مقالات دينية

الآراء المتضاربة عن تفسير مار يوسف توما لشخصية يونان

بقلم / وردا إسحاق قلّو
 في البدأ نقول، عند الإختلاف في الرأي ، أو عدم فهم المقصود، على القارىء أن لا يلجأ إلى أدنى مراتب الإختلاف وذلك بمهاجمة المقابل بالتجريح، بل عليه أن يبحث عن جوهر الفكرة المطروحة أولاً وعدم الخروج من النص.
 لا يجوز أيضاً أن نميل إلى ربط أفكار أخرى في المناقشة من أجل تبرير مواقفنا وآرائنا فنلجأ إلى إسلوب خلق الحجج لخلط الأوراق، فنطرح تحاليل تبعدنا كثيراً عن الموضوع الرئيسي فيقتنع بعض الضعفاء للأسف فنكون سبب لجوئهم إلى إسلوب السب والتجريح، أو يقدمون إنتقادات جارحة ومسيئة إلى الشخص صاحب المقال، فيترك الموضوع الإساسي ليتوجه الكثيرين إلى ما يطرحه الأخير من آراء. نعلم بأن بعض المعلقين لا يمتلكون الثقافة المطلوبة للنقاش إضافة إلى إمتلاك بعضاً منهم التعصب والكراهية وحب الإنتقام من الآخر، وبعض الآخر يمتلكون الثقافة والدراية الكافية لكنهم مملوئين من الحقد على الشخصية التي طرحت فكرتها، وإلى الجهة أو الطائفة التي ينتمي إليها، فينتهزون الفرصة لكي يدخلوا إلى الخط ليعكرّوا صفاء النقاش فيزيدون من الطين بلة. وهناك من يعرض صور مسيئة لا يفرح بها غير أعداء الإيمان.
المعلق المعارض يجب أن يبدأ في نقاش جاد يقدم من خلاله ما يثبت إعتراضه لكي يثبت وجهة نظره مستشهداً ببراهين مهمة ذات العلاقة. أو عليه تقديم دليل بديل وواضح يبين فيه أسباب رفض الرأي الآخر المغاير لفكرته ، وإن كان لديه مصادر إعتمد عليها فليعرضها .
  إستغل البعض كلام المطران مار يوسف توما عن رأيه بالنبي يونان وسيرته وكأن المطران إقترف خطاً جسيما وعليه أن يعتذر، وكذلك عن وصفه لقساوة الآشوريين في نينوى على الأمم التي إجتاحوا أراضيها وسيطروا عليها. نعم كانوا الآشوريين قساة فلهذا حكموا المنطقة وإستولوا عليها. نعم كانوا الفرس قساة. والمصريين قساة. والكلدانيون قساة، لكن عندما حكم الكلدان ملك ضعيف وهو ” نابونيد ” سقطت بابل العظيمة وكل مملكته في يد الفرس الأخمينيين بقيادة قورش الكبير في تشرين الأول من عام 539 ق. م. فلماذا نفسر قول المطران عن الآشوريين بأنهم قساة، إذا التاريخ يقول ذلك،  واللوحات المنحوتة في جداريات آشورية وتثبت ذلك أيضاً.
 علينا أن نتطلع على معلومات موجزة عن المطران مار يوسف توما ، نختصرها بالآتي: تخرج من معهد مار يوحنا الحبيب في الموصل سنة 1971 ، ومن ثم التحق بالرهبنة الدومنيكية ، وأكمل دراسته في باريس وحصل على شهادة دبلوم الدراسات المعمقة – جامعة نانتير . وشهادة دكتوراه في اللاهوت العقائدي من جامعة ستراسبورغ ” فرنسا ” . رسم كاهناً في الموصل بتاريخ 26 آذار 1980. أي ما يقارب عشرة سنوات دراسة. درّسَ ولا يزال يُدرِس في المعهد الكهنوتي البطريركي الكلداني، وفي كلية بابل، وفي الدورات اللاهوتية. ومنذ عام 1995 يرأس تحرير مجلة الفكر المسيحي. إشترك في عدة مؤتمرات دولية. له إصدارت عديدة من الكتب، ومئات المقالات المنشورة والمطروحة، وهو من أنشط الكهنة والأساقفة في تقديم المحاضرات، أينما يحل ، في المدينة أو القرية يقدم لمؤمنيها محاضرة ويرد على ما لديهم من الأسئلة. يتقن اللغات الكلدانية والعربية والفرنسية والإنكليزية. إذاً من يريد أن يحاور قامة بارزة بهذا المستوى، عليه أولاً أن يكل له كل الإحترام ولدرجته الكهنوتية والأسقفية ليبرز في تعليقه الإحترام أولاً ثم النقاش بروح ملؤها المحبة.
  الآن سأعرض أبرز ما يهمنا عن الموضوع في سفر يونان ذات العلاقة ولكي ندخل في جو الموضوع. لي تسعة مقالات معروضة في المواقع الكلدانية عن الموضوع نفسه.
  الكاتب الملهم الذي كتب سفر يونان ليس يونان النبي فأضاف إلى الرواية أمور أخرى دينية ونبوية ، وصف حقيقة الله بأوصاف تليق به، كالرحوم والرؤوف والمحب لجميع البشر. أجل الله يريد خلاص جميع الأمم لهذا أظهر نفسه إلهاً رؤوفاً وحنوناً ومحباً لجميع البشر، فما مكتوب في أسفار الشريعة بأن: الرب إله رؤوف رحيم، بطىء الغضب وكثير الإحسان والوفاء. ” خر 7:34″. فلا يقصد به للشعب اليهودي فحسب بل لكل الأمم، ومنهم لشعب نينوى إذا سمع وأطاع صوت الرب.
  ما نطالعه في الإصحاحات الأربعة لسفر يونان من معلومات سنقتنع بما تُعبِّرْ عن شخصية يونان بوضوح بأنه نبي متمرد على وصية الله ، أبى أن يلبي طلبه في إبلاغ أهل نينوى بفحوى تلك الرسالة السماوية. وبسبب حقده على أهل نينوى أراد الهروب إلى ترشيش ” أسبانيا”.
 أما الرب فأمر بضرب النوء على مياه البحر وذلك بإرساله ريحاً شديداً على المياه فهاج البحر  فخاف الجميع، فبدأوا بالتذرع والصلاة إلى آلهتهم بإستثناء يونان، علماً بأنه كان متيقناً بأن الكارثة وقعت بسببه، وقد إعترف للبحارة بوضوح، بل صرح قائلاً : خذوني واطرحوني إلى البحر فيسكن… لا يهاب الموت مقابل أن يدمر الله نينوى.
  أما عن صلاة يونان في جوف الحوت ( 2:2-9)، فنقول، لم يظهر فيها يونان أي شىء عن محبته لأهل نينوى، بل ما ذكره في صلاته لا يتعدى إيصال الرسالة فحسب. وقد كان يظن بأنهم لا يقبلون إنذاره فيهلكون أمام أنظاره وهو جالس في مرصده فوق التل الذي صنع عليه مظلته.
  وصل إلى نينوى ودخلها مسيرة يوم واحد ، والكاتب يصف بأن نينوى العظيمة يقتضي إجتيازها ثلاثة أيام ، وهذا الوصف مبالغ به لأن حتى المدن الكبيرة اليوم كبغداد التي فيها ما يقارب عشرة ملايين يمكن إجتيازها بيوم واحد.
  نادى يونان وقال لأهل نينوى : بعد أربعين يوماً تنقلب نينوى. تذكرنا الأربعين يوماً بأيام الطو*فا*ن المدمر الذي هلك الجميع بإستثناء الموجودين في الفلك. آمن أهل نينوى بإله يونان وقدرته وبصدق كلام نبيه فنادوا بالصوم، ولبسوا مسوحاً من كبيرهم إلى صغيرهم، وبلغ الخبر ملك نينوى فنهض من عرشه ولبس المسوح وجلس على الرماد دلالةً على توبته والندم على خطاياه ولأجل العودة إلى الطريق الصحيح ويترك العن*ف الذي كان يمارس على يده من خلال جيشه الذي لن يرحم ( 8:3). نال بسبب توبته رضى الله وحنانه فندمَ على الشر الذي قال إنه يصنعهُ بهم. أما يونان فعندما فشلت مقاصده لتدمير نينوى، كان رد فعله واضحاً لأن محبة الله أساءت إلى قلب يونان مساءةً شديدة فغضب وقال معترضاً على الله: أيها الرب، ألم يكن هذا كلامي وأنا في أرضي؟ ولذلك بادرتُ إلى الهرب إلى ترشيش…. لكن الله وضَّحَ في رده ليونان رحمته الشاملة لكل الشعوب ، بل محبته وطول أناته شملت حتى نبيه يونان الذي كان يرغب في هلاك نينوى، فأشفق على يونان المغتم في أنانيته وحقده لشعب نينوى، فلم يحاسبه على مواقفه وآرائه. كان على يونان أن يملأ فرحاً لأنه نجح في إرساليته وأقنع شعب نينوى بكلامه.
  يقول الكتاب: إجرة الخطيئة هي الموت . ” رو 23:6″. لكن عندما يتوب الإنسان فالسماء تعطف عليه وتغفر له ذنوبه على أن لا يعود إلى اقترافها كما فعل شعب نينوى فعاد إلى العن*ف والقساوة واستغلال الشعوب الضعيفة وتدمير مدنها وقراها ومعاملة أبنائها بأقصى الطرق التي لا تليق بالإنسانية والرحمة، لهذا عاد غضب الله لينتقم من نينوى سنة 612 ق.م ليمحوها من الوجود وإلى الأبد وكما فعل أيضاً ببابل العظيمة من بعدها.
 وفي الختام نقول عن يونان الذي ناله حزن عميق أيضاً على خروعه التي ظللت رأسه والتي أحبها أكثر من مئة وعشرون ألف من الأطفال الأبرياء في نينوى، ما عدا البهائم الكثيرة التي كانت تشملها أيضاً رحمة الله. فكل هذا يكشف لنا اليوم عن أنانية يونان وحقده وإستيائه وإنتقامه من نينوى لكي يطلقون عليه الباحثون بألقاب كثيرة ك ( مخربط ، وهجين ، ومتمرد ، وصبياني …إلخ .
 يرجى عدم الإطلاع على ما ينشره الحاقدين في بعض المواقع التي تخدم أهداف بعض الشواذ من أعداء الكنيسة كموقع كلدايا مي والويكليكس الكلداني . فكُتابها معروفون بحقدهم ومواقفهم المسيئة لقادة كنيستنا الكلدانية والتي تخدم أجندة وجهات معينة.
 رأي سيادة المطران بيونان لم يأتي من رأيه الشخصي رغم ما إلتمسناه من مواقف يونان الواضحة والمجردة من الطاعة لله، بل المطران مطلع على مصادر كثيرة كتب فيها أسماء باحثين كثيرين وصفوا يونان بأوصاف متعددة . وللمزيد اليكم ما نشره الأخ ( مازن برنو ) عما قاله المطران الجليل مار يوسف توما وبعض الباحثين في هذا الموضوع.
والمجد لله دائماً.
هل كلام المطران يوسف توما وبعض من اباء الكنيسة بحق شخصية يونان النبي كان انتقاصاً به ام وصفه كان كذلك من بعض المؤرخين واباء الكنائس من المذاهب الاخرى
فبحثنا اليوم عن
‎سيكولوجية التناقض والعبث في
‎شخصية النبي يونان
‎١. مقدمة البحث
‎تُطرح شخصية النبي يونان (يونس) في الدراسات المعاصرة ليس فقط كشخصية دينية، بل كنموذج إنساني “مضطرب” يتحدى الصورة النمطية للنبي الهادئ والمطيع. يهدف هذا البحث إلى استعراض الجوانب التي تجعل من يونان شخصية “مخبطة” (Erratic) بالمعنى الإنساني، وكيف فسر المؤرخون وعلماء النفس هذا التخبط كأداة فلسفية وأدبية.
‎٢. مظاهر التخبط السلوكي والمنطقي
‎تتجلى حالة “عدم الاتزان” في مسيرة يونان من خلال ثلاث محطات رئيسية في النص:
* الهروب العبثي: محاولة التخفي من إله “خالق السماء والبحر” في سفينة تجري في البحر نفسه. هذا التصرف يعكس خللاً في التوازن بين المعرفة العقائدية والسلوك العملي.
* الانسحاب النفسي (النوم): بينما كانت السفينة توشك على الغرق والبحارة يصرخون، كان يونان “مستغرقاً في نوم عميق”. يرى النقاد في هذا النوم هروباً نفسياً (Avoidant Personality) من مواجهة الواقع.
* التناقض في المشاعر: يونان هو النبي الوحيد الذي حقق نجاحاً بنسبة ١٠٠٪ في دعوته، ومع ذلك كان هذا النجاح هو السبب الرئيسي في غضبه واكتئابه وتمنيه للموت.
‎٣. رؤية المؤرخين والنقاد المعاصرين
‎يرى كبار الباحثين أن هذا “التخبط” هو سمة بنيوية مقصودة في الشخصية:
* جاك ساسون (Jack Sasson): يصف يونان بـ “المغفل الكوميدي”. ويرى أن النص يتعمد إظهار يونان بشكل “أخرق” لبيان أن المنطق البشري الضيق يبدو مضحكاً أمام التدبير الإلهي.
* إيفون شيروود (Yvonne Sherwood): تصفه بـ “النبي الهجين”. وترى أن شخصيته “مخربطة” لأنها تمزج بين النبوة وبين التمرد الصبياني، مما يجعله شخصية غير متجانسة أدبياً.
* دانيال أرنولد (Daniel Arnold): يصفه بـ “الوحش النفسي الديني”. ويؤكد أن التخبط ناتج عن صراع مدمر بين “إيمانه العقلي” و”مشاعره القومية المتطرفة” التي ترفض نجاة الأعداء (أهل نينوى).
* جيه. أي. مايلز (J.A. Miles): يعتبره “النبي الساخر” الذي يفعل دائماً “الشيء الخطأ في الوقت الخطأ”، وهذا هو قمة التخبط الإنساني.
‎٤. التحليل النفسي (عقدة يونان)
‎استخدم عالم النفس أبراهام ماسلو هذه الشخصية لصياغة مصطلح “عقدة يونان” (Jonah Complex)، وهو يشير إلى:
* تخبط الإنسان أمام عظمته الخاصة ومسؤولياته.
* الهروب من “نداء الحقيقة” خوفاً من التغيير أو المسؤولية، مما يؤدي للتصرف بعشوائية وعصبية لعرقلة المسار الصحيح.
‎٥. التخبط كأداة تعليمية وفلسفية
‎لماذا صُوّر نبياً بهذا القدر من “اللخبطة”؟
‎١. أنسنة النبوة: ليجد الإنسان العادي نفسه في يونان؛ في عيوبه، غضبه، وضياع أولوياته.
‎٢. كسر المركزية: لإظهار أن الرسالة الإلهية تنجح حتى لو كان حاملها “مشتتاً” أو “غير راغب”.
‎٣. المفارقة الأخلاقية: إظهار الغرباء (البحارة وأهل نينوى) بمظهر “الأكثر تركيزاً” واستجابة من النبي نفسه، لكسر غرور التدين الشكلي.
‎٦. الخاتمة
‎إن وصف النبي يونان بالشخصية “مخربطة” ليس انتقاصاً، بل هو اعتراف بواقعية النص في وصف النفس البشرية. لقد أثبتت الدراسة أن هذا التخبط كان جسراً لتوصيل رسالة مفادها أن الرحمة الإلهية لا تتوقف على كمال البشر، وأن “اللخبطة” الإنسانية قد تكون بداية الطريق نحو فهم أعمق للذات، بشرط الاعتراف بالخطأ والعودة للمسار.
‎مراجع البحث:
١. Sasson, J. M. (1990). Jonah: A New Translation and Commentary.
٢. Sherwood, Y. (2000). A Biblical Text and Its Afterlives.
٣. Arnold, D. (1999). Les deux visages de Jonas.
٤. Maslow, A. (1971). The Farther Reaches of Human Nature.
‎٥. تفسيرات العهد القديم – القمص تادرس يعقوب ملطي.
أنا مازن برنو

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
زر الذهاب إلى الأعلى