دكاكين فوق السطوح العليا – كاظم فنجان الحمامي
في دولة من جمهوريات الموز كانت الموافقات الرسمية مقيدة بالضوابط والتعليمات. لكنها خلعت رداء الحشمة الوظيفية، وتعرت تماما على مسارح الدفع المباشر. .
يحدث هذا كل يوم تقريبا، ويتكرر على وجه الاعتياد امام انظار الكبار، وربما بتوجيهات مباشرة منهم حفظهم الله ورعاهم. .
فالطلبات والملفات والمعاملات الرسمية المرفوعة إلى الطبقات الإدارية العليا المتنفذة داخل اروقة الوزارات بانتظار الحصول على الموافقات الأصولية. تتكدس فوق بعضها البعض في المكاتب، ثم تُنقل بعد الدوام الرسمي إلى اوكار خارجية كي تعرض على أشخاص لا علاقة لهم بالخياط الذي صمم بدلة العروس. .
يناقشون كل ملف على حده، ويضعون له التسعيرة بالعملة المحلية أو بالعملة الأجنبية الصعبة. فلكل حالة تسعيرتها، ولكل معاملة وزنها وحجمها وكثافتها وقيمتها، مع مراعاة فرق التوقيت. .
اما الأقسام والشعب الصغيرة البعيدة عن مراكز القرار فلها اساليبها المبسطة في استثمار معاملات المواطنين، وذلك من خلال ارتباط المدير الصغير بمكاتب تعقيب المعاملات التابعة للقطاع الخاص. حيث يجري توزيع الأرباح قبيل نهاية الدوام الرسمي بنصف ساعة. .
ولا تزيد التسعيرة في تلك الأقسام على خمسة دولارات لكل معاملة، فاذا كانت المعاملات المنجزة لهذا اليوم 20 فان الوارد اليومي هو 100 دولار، يضعها المدير في جيبه ثم يغادر لأداء فريضة الصلاة في الصف الاول من المسجد القريب. .
حين يتحول الواقع السياسي الى نافذة من نوافذ الدكاكين النفعية، يستغلها اصحاب الشأن حسب رغباتهم، فتتغير السياقات الإدارية، وتتبدل الإجراءات الرسمية، ثم تفقد الخدمات الوطنية معناها، وتغيب الحقيقة خلف ستائر النفوذ السياسي. ويصبح ابليس نفسه عاطلا عن العمل بالمقارنة مع الممارسات الإدارية المنحرفة. .
لقد ابتكر السياسيون عشرات الأساليب للتمويه والخداع، لكنهم فشلوا في ابتكار وسيلة واحدة لفهم لغة الصمت. فالجماهير الصابرة الصامتة لابد ان تنتفض بوجه الظلم والفساد. . الصمت ليس عجزا عن التعبير، بل هو التعبير الفصيح الذي لا يحتمله ضجيج الكلام. .
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.