان) لتقترن بالآنسة (فلانة)، بموجب السُنّة المسيحية والقوانين الكنسية، فتقدم وأعلن جهاراً رغبتك التامة من دون جبر ولا اكراه في اتخاذها قرينة لك بزواجٍ شرعي ثابت، غير قابل للفَسْخ”.

الخَتَن (العريس): “نعم أريد”. وكذا بالنسبة للعروسة.

التاج أو الإكليل، يشير الى تتويج حبهما، لقد أصبحا الواحد للاخر ملكاً وملكةَ وأبناء الملكوت السماوي.

الثوب الابيض، يرمز الى الحرية والمجد والرجاء وليس فقط الى البكارة والنقاء.

جمع اليدين والخاتم إشارة الى رباط الحب والأمانة غير قابل الانفصام. بعد ان يعبّر الواحد للاخر عن قبوله بعبارة: نعم اُريد، يضع الختن يده في يد العروس، رمزاً للاقتران والتعاون المتبادَل ويقول: اقبلي مني هذا الخاتم عربون حُبي وأمانتي لكِ، طوال العمر، ويشهد عليّ الله الآب الابن والروح القدس الى الأبد”. نفس العبارة ترددها العروس.

التوقيع على العقد، أمام شهود. فعل رسمي واع ومسؤول. عادة يتم على المذبح اشارة التضحية

يقول الكاهن: الله، ربُّ الكل، الذي بارك القديسين ورفع شأنهم، هو يبارك زواجكما هذا بواسطة ابنه الحبيب يسوع المسيح ، ويسند حياتكما الزوجية بنعمته ورحمته ليسود فيها الحب والتناغم إلى الأبد.

التسليم والبركة الأخيرة: أنتما الآن واقفان في حضرة الله في هذه الكنيسة المقدسة يا (فلان وفلانة)، لقد عاهدتما الله ونحن الحاضرين بأن ترتبطا بوثاق الحب من خلال سرّ الزواج المقدس هذا، وان تُقدما ثِماراً يانعة بأعمال صالحة كل الأيام، والان أسلّمكما الواحد للآخر كزوج وزوجة باسم الأب والابن والروح القدس. ولتحلَ علينا جميعاً بركة الله القدير، بشفاعة اُمّنا مريم وجميع القديسين إلى الأبد.

تتضمن صلوات البركة: طلب نعمة الاتفاق والانجاب والصحة والخيرات الروحية والأرضية لهذه العائلة الجديدة.

____________________________________________________

1الحب مساحة امان وتقدير، دار المشرق بيروت 2025 ص 30-39).

2 دليل الى قراءة الكتاب المقدس، بيروت 1982 ص 37).

3 الجوهرة، ترجمة لويس ساكو طبعة 2 بغداد 213، ص 67-68).

4 ساكو رتبة الاكليل، 20124، بغداد ص 4.

5 القانون مجمع ايشوعياب الأول وما يتبعه.

Chabot, J.B., Synodicon Orientale ou le recueil des synodes nestoriens, Paris 1902

ملاحظة: هذا الخبر سرُّ الزواج المسيحي نشر أولاً على موقع (البطريركية الكلدانية) ولا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. يمكنك الإطلاع على تفاصيل الخبر كما ورد من (مصدر الخبر)

عرضنا لكم أعلاه تفاصيل ومعلومات عن خبر سرُّ الزواج المسيحي . نأمل أن نكون قد تمكنا من إمدادك بكل التفاصيل والمعلومات عن هذا الخبر الذي نشر في موقعنا في قسم أخبار مسيحية. ومن الجدير بالذكر بأن فريق التحرير قام بنقل الخبر وربما قام بالتعديل عليه أو الاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة تطورات هذا الخبر من المصدر.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى