آراء متنوعة

نيجيرفان بارزاني.. قيادة الاعتدال

علي حسين فيلي/ خلال أداء نيجيرفان بارزاني اليمين رئيسا لاقليم كوردستان في عام 2019، كانت وسائل الإعلام تنقل عنه قراءة واحدة مفادها: هل يستطيع كشخصية براغماتية وسطية معتدلة، متسلحاً بخبرة ثلاثة عقود من الإدارة السياسية، تنظيم وضع العلاقات الداخلية والخارجية لإقليم كوردستان العراق؟ ومن الطبيعي اعتباره مهندس إعادة العلاقات المتشنجة بعد استفتاء 25 أيلول/سبتمبر 2017، لكن في الواقع كانت المشاكل والتحديات التي واجهت رئيس إقليم كوردستان أكبر من ذلك بكثير.

ولا توجد منطقة أخرى تبدو فيها التحديات شديدة الوضوح كما هي الحال في الشرق الأوسط. ويمكننا الزعم بأن هذه التحديات أكثر وضوحاً في ثلاثة مجالات: ضعف النسيج والترابط داخل البيت الكوردي، والمشاكل المتجددة بين أربيل وبغداد، وأخيراً التحديات الإقليمية والعالمية.

ويمكننا جميعا أن نكون سعداء لأن رئاسة السيد نيجيرفان المعتدلة قد استخدم بشكل مناسب جميع المصادر الفكرية والسياسية للمجتمع الكوردستاني ووضع العقلانية قبل كل خطواته وقراراته، وبعد خمس سنوات من التجاذب، وصلت الأطراف الكوردستانية أخيراً إلى مرحلة تسمى “الاعتدال”.

وعشية الذكرى الخامسة لرئاسة نيجيرفان بارزاني، يمكن القول؛ ونتيجة لهيمنة التوجهات الراديكالية في السياسة الداخلية والخارجية في الماضي، لم يكن للاعتدال كنهج وسياسة مكان كبير في إقليم كوردستان، ولكن، بعد حشد القوى المعتدلة لمنع تفاقم المشاكل الداخلية، وهي السياسة التي اختارها نيجيرفان بارزاني منذ فترة طويلة، رحب به جزء كبير من الشرائح والمجموعات السياسية والاجتماعية.

وفي ظل الأوضاع الحالية، سعى رئيس الإقليم لأقصى استفادة من جهوده وتجاربه في النقاشات السياسية حول الحاجة إلى الوحدة والتضامن. فمن وجهة نظره، لا توجد مشكلة داخلية أو خارجية غير قابلة للحل؛ وحتى تلك الأطراف التي لم تكن مستعدة لمنحه الثقة في برلمان كوردستان، توصلت اليوم إلى نتيجة مفادها أن تراعى التوازنات السياسية لتبدأ من نفسها، فقامت بتخفيف تصريحاتها وتلطيف موقفها السياسي. وما تم ملاحظته؛ يعتبر هذا المفهوم واحدا من أهم استراتيجيات الفكر السياسي والعمل اليومي لرئيس إقليم كوردستان.

من الممكن أن تكون للناس العاديين في الإقليم ثلاثة مطالب تتلخص في: تحسين سبل العيش، السلم المجتمعي، والتفاعل المحلي والإقليمي لحل المشكلات بين أربيل وبغداد.

بلحاظ ان التاريخ السياسي للمنطقة يتأثر بشدة بالعن*ف. بطبيعة الحال، لا يمكننا التغاضي عن كلمات وصفات مثل التفاعل والتسامح وضبط النفس والصبر واحترام حقوق الإنسان.

على الأقل عندما نأتي إلى تاريخ السياسة في كوردستان، نلاحظ بأن العن*ف والسياسة وجهان لعملة واحدة. وفي هذا الصدد، حاول رئيس إقليم كوردستان تكثيف مساعيه لتحقيق التوازن بين المكونات والإجماع على الخطط والسياسات المتوازنة وكافح من أجل تثبيت التضامن العام والشؤون الاجتماعية باقل الاضرار وإدارة مستوى التوتر بين القوى السياسية والاجتماعية.

يؤكد نيجيرفان بارزاني بصراحة؛ ان العراق ليس بعدا سياسيا فحسب، بل يضم أيضا العشرات من الطبقات الفنية والاقتصادية والإنسانية والاجتماعية، ونظام الحكم في بغداد لا يمكن أن يشبه بالنظام البعثي. وإن الغالبية العظمى من المواطنين في جميع أنحاء العراق لديهم نفس المخاوف التي لدى الناس في إقليم كوردستان.

ولا يخفي الرئيس نيجيرفان بارزاني أن الاقليم أمام قائمة طويلة من الفرص الضائعة، لكنه متأكد من أن تحديد الأهداف يتطلب فهما أساسيا لكل الاحتمالات حتى لا تنحرف الخطط عمليا عن الطريق المحدد لها ولا تحدث خيبة الأمل؛ بمعنى آخر، المهم والضروري الذي يجب الاشارة اليه هو هذا المجال الذي نتواجد فيه، اي ان الاقليم هو الواقع الفعلي الذي لا يريده الأعداء.

إن الاعتدال والوسطية في عالم اليوم له نظرة خاصة لكفاءة الناس في مختلف المجالات، ولتعميم وتخصيص القضايا. ولذلك، يصر رئيس الإقليم على أن السياسة الخارجية لكوردستان اليوم لا تحتاج إلى الصخب والضجيج. فهي قد جربت الكثير من النظريات والأفعال ويتوجب أن يجري التقييم لنتائج ومكتسبات هذه الأساليب.

ولا يخفي الرئيس نيجيرفان، أن وحدة وبقاء الاعتدال في الحركة السياسية الكوردستانية الحالية تواجه العديد من العقبات والتحديات. ومن أهمها هو انعدام التوازن السياسي الذي يظهر جليا في العلاقة بين السلطة والمجتمع بين الأطراف السياسية نفسها، ووفقاً للقيم والأخلاقيات فإن السؤال الرئيس هو: ما هو تأثير هذه التحديات على الاستقرار السياسي للاقليم؟

واستنادا إلى الخصائص السياسية لاعتدال السيد نيجيرفان بارزاني، من الممكن أن نستشف من النصوص ومضامين تلك المواقف والتصريحات التي تبين النظرة الدقيقة والعميقة للجيران والإمكانات الجيوبوليتيكية لكوردستان والوضع الداخلي، واستنادا إلى فهم واقعي لتطورات المنطقة نلاحظ أن العالم الذي