آراء متنوعة

هزيمة التنوير فى العالم العربى

على الرغم مما يثيره هذا العنوان من استفزاز شديد، فهو بلا ريب يتضمن حقائق تاريخية يصعب إنكارها. فقصة المحاولات المضنية التى قادها أعلام الفكر التنويرى فى العالم العربى لإيقاظه من سبات التخلف معروفة للكافة، وأغلبها إن لم يكن كلها قد باء فى الماضى بالإخفاق، بيد أن هذا الإخفاق لم يكن عائقا أمام محاولات مجددة يحدو بأصحابها التفاؤل والأمل فى اللحاق بركب الحضارة والمساهمة فيها بدور منتج بناء.

وكثيرًا ما يلجأ المرء عندما تستبد به الحيرة إلى عقد مقارنات بين الحالة العربية وحالات أخرى فى العالم مرت بذات الأزمة، رغبة منه فى تبين أوجه التشابه والاختلاف بينهما، عله يعثر على إجابة شافية لتساؤلاته، فالدراسات المقارنة تعين على تصور حلول ناجعة لإشكاليات مستعصية. فلا ينفك يتساءل: كيف تمكنت دول كبرى ذات تراث حضارى هائل، مثل الصين، من مواجهة مشكلة الصراع بين التراث والحداثة، وهى المشكلة التى أمسى العالم العربى محصورا فى متاهاتها، عاجزا عن الخروج منها؟. فالصين مثلا مرت بأزمة مماثلة، ووقعت فى فخ السؤال المضلل: ما السبيل إلى التوفيق بين الكونفوشية والحداثة الغربية؟.. ظهرت فى الصين تيارات أصولية مناوئة للحداثة الغربية، وأخرى تدعو إلى هجر التراث والالتحام بالحضارة الأوروبية، كما ظهرت تيارات أخرى مسكونة بهاجس المصالحة بين التراث والحداثة الغربية على غرار الحالة العربية عبر التفكير فى إصلاح التراث أو تنقيته مما لم يعد متفقا مع العصر.. بيد أن الصراع قد انتهى بالصين إلى ابتكار نموذج خاص بها مكّنها من أن تصير قوة عظمى تشارك فى بناء الحضارة. ولم يعد ثمة مجال معرفى أو علمى إلا وقد قطعت فيه أشواطا كبيرة. ويلاحظ الباحثون أن ثمة سمتين بارزتين تميزان المجتمع الصينى مكنتا الصين من تحقيق طفرات هائلة فى المعرفة والتكنولوجيا هما: (النظام والتخطيط المحكم).. فكل شىء مدروس بعناية، ومسبوق بتخطيط دقيق صارم يمتنع تمامًا الخروج عنه.

ولعل ما شاهدناه من إجراءات صارمة فرضتها الحكومة على مواطنيها من التزام شديد بسلوك معين وغلق مدن بأكملها أثناء جائحة كورونا، وحشد طاقة علمائها، وتعبئة الموارد المادية والتكنولوجية اللازمة لهم لتصنيع لقاح ضد المرض، فضلا عن أولوية الاهتمام بالتعليم والبحث العلمى ما مكن الصين من أن تحتل المرتبة الثانية كقوة اقتصادية وسياسية عظمى لا يستهان بها.

لكننا إذا انتقلنا إلى الحالة العربية للبحث عن مكمن العلة التى حالت دون خروج العالم العربى من نفق التخلف وأبقته بعيدًا عن المساهمة بدور مشهود فى بناء الحضارة الحديثة، نعثر على أمثلة عديدة فى الواقع لقامات فكرية جاهدت بأفكارها وكتاباتها فى نشر التنوير، لكنها تعرضت لضرب من الاضطهاد والقمع، فلاذت بالصمت، وآثرت العمل بنصيحة فولتير حينما قال يائسا ذات مرة: «على المرء أن ينشغل بزراعة حديقته». خذ مثلًا المحاولة التى قام بها طه حسين عندما أراد تنوير العقول وحثها على التفكير النقدى. إذ كانت رؤيته المنهجية تقوم على الشك من أجل الوصول إلى اليقين، والشك هو إعمال العقل النقدى فى الأفكار السائدة التى اكتست مع مرور الزمن بهالة كبيرة من التقديس تحول دون إخضاعها للعقل. وقد انتهى طه حسين إلى نتيجة مؤداها ضرورة تحكيم العقل بوصفه مقياسا أوحد للحقيقة، واستند مشروعه التنويرى إلى الدفاع عن العقلانية والعلمانية والحرية والديمقراطية. وحينما واتته الفرصة للمشاركة فى السلطة، كان هاجسه الأول إصلاح العقل بالتعليم، بيد أن المؤسسات الدينية وقفت له بالمرصاد، ونسبت إليه تهمة الطعن فى الشخصيات الدينية، فتعرض بسببها للقمع والاضطهاد الفكرى، ولم يتمكن من إنجاز مشروعه التنويرى.. إذ ظل فكره محصورًا فى دائرة الإنتلجنسيا، ولم تتوفر له القوى الاجتماعية والاقتصادية اللازمة لجعل مشروعه مشروعا وطنيا عاما. وبعد ثورة يوليو، اصطدمت قناعاته بدور مصر المتفرد وموقعها المتوسطى بفكرة القومية العربية وما تحمله من أحلام أيديولوجية، فتلقى مشروعه الهزيمة تحت معاول الفكر الدوجمائى والأصولى.

* نقلا عن “المصري اليوم “

 

الكاتب
عصام عبد الفتاح

عنوان المقال

هزيمة التنوير فى العالم العربى

نقلا عن العربية نت

تابع موقع مانكيش نت على جوجل نيوز

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.