الراحل علي الوردي في ميزان (1-9): الفوضى الخلاقة.. الثورة، الانتفاضة، الفتنة

عبد الرضا حمد جاسم

 

سؤال: هل يمكن ان أقول: ان الراحل الوردي هو اول من طرح فكرة الفوضى الخلاقة؟

كان المفروض ان يكون العنوان: عمر، عثمان، علي، معاوية .. لكن الحيرة في بدايته دفعت الى العنوان الجديد: الفوضى الخلاقة .. الثورة / الانتفاضة / الفتنه.. تلك التي اعتبرها المحطة الكبرى الخامسة في مسيرة حياة / حركة / قطار الإسلام الممتدة من يوم غار حراء الى اليوم وللمستقبل البعيد .. المحطة الأولى هي انطلاق الدعوة والثانية معركة بدر والثالثة فتح مكة والرابعة موت النبي محمد / السقيفة والخامسة الثورة / الانتفاضة / الفتنة ومقتل عثمان ثالث الخلفاء المسلمين الراشدين.

ان هذه المحطة الكبرى “الثورة / الانتفاضة / الفتنة” بدايتها وزلزال مقتل عثمان ابن عفان والهزات الارتدادية التي تتوالى / نتائجها والتي كانت اكثر عنفاً وتأثيراً من قوة الهزة الاصلية من خلال استمرارها كل تلك القرون والى القادمات .. حيث قيل عنها انها الفتنة الكبرى او الفتنة الأولى او الفتنة المستمرة والتي هزت كيان الإسلام وجعلته يهتز لليوم ذلك الاهتزاز الذي أدى الى اهتزاز هيبة وقدسية الإسلام ورموز الإسلام السابقين لها واللاحقين عند اتباعه وحتى عند غيرهم .. سبقها قتل الخليفة الثاني وتلاها قتل الخليفة الرابعة تلك الحادثتين التي خمدت نيرانهما بسرعة وضاع دم الخليفتين دون ان يترك أياً منهما قميص يطالب به أصحابه .. إلا هذه التي لا يزال قميصها / قميص ضحيتها / قتيلها حتى بعد ان بَلَتْ خامته، يتردد اسمه / وصفه على الالسن دلالة على عدم “انخماده” نيرانها.

هذه الواقعة أطلق عليها الوردي وصف الثورة مرةً والانتفاضة الكبرى مرةً أخرى والفتنة الكبرى في مرة ثالثة .. دلالة على حيرته / تردده تحت تأثير الظروف “مكان وزمان” وموازين القوى او رغبته بالقول ان الموقف منها نسبي او تحت تفسير “كل ينظر لها من زاوية” مع معرفته الفرق الكبير بين المفاهيم الثلاثة والذي نعيشه اليوم فيما يعرف بالربيع العربي او الفوضى الخلاقة .. رغم ان من يعيد ويدقق في قراءة ما كتبه الوردي وكرره عنها يجده / وجدته يميل الى ثوريتها / ثورة. وللراحل الوردي رأي اثار استغرابي عن الثورة والثورية و”الثورجية” حيث كتب التالي في كتاب وعاظ السلاطين:

1.في ص 101 كتب:[يندب الواعظون على المسلمين الاولين بأنهم تطاحنوا وتنازعوا وينسبون تطاحنهم الى تحريض بعض اولي النزعات الغريبة كأبن سبأ وغيره وما دروا ان التطاحن كان امرا لا مناص منه فلو لم يحدث التطاحن لرأينا الإسلام مباءة للذئاب واللصوص والسفاكين ينهشون به من كل جانب]. ثم يكمل الوردي:[يقول النبي محمد “اختلاف امتي رحمة” وهذا قول لا يفهمه وعاظ السلاطين فهم لا يدركوا كيف يكون النزاع والاختلاف رحمة على الناس .انهم يعتبرون جماعة المسلمين مقدسة لا يجوز مساسها بأي حال من الأحوال. ومن يخرج على جماعة المسلمين “كأبي ذر” يكون في نظرهم زنديقا قد شق عصا الطاعة على الله ورسوله] انتهى

أقول: الانتباه لطفاً الى ذكر الراحل الوردي ل”ابن سبأ “و”أبا ذر” .. معروف ايضاً ان هذين الاسمين يتكرران كثيراً في كل الروايات عن تلك الثورة / الفتنة / الانتفاضة / الحركة. والانتباه ايضاً الى عبارة الوردي الغريبة: (فلو لم يحدث التطاحن لرأينا الإسلام مباءة للذئاب واللصوص والسفاكين ينهشون به من كل جانب ..).

لا اعرف هل انقذت تلك الفتنة / الانتفاضة / الثورة / الحركة الإسلام من الذئاب واللصوص والسفاكين ام انتجت ذئاب تتلذذ بدماء أهلها ولصوص يسرقون أهلهم ويقدمون المسروقات هدايا لإعدائهم و”للقوادين والقوادات” في كل مكان وسَّفاكين يشربون في كل صباح بدل القهوة دم من على نار مواقد حطبها عظام أهلهم وذويهم.

وانتبهوا لطفاً الى عبارة الراحل الوردي: (وعاظ السلاطين فهم لا يدركوا كيف يكون النزاع والاختلاف رحمة على الناس ..) .. أي رحمة تلك التي لم يفهما وعاظ السلاطين .. قد يقول من يقول انه يقصد الاختلاف الفكري والتفسيري للنص .. اقول انه ادخل السوط والسيف وابن سبأ وأبا ذر في طرحه وهو يعرف ان المجتمع لم يستوعب الشورى فكيف يكون الاختلاف رحمة في ظل السيف والسوط .. أما خروج أبا ذر فهو خروج سياسي نتج عن تعدد النصوص وعدم حسم تفسيرها من الأول، فصلت الرحم ببر الوالدين وصلة الرحمن ب “آتوا ذو القربى .. “

2.في ص102 كتب: [لا مراء في ان الخلاف او التنازع يؤدي الى الفوضى ويؤدي الى تمزق الشمل وتبعثر القوى الاجتماعية ولكنه في نفس الوقت يؤدي الى التجديد والتغيير] انتهى

اقول: اشعر ان هذا الطرح وبهذه الصيغة هو البداية الأولى لما يعرف اليوم ب “الفوضى الخلاقة” التي طرحتها “كوندليزارايس” قبل سنوات ونتج عنها ما نعيشه اليوم من تدمير وقتل وفتنه سبقتها مفاهيم الانتفاضة والثورة وكأنها إعادة الى ما حصل في زمن عثمان ابن عفان. (هناك جزء مخصص لموضوع الفوضى الخلاقة في نصوص علي الوردي).

3.أضاف الراحل الوردي في نهاية نفس الصفحة التالي: [لقد ابتكر الإسلام طريقة الشورى ولكنها كانت طريقة ساذجة سابقة لِأوانها لم تهضمها عقول الناس في ذلك الحين فلم تمض مدة قصيرة على تحقيق نظام الشورى حتى اسيء تطبيقه ورجع الحكم الإسلامي الى نظام السيف والسوط] انتهى

أقول: نظام الشورى انتهى بمقتل علي كما يفهم من قول الوردي حيث رجع الإسلام الى السيف والسوط!! ويفهم من هذه العبارة ايضاً ان السوط والسيف كان قبل الشورى .. أي كان على حياة محمد النبي لأنه لا اسلام قبله .. فهل يقصد الوردي ان محمد استخدم السوط والسيف؟ جوابي انا على هذا السؤال هو: كلا .. لا يقصد الوردي ذلك لأنه يجل محمد كثيراً لكن الوردي كما لمست وايقنت من خلال قراءتي له يسترسل ويكتب دون ان يدقق ولا يراجع ما يكتب كما يبدو. وما يؤكد ذلك التالي في (4)

4.في ص103 كتب: [ولهذا ظهر حكم السيف والسوط في الإسلام بعد نصف قرن تقريبا من وفاة محمد واختفى به نظام الشورى فالقيم الاجتماعية لم تفهم آنذاك هذا النظام ولم تستطع مماشاته او الاعتياد علية] انتهى

اقول: هناك في (3) اعلاه كتب: “.. رجع الحكم الإسلامي الى نظام السيف والسوط” وهنا كتب:” ولهذا ظهر حكم السيف والسوط في الإسلام بعد نصف قرن تقريباً من وفاة محمد” والفرق كبير جداً بين الطرحين ف”العودة” تستوجب وجودها قبل و”ظهور” لا يستوجب ذلك.

5.كتب الراحل الوردي في نفس الصفحة ايضاً: [وبعد هذا التحول انقسم الناس الى فريقين متعاكسين فريق يدعوا الى الخضوع للسلطان مهما كان ظالم وفريق اخر يدعو للثورة ولوجود السيف بيد السلطان لجأ الثوار الى السيف أيضا وأصبح التقدم الاجتماعي اذن منوطا بمدى التصادم بين سيوف المحافظين وسيوف المجددين. وقد لجا كل فريق الى كتاب الله وسنة رسوله يستند عليهما لتدعيم موقفه في محاربة الفريق الاخر هذا يقول ان السلطان واجب الطاعة والخروج على الجماعة كفر وذلك يقول ان النهي عن المنكر واجب وكفاح الظالمين جهاد] انتهى

أقول: من يدعي وجوب الخضوع للسلطان يستند على نص مقدس وهذا اجتهاده في ظل ذلك النص الذي سمح بذلك. ووجود السيف بيد السلطان ليس بجديد فهو مستمر من اول سلطان. وأن اول استخدام للسيف في الإسلام كان في واقعة بدر وبعدها كان للسيف دور في حماية الإسلام وانتشار الإسلام وحَسَمَ أمور الردة على عهد أبا بكر وحَسَمَ أمر الفتوحات على عهد الشيخين واستمر يحسم الأمور في المعارك الداخلية بين الصحابة المبشرين بالجنة فبعضهم قتله اهله بالسيف والبعض الاخر فرض تفسيراته بالسيف وانتصر. وكل تلك التي حسمها السيف لها ما يؤيدها من نصوص.

ولما كانوا جميعاً من حملة السيف وساهموا بكل ما انتجه السيف فليس مستغرباً لجوء الثوار للسيف لكن المستغرب ان يكون الخلاف على تفسير النصوص بوجود اول من تلقى تلك النصوص وسمع تفسيرها الأول من مصدرها وبتلك الفترة الزمنية القصيرة.

6.كتب في نفس الصفحة ايضاً: [لقد تقدم المجتمع الإسلامي بهذا التصادم والتفاعل طبعا ولكنه خسر في الوقت ذاته الكثير من الأرواح والأموال والجهود] انتهى

اقول: أي تقدم للمجتمع الإسلامي ذلك الذي نتج عن ذلك التصادم والتفاعل بالسيف والسوط بين السلاطين والثوار.هل ذلك التمزق الذي حصل خلال فترة خلافة علي بن ابي طالب او فيما جرى بعده في كربلاء ليتقدم الإسلام ليكون الدين السماوي او الوضعي الوحيد في التاريخ الذي يفتخر أصحابه “سلاطين وتابعيهم” بنحر أبناء بيت نبيهم وان تُسبى عائلته بتلك الصورة المهينة لل”مَسْبيينْ” الاحياء منهم وقتها والأموات .. الاخر / غير المسلم يبحث عن عظمة كلب نبيه او مؤسس جماعته او حزبه ليقدسها ويحتفل بها ،ودين “اختلاف امتي رحمة” ينحر بيت نبيه ويسبي عياله وهو يفتخر ويرفع علامة النصر. حتى هذا النحر له ما يؤيده من نصوص .. هذه المحطة / الواقعة الكبرى السابعة في حياة / مسيرة الإسلام حيث التي تلت الخمسة التي ذكرتها في بداية المقالة، أي السادسة هي تقاتل المبشرين بالجنة فيما بينهم خلال خلافة علي ابن ابي طالب لا على مواقعهم في الجنة انما على حياتهم الفانية كما يؤمنون لأن مواقعهم في الجنة محجوزة ومطوبة بأسمائهم، وهذه السابعة محطة كربلاء .. و كل تلك السبعة حسمها السيف.

7. في ص104 كتب: [ورب محمد له الحق في ان يفرق امة محمد ويجعل بآسهم بينهم فهو لا يريد ان يجعل المجتمع الإسلامي مجتمعا راكدا جامدا. فرب محمد كما وصفه النبي موسى اذ قال يحاوره: وان هي الا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي بها من تشاء”. يقول الله مخاطبا نبيه محمد: “ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم”] انتهى

أقول: لا يوجد أكثر من هذا القول والنصوص التي وردت فيه تأكيداً على ما طرحته أعلاه تحت “اقول”

لا اعرف اين وقع التجديد والتغيير بعد فاجعة / حادثة / جريمة / اعدام الخليفة عثمان ابن عفان في تلك الثورة / الانتفاضة / الفتنة / الهزة / الحركة والوردي يقر بأن التنازع يؤدي الى تمزق الشمل وتبعثر القوى ويؤدي الى التناحر.

هذا الحدث الهائل يْعْزيه الوردي الى الأسباب التالية:

أولاً: توقف الفتوحات في زمن عثمان.

ثانياً: ان عثمان بن عفان جاء بعد عمر بن الخطاب ونافسه عليها علي بن ابي طالب.

ثالثاً: لين وسماحة ابن عفان

رابعاً: محاباته لبني امية اهله وعشيره.

وسأناقش هذه النقاط الأربعة في التاليات ..

عبد الرضا حمد جاسم

شاهد أيضاً

قراءات أدبيّة لأيوب والدسوقي في جمعية الفيحاء وتكريم للأديبة سناء الشعلان لفوزها بجائزة كتارا للرواية

د.سناء الشعلان   قراءات أدبيّة لأيوب والدسوقي في جمعية الفيحاء وتكريم للأديبة سناء الشعلان لفوزها …

اترك تعليق

  Subscribe  
نبّهني عن