آراء متنوعة

«ترامب وهندسة الهبوط الآمن عبر البوابة الهوليودية»

«ترامب وهندسة الهبوط الآمن
عبر البوابة الهوليودية»

 

الدكتور ثائر العجيلي

 

التقرير الاستراتيجي الثالث:
كواليس الصفقة الهوليودية بين النرجسي وحائك السجاد

المقدمة: صراع الإرادات ولحظة الحقيقة الجيوسياسية

عندما تصل الحروب الصفرية إلى ذروة نزيفها المكتوم، وتتحول “حافة الهاوية” إلى تهديد وجودي يهدد بابتلاع الجميع، تتنحى لغة الميدان جانباً لتفسح المجال لهندسة سياسية من نوع خاص؛ هندسة لا تبحث عن منتصر ومهزوم بالمعنى العسكري التقليدي، بل عن مخرج مسرحي ذكي يفكك الأزمة دون كسر كبرياء الخصوم [The Atlantic, مؤسسة بروكينغز]. في الغرف المغلقة لواشنطن، تحركت عجلات “الدولة العميقة” ليس لكبح جماح رئيس نرجسي يعشق تعظيم الذات فحسب، بل لصياغة مخرج جراحي يضع حداً للإنهاك المتبادل [The Atlantic].

المعضلة لم تكن في حجم الدمار، بل في كيفية صياغة معادلة تمنح “النرجسي” في البيت الأبيض صك النصر الحاسم والتاريخي أمام جمهوره والكونغرس، وفي المقابل تمنح “حائك السجاد” في طهران غطاءً عقائدياً وسياسياً يحفظ ماء وجهه وكبرياءه الراسخ بأن “الركوع لا يكون إلا لله”. ومن بين مسارات التسوية المطروحة، فرض مسار “الدولة الطبيعية ” وتحجيم النفوذ والانكفاء داخل الحدود الدولية، نفسه كخيار وحيد لبناء سلام مستدام، مانعاً سيناريو “رابح-رابح” الهش الذي قد يمنح طهران فرصة التقاط الأنفاس وإعادة بناء نفوذها بزخم أكبر تحت المظلة الروسية-الصينية.

1️⃣ الصياغة الموجهة لـ “النرجسي”: الاستعراض الهوليودي و”النصر الحاسم”

يتحرك الإخراج الأمريكي لمنح ترامب السردية التي تلائم طبيعته السياسية وتسوقه كزعيم تاريخي حقق ما عجز عنه أسلافه [The Atlantic]:

◾️شعار “تفكيك الإمبراطورية وترويض الوحش”: يخرج ترامب في مؤتمر صحفي عالمي ليعلن بلهجته الاستعراضية المعهودة أنه أجبر نظام طهران على توقيع “اتفاق واشنطن للسلم الإقليمي”، مؤكداً أنه أرغم إيران على التراجع والانكفاء “كدولة طبيعية” وتفكيك نفوذها الإقليمي بالكامل [The Atlantic, مؤسسة بروكينغز].

◾️أقصوصة “إنقاذ الاقتصاد العالمي”: ينسب ترامب الفضل لنفسه في إعادة أسعار النفط من حاجز الـ 126 دولاراً إلى مستوياتها الطبيعية، حامياً جيوب المستهلكين الأمريكيين ومؤهلاً نفسه ليكون “المنقذ” لحركة التجارة الدولية في مضيق هرمز.

◾️استعراض “القوة العسكرية الماحقة”: يتم تسويق الضربات العسكرية التي طالت منشآت التخصيب والبنية التحتية الإيرانية على أنها “تجريد كامل لمخالب النظام”، وأن الخوف من القوة الأمريكية العظمى هو ما أجبر الخصم على العودة إلى جحره كدولة طبيعية [The Atlantic].

