تأثير الإعلام في ذاكرة وسلوك الأطفال، مَن المسؤول؟

لويس إقليمس    

 

تأثير الإعلام في ذاكرة وسلوك الأطفال، مَن المسؤول؟

بغداد، في 25 نيسان 2018

فتحت الاكتشافات الإلكترونية ووسائل الاتصال والإعلام المتعددة نوافذ وقنواتٍ لا حصر لها من مغريات إعلامية ودعائية، ما تتطلب واجبًا مضافًا للمجتمع في توجيه الأجيال، ليس في اختيار الأفضل والحكم على الصالح منها فحسب، بل في تقنين مشاهدتها والاطلاع عليها بسبب تزايد وقت التسمّر الملحوظ أمام الشاشات الصغيرة واتخاذ الأخيرة معبودًا جديدًا للكثير من الأطفال. فهذه الظاهرة غير الصحيحة، لا يمكن أن تجري بعيدًا عن دور الأهل، ولاسيما الوالدين ضمن العائلة، لما للبيت الأسري من تأثير مباشر في توجيه فكر الطفل والحفاظ على توازن عقله مع المنظور والمنشور والمسموع. فعلى عاتق الأبوين أولاً، يرتكز جهدٌ أكبر في توجيه الأطفال لقبول الأفضل، ومساعدتهم لتنمية روح الاختيار النافع والنقد الهادف للكمّ الهائل من المعلومات التي تقدمها وسائل الاتصال والإعلام بعيدًا عن أساليب التهريش والحكم غير الناضج لما يُعرض أو يُنشر أو يُقال عبر الأثير. وهذا شيءٌ أساسيٌّ في مسارات التثقيف الصحيح التي تتولاها وسائل الإعلام المختلفة، التي من صميم واجبها شأنُ التوجيه والتعليم والملاحظة بحيث لا يتحول الطفل إلى كائنٍ منعزل خلف الشاشة الصغيرة.

عمومًا، لا يمكن التعامل مع مسألة التثقيف الإعلامي كظاهرة متقدمة وباعتبارها مشكلة معزولة عن دور الأسرة والبيت وثقافة المجتمع، طالما أنّ عالمنا قد غزته هذه الوسائل، وهي دائمة التطوّر والتقدّم في تقديم الحديث المتجدّد والمبتكَر الجديد. لكن ما يمكن الجزم به، بقاءُ حرص الآباء والأمهات مهمازًا أساسيًا في مساعدة أطفالهم كي ينموا في المجتمع أفرادًا متحضرين، ناضجين، يعرفون التمييز بين الغثّ والسمين من بينِ كمّ المعلومات التي تغزو الفكر والعقل والشارع والمدرسة والمجتمع والمؤسسات، وليس أفرادًا موسومين بوصمة التوحد التي أخذت في النمو. ولعلَّ من أجمل ما يمكن أن تقدَّمه وسائل الإعلام الموجّهة المتزنة، الأخذ بأيادي الصغار منذ نعومة أظفارهم كي يستعدّوا ليكونوا أفرادًا متزنين، منتجين، مؤهلين، نافعين وقادرين على احترام قواعد الحياة الاجتماعية والقوانين السائدة التي تهيّء لخلق مجتمعات متناسقة، متوازنة، متمدنة قادرة على التفكير الجيّد الناضج الذي يؤمن بسلمية العيش المشترك الذي يقبل الآخر مهما كان وجه الاختلاف قائمًا، وليس أفرادًا منعزلين خلف شاشات عوالم الكترونية معقدة.

من ناحية مقابلة وعلى سبيل تقديم نماذج حيوية بسيطة، يمكن أن تأخذ جملة توجيهات تربوية عامة وإرشادية في أبسط مراتبها وأغراضها وتنوعها، طريقَها إلى عقل وفكر الطفل إذا ما صيغت بوسائل تشجيعية تساعد على تنمية المهارات الفكرية والذكائية والذوق العام بحيث تخلو من سمات التعقيد والنَّهر والزجر والتهديد التي تسود مجتمعاتنا الشرقية عامة. فالنصحُ المتأتي من توجيه تربوي صحيح خالٍ من التخويف والتهديد، يكون عادة أكثر قبولاً لدى مسامع الطفولة، لكونه خاليًا من تجريح فكره وتهريش عقله. من هنا، يكمن أن تبدأ الانطلاقة الصحيحة الأولى مثلاً من أمورٍ في غاية البساطة، كأن يتم توجيه الطفل بعدم رمي النفايات مثل كيس الجبس أو الحلوى التي يتناولها بعد الانتهاء منها في الشارع أو على الأرصفة أو في الساحات العامة أو في غير محلّها المطلوب. ويمكن أن يكون هناك أيضًا تنبيه إلى احترام إشارات المرور لضمان سلامة المشاة والإيعاز بعبور السابلة حين ظهور الضوء الأخضر والتوقف في اللون الأحمر. فهذه من ألف باء الثقافة الشارعية والنظافة الشخصية والسلوك المجتمعي الصحيح. كما أنها من أبجديات وبوادر النضج في التفكير المتدرّج في الأشياء المحيطة، التي يمكن أن تتكفل بها مختلف وسائل الإعلام، ومنها بطبيعة الحال وسائل التواصل الاجتماعي التي غدت أسرعَ انتشارًا من البرق. ومثل هذه التوجيهات التربوية يمكن العثور عليها في قنوات اتصال متخصصة تقدّم مثل هذه البرامج الهادفة.

حقيقة، إنّ الكثير من هذه أمثال هذه المفردات البسيطة في الحياة اليومية، تشكلُ اليوم أيضًا جزءً مهمًا من ثقافة احترام وتقبّل شيءٍ أكبر، متمثل بالقوانين المجتمعية التي تسنّها المؤسسات الدينية والمدنية، وعلى نطاق أكبر الدولة المتمدنة التي تسعى باتجاه تطوير البلد وتوفير الوسائل الخدمية الآدمية الأساسية للمجتمع. فهذه الأمور، مهما بدت بسيطة وتافهة في نظر البعض، إلاّ أنها من الوسائل التي ترتقي بفكر الطفل عندما يكبر وينضج، وتجعله يتطلّع إلى أشياء أبعد من تفكيره المحتجَب في الحفظ الببغائي لتوجيهاتِ دكاكينَ مغلقةِ الفكر وناقصة في الرؤية المدنية المتحضّرة التي لا تعير اهتمامًا كبيرًا في مجال تشذيب فكر الطفولة وتطوير رؤيته مجتمعيًا نحو الأفضل وباتجاه الرفاه والرقيّ.

من هنا، فالمجتمع الذي تربى على ألف باء هذا الاحترام للإنسان المقابل وللشارع الذي يسير فيه وللساحة التي يلعب فيها وللبيت أو المدرسة التي يمضي فيها الكثير من وقت طفولته حتى رشده، تجعل منه لاحقًا، مواطنًا نافعًا ومنتجًا يشعر وهو سائرٌ في الشارع أو يعمل في دائرته وكأنه في منزله ووسط عائلته وأهله وإخوته. فمثل هذا الشعور ينمّي وسائل الاحترام ويعزّز من فرص التطوير في ميادين أخرى أكثر أهمية وتعقيدًا، وصولاً لبناء ثقافة المجتمع وتطوير هيكل الدولة وفق أسس متحضّرة مبنية على مرتكزات علمية ذات جدوى للفرد والمجتمع والبلد. وهذا ما يوجه به فلاسفة التربية وخبراء الاجتماع بأهمية دور الوالدَين في البيت أولا، باتجاه تعزيز هذه السلوكيات الصائبة التي تكمّلها المدرسة أو أية مؤسسة تربوية تتولى متابعة تربية الأجيال وتطوير ما غرزه الأهل في نفسية وعقلية الطفل من خلال تغذيته بما يحتاجه في تعامله مع الآخرين في محيطه الصغير والكبير. وبهذه الوسائل المتطورة والمنفتحة ينمو المجتمع وفق تكامل الأدوار بين البيت والشارع والمؤسسة التربوية، دينية كانت أم مدنية.

هنا يأتي التساؤل عن كيفية مساعدة الطفل في تقبل هذه المعرفة، ممّا يمكن عدُّه أمرًا مقبولًا وقابلًا للنقاش لدى الجهات التربوية. فالطفل في بداية مشواره لتقبُّل الحياة والاختلاط والدخول في المجتمع، يحتاج لمَن يساعه في اكتشاف محيطه بالتدريج عبر توجيهه بالنظر إلى الأشياء والمشخصات وفق مبدأ الاحترام والتقبل والتعامل بما يجعلُه يزداد بشعوره بالمسؤولية تجاه مَن أو ما يلتقيه. فكلّ جديد بالنسبة له هو وسيلة إعلامية أو حدث إعلاميّ يستحق التوقف عنده والتقدير والتفكير. فهو يكتشف المعرفة في البيت والشارع والمدرسة والمعمل وفي كشك الباعة والمولات والمحلات التجارية وفي دوائر الدولة، إضافة إلى الوسائل الإعلامية المتعارف عليها المسموعة والمنظورة والمنقولة أو التي يجدها بين أيدي المحيطين به عبر أجهزة الاتصال الالكترونية التي اعتاد التعامل معها هو الآخر منذ صغره. ولا بأس في ذلك، فهو يجد نفسه مبهورًا بما في حوزته أو أمامه من تعدد هذه الوسائل. لكنّه يفتقر بكلّ تأكيد إلى مَن يرشده في اكتشاف الأصلح والأفضل منها له من أجل بناء شخصيته وترصين فكره وتحصين عقله في مواجهة هذا الفيضان من مصادر غير رصينة في معظم الأحوال، كونها لا تتلاءم مع مقدراته بعدُ. إزاء هذا الهجوم الكاسح من وسائل الإعلام متعددة المصادر والأهداف، لا يمكن للآباء البقاء في خانة الصمت وممارسة دور سلبيّ تجاه أبنائهم. فالمسألة تستحق القلق حينما تظهر بوادر العجز لدى الآباء أو المتولين أمرَ التربية الأولية في البيت الأسري أو في المجتمع، أيًا كان نوعه وشكلُه وبيئتُه.

في مسح أجراه مؤخرا مركز تثقيفي فرنسي يعنى بشؤون التربية في وسائل الإعلام والمعلوماتية (كليميCLEMI- )، أظهر شعور العديد من الآباء والأمهات بالعجز تجاه مسألة مساعدة الأبناء في كيفية اختيار وسائل الإعلام النافعة أو الأقلّ ضررًا في الأقلّ في تصفحهم أو تسمّرهم أمام عديد هذه الوسائل. وبالنتيجة، نفهم وجود عجز واضح في كيفية توجيه الأبناء الذين يتمتعون بتقنيات ذهنية متقدمة وهائلة أحيانًا تفوق ما كان لآبائهم ومعلّميهم. لكنّ الأبناء يبقون دومًا بحاجة ماسّة إلى نوعٍ من التوجيه والتهذيب في تقبّل النافع والمفيد كي يكون ذا معنى في حياتهم ويساعدَ في بناء مستقبل حياتهم، بدل الاندفاع غير الحكيم أو الشطط في اختيار الناشز وغير النافع لهم ولمجتمعاتهم. كما أنَّ موثوقية المصادر تبقى هي الفيصل في أية عملية تربوية صحيحة تسعى لخلق مجتمع صحيح الذهن، واسع الرؤية، متفتح العقل ومتقبّل في الوقت ذاته لأيّ تطوّر في مستلزمات الحياة اليومية. وهنا يأتي اتساع المصادر الإعلامية كوسيلة من وسائل التنوير الفكري وتطويره نحو الأفضل من حيث القدرة على اختيار الصائب والمفيد منها في التعلّم والتثقيف الذاتيّ، شريطة عدم الانجرار في الاختيار وراء المعقَّد الذي لا يأتي بثمر ولا يُنتج. فالمعلومات المعقدة التي تأتي عبر وسائل اتصال وإعلام غير رصينة أو موجّهة نحو أعمال الشرّ والعنف مثلاً، ستخلق مشاكل للطفل عوض ترقّب فائدته وتنمية أفكاره نحو الأفضل في العيش بفكر ناضج ومسالم ضمن المجتمع.

من هنا، تحتّمُ مسؤوليات المجتمع، مربّين وخبراء وأولياء أمور ومؤسسات تربوية ودينية باختلافها، أن يضطلع كلُّ فردٍ بواجبه في توجيه وتقويم الأطفال عبر تشجيعهم المداولة بوسائل الاتصال النافعة والابتعاد قدر الإمكان عنّ كلّ ما شأنه خلق حواجز ووسائل صدّ بين الطفل وتطوير المجتمع. ومنها أنّ الكراهية ووسائل الطعن والغدر والعنف المستشرية في هذه الأوقات في العديد من وسائل التواصل الاجتماعي والإعلامي، يمكن عدّها من بين السلوكيات التي ينبغي الابتعاد عنها وعدم الترويج لها أو السماح بتداول تأثيرها الإعلامي. وعوض هذه الآفات التي نخرت المجتمعات ومنها مجتمعاتُنا الشرقية الغارقة في بحار الفتن والقتل والغش والفساد، والتي غزتها بفعل فاعل وعبر وسائل إعلام مغرضة متعددة بسبب ثقافة العنف السائدة في هذه الأيام، لا بدّ من زرع بذور الحُب والسلام واعتماد الوسطية المقبولة عقليًا وحضاريًا في التعامل مع مفردات التعليم، ليس في المؤسسات التربوية الرسمية فحسب، بل أيضًا أن تضطلع وسائل الإعلام كافة بمسؤولياتها المجتمعية وتوجيهها لتكون في خدمة المجتمعات والأوطان وليس للمتاجرين بالبشر والدين والطائفة والعشيرة. فهذه الأخيرة، محدّدَة المكاسب، ضيّقة الآفاق، ناقصة الرؤية، فيما حبُّ الأوطان وتشذيب المجتمعات من مثل هذه الآفات، هي اللغة الصحيحة للانتشار والنشر عبر الوسائل الإعلامية المتاحة اليوم أكثر من أي وقت مضى.

أخيرًا، إنّ محبة الإنسان لأخيه الإنسان، واحترام بعضهم البعض بالرغم من الاختلافات في الدين والمذهب والطائفة والعرق واللون، وإيثار حب الوطن، والمصلحة العامة على تلك الخاصّة والضيّقة منها، وبناء الإنسان الفكري والمجتمعي، وترصين العقل بدل العربدة وفرض الرأي بوسائل غير حضارية، هي التي ينبغي أن تحكم وليس صوت الجهل والتخلّف والظلم والطغيان الذي يرتفع عبر المنابر الإعلامية وتتفاعل معه وسائل التواصل الاجتماعي في أحيان كثيرة، بحسب أغراض ومصالح كلٍّ منها. وهذا هو الدرس الكبير، في مسؤولية تأثير وسائل الإعلام على الإنسان، منذ طفولته حتى نضجه، ومنها توجيهه في اختيار الأفضل والأكثر نفعًا له ولمجتمعه ووطنه الكبير وللعالم.

شاهد أيضاً

أما آن وقت الحساب !.

رحيم الخالدي        أما آن وقت الحساب !. يمر العالم العربي في الوقت …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن