من تل أبيب إلى مراكز القرار: إس*رائي*ل تعترف بأزمتها
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في خضم التحولات الاستراتيجية الكبرى التي تشهدها المنطقة، يبرز مشهد لافت يستحق التوقف عنده: فبينما تتصاعد داخل إس*رائي*ل نفسها أصوات أكاديمية وأمنية وسياسية تحذر من تراجع قوة الردع الإ*سر*ائي*لية ومن التحديات الوجودية التي تواجه المشروع الصهيوني، ما زالت أصوات عربية وفلسطينية محدودة تصر على إنكار هذه الوقائع أو التقليل من شأنها، وكأنها باتت أكثر حرصاً على صورة إس*رائي*ل وقوتها من الإ*سر*ائي*ليين أنفسهم.
هذه المفارقة تفرض علينا قراءة أكثر عمقاً وموضوعية للمشهد، بعيداً عن المبالغات الدعائية من جهة، وعن حالة الإنكار غير المبررة من جهة أخرى.
لقد شكلت حرب السابع من أكتوبر وما أعقبها من مواجهات متعددة الجبهات نقطة تحول مفصلية في الفكر الاستراتيجي الإ*سر*ائي*لي. فالسؤال الذي كان يُطرح في السابق داخل مراكز الأبحاث الإ*سر*ائي*لية حول كيفية تعزيز الردع، تحول اليوم إلى سؤال أكثر خطورة: هل ما زالت إس*رائي*ل قادرة على الحفاظ على الردع الذي شكل أساس عقيدتها الأمنية منذ تأسيسها؟
منذ قيام إس*رائي*ل استندت عقيدتها الأمنية إلى ما عُرف بـ”ثالوث الأمن الإ*سر*ائي*لي”: الإنذار المبكر، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وتحقيق الحسم السريع. وقد صاغ هذه العقيدة مؤسسو الدولة وقادتها الأوائل، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الإ*سر*ائي*لي الأول دافيد بن غوريون. غير أن التطورات المتلاحقة خلال العقدين الأخيرين، وصولاً إلى أحداث السابع من أكتوبر، دفعت العديد من الباحثين الإ*سر*ائي*ليين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه العقيدة لا تزال صالحة للتعامل مع التحديات الجديدة.
في هذا السياق، برزت مواقف صريحة صادرة عن أهم مراكز التفكير الاستراتيجي في إس*رائي*ل. فقد حذر باحثو معهد دراسات الأمن القومي الإ*سر*ائي*لي (INSS) من أن إس*رائي*ل تواجه أزمة مركبة تمس عناصر قوتها العسكرية والسياسية والاجتماعية، وأن استمرار الحرب لفترات طويلة يستنزف قدرة الدولة على فرض إرادتها الاستراتيجية. كما أشار المعهد في عدد من تقديراته الاستراتيجية إلى أن صورة الردع الإ*سر*ائي*لية تعرضت لهزة عميقة يصعب تجاهل تداعياتها.
أما مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية فقد نشر سلسلة من الدراسات التي تناولت تداعيات الإخفاقات الأمنية والسياسية على مفهوم الردع، مؤكداً أن التحدي لم يعد عسكرياً فقط، بل يتعلق أيضاً بقدرة إس*رائي*ل على الحفاظ على تماسكها الداخلي وثقة مواطنيها بمؤسسات الدولة.
وفي السياق ذاته، ناقش باحثو المعهد الإ*سر*ائي*لي للديمقراطية التأثيرات المتراكمة للاستقطاب السياسي والانقسام المجتمعي على الأمن القومي الإ*سر*ائي*لي، محذرين من أن الانقسامات الداخلية قد تتحول إلى تهديد لا يقل خطورة عن التهديدات الخارجية.
الأكثر أهمية أن هذا التقييم لا يصدر فقط عن مراكز الأبحاث، بل يتردد على ألسنة قادة المؤسسة الأمنية والعسكرية أنفسهم. فقد تحدث رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق تمير هايمان عن الحاجة إلى إعادة بناء منظومة الأمن القومي الإ*سر*ائي*لية بعد الفشل الذي كشفته أحداث السابع من أكتوبر. كما أقر عدد من الجنرالات السابقين بأن إس*رائي*ل تواجه حرب استنزاف طويلة تختلف جذرياً عن الحروب التقليدية التي بنت عليها عقيدتها العسكرية.
أما على المستوى الفكري والتاريخي، فقد شهدت الساحة الإ*سر*ائي*لية خلال العقود الأخيرة ظهور تيار كامل من المؤرخين والباحثين الذين أعادوا النظر في الكثير من المسلمات الصهيونية. ومن أبرز هؤلاء المؤرخين الجدد أمثال بيني موريس وإيلان بابيه وآفي شلايم، الذين قدموا مراجعات نقدية للرواية الرسمية الإ*سر*ائي*لية وكشفوا العديد من جوانب الضعف والأخطاء الاستراتيجية التي رافقت المشروع الصهيوني منذ نشأته.
كما أن عدداً من أبرز المعلقين والكتاب الإ*سر*ائي*ليين، مثل ناحوم برنياع وعاموس هرئيل وبن كسبيت، لم يترددوا في التحذير من أن إس*رائي*ل تخوض اليوم واحدة من أخطر مراحلها منذ تأسيسها، ليس فقط بسبب التهديدات الخارجية، وإنما نتيجة التآكل الداخلي في الثقة بالمؤسسات السياسية والعسكرية.
إن جوهر الأزمة الإ*سر*ائي*لية الحالية لا يكمن في حجم القوة العسكرية، فإس*رائي*ل ما زالت تمتلك أحد أقوى الجيوش في المنطقة، وتحظى بدعم أمريكي وغربي واسع، وتملك تفوقاً تكنولوجياً واستخباراتياً واضحاً. لكن التاريخ يعلمنا أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لضمان النصر أو الاستقرار.
لقد امتلكت قوى عظمى عبر التاريخ جيوشاً أقوى من خصومها، لكنها فشلت في تحقيق أهدافها السياسية. فالردع ليس مجرد طائرات ودبابات وصواريخ، بل هو قدرة الدولة على فرض إرادتها السياسية وإقناع خصومها بأن المقاومة أو المواجهة عديمة الجدوى. وعندما تستمر المواجهات وتتعدد الجبهات وتتزايد الخسائر البشرية والاقتصادية وتتراجع الثقة الشعبية بالقيادة، فإن مفهوم الردع نفسه يصبح موضع تساؤل.
وهذا بالضبط ما يدور حوله النقاش الإ*سر*ائي*لي اليوم.
من هنا تبدو بعض الأصوات العربية وا*لفلس*طينية التي تصر على إنكار هذه الحقائق وكأنها تعيش خارج الزمن السياسي. فبينما يناقش الإ*سر*ائي*ليون أنفسهم أزمات دولتهم ومستقبل مشروعهم السياسي وقدرة جيشهم على استعادة الردع، ينشغل البعض بمحاولة نفي ما تقوله النخب الإ*سر*ائي*لية ذاتها.
إن القراءة الوطنية الرشيدة لا تقوم على التهويل ولا على التهوين، بل على فهم الوقائع كما هي. فلا إس*رائي*ل على وشك الانهيار الفوري كما يروج البعض، ولا هي القوة المطلقة التي لا يمكن المساس بها كما يدعي آخرون. الحقيقة تكمن في أن إس*رائي*ل تواجه اليوم أزمة استراتيجية عميقة تتعلق بمستقبل الردع، وبطبيعة الدولة، وبقدرتها على إدارة صراعات متعددة الجبهات في ظل انقسامات داخلية غير مسبوقة.
ولعل أهم ما يجب أن نستخلصه من النقاش الإ*سر*ائي*لي الداخلي هو أن الصراع لا يُحسم فقط بميزان القوة العسكرية، وإنما أيضاً بميزان الإرادة السياسية والصمود المجتمعي والقدرة على استثمار التحولات التاريخية. فالدول القوية لا تخشى الاعتراف بأزماتها، أما الأمم الحية فلا تسمح لأنفسها بإنكار الحقائق عندما تأتيها الشهادة من داخل معسكر الخصم نفسه.
إن أخطر أشكال الهزيمة ليست هزيمة الجيوش، بل هزيمة الوعي. وعندما يعترف الإ*سر*ائي*ليون بوجود أزمة في الردع والأمن والهوية والمستقبل، يصبح من الواجب علينا أن نقرأ هذه الاعترافات بعين الباحث الاستراتيجي لا بعقلية المنكر للواقع، لأن فهم نقاط ضعف الخصم هو الخطوة الأولى في بناء استراتيجية وطنية قادرة على صناعة المستقبل.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.