2️⃣ الصياغة الموجهة لـ “حائك السجاد” (طهران): “التقية الاستراتيجية وحماية المركز”

في المقابل، يتم تفكيك العقدة الأيديولوجية لدستور الخميني (عقيدة تصدير الثورة) عبر غطاء فقهي وسياسي يمنع انكسار النظام داخلياً:

◾️تكتيك “التقية الكبرى وحفظ بيضة الإسلام”: يصيغ النظام سردية لجمهوره العقائدي تفيد بأن “حماية الجمهورية الإسلامية كمركز هي أوجب الواجبات وتتقدم شرعياً على نصرة الفروع والأذرع الإقليمية”، مستلهمين إرث الإمام الخميني عندما قبل بوقف الحرب مع العراق ووصفها بـ “تجرع السم” لحماية الدولة ومكتسباتها.

◾️سردية “كسر الهيمنة بالشواهد”: يتم تصوير الانسحاب الإقليمي على أنه “تسليم للمسؤولية لأبناء تلك الدول بعد أن اشتد عودهم”، مع التركيز على أن إيران هي القوة الوحيدة التي تجرأت على ضرب القواعد الأمريكية في 8 دول وشل منظومات “باتريوت”، مما أجبر واشنطن على التراجع وقبول التفاوض والتخلي عن خيار إسقاط النظام.

◾️الرفع المشروط للحصار: مقابل تجميد ما تبقى من برامجها العسكرية والانكفاء الميداني، تحصل إيران على نافذة إغاثة اقتصادية فورية (فك تجميد أصول وتسهيلات لبيع النفط) تحت مسمى “تسويات قانونية متبادلة ومساعدات إنسانية” للحفاظ التام على كبريائها.

3️⃣ كواليس هندسة الدولة العميقة:
آليات التنفيذ الصامتة

خلف الستار الهوليودي، تضع المؤسسات الأمريكية (البنتاغون والمخابرات) عبر وسيط ثالث موثوق (مثل عُمان أو سويسرا) آليات تنفيذ صارمة تضمن الالتزام بالمسار الأول [The Atlantic, مؤسسة بروكينغز]:

◾️مقايضة “الوجود مقابل النفوذ”: تمنح واشنطن تعهداً رسمياً وغير معلن بعدم غزو الأراضي الإيرانية برياً أو محاولة إسقاط النظام داخلياً، مقابل توقيع طهران على حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز والتزامات أمنية “مؤكدة” تتضمن تخليها عن سعيها للحصول على السلاح النووي وتطوير برنامجها الصاروخي وتصفير الدعم المالي والعسكري العابر للحدود.

◾️ربط الاقتصاد بالسلوك الميداني: يتم وضع آلية تدريجية وبطيئة جداً لرفع العقوبات، بحيث ترتبط كل مرحلة إنعاش اقتصادي بمدى التزام إيران بالانكفاء الميداني الفعلي، مما يجعل الاقتصاد الإيراني رهينة لسلوكها الجديد “كدولة طبيعية”.

الخلاصة الاستراتيجية الاستشرافية:
اليوم التالي وولادة الإقليم الجديد

إن هذا “الهبوط الآمن” عبر بوابته الهوليودية لا ينهي الحرب فحسب، بل يعيد رسم الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط بالكامل. إن إنكفاء إيران داخل حدودها الدولية وتجميد طموحاتها الإقليمية قسراً، سيؤدي إلى فراغ استراتيجي كبير في جغرافيا النفوذ السابقة، مما يضع الدول العربية أمام مسؤولية تاريخية لملء هذا الفراغ وتحصين أمنها القومي بشكل ذاتي ومستقل.

الاستشراف الاستراتيجي يوضح أن هذه الصفقة، وإن بدت مسرحية في إخراجها، إلا أنها تنهي وبشكل قاطع عصر “الوكلاء العابرين للحدود” وتدشن مرحلة “الدول الوطنية”؛ حيث ستجبر طهران على الالتفات لإنقاذ جبهتها الداخلية المنهكة اقتصادياً، بينما سيتعين على واشنطن إعادة صياغة تموضعها العسكري بناءً على قواعد اشتباك جديدة تضمن حماية الممرات المائية دون الحاجة للتورط في حروب استنزاف مفتوحة. لقد أثبتت “حافة الهاوية الصفرية” أن التكنولوجيا العسكرية لها حدود، وأن حسابات البقاء للأشخاص والأنظمة هي المحرك الأخير الذي يصنع السلام تحت رماد الدمار.

 

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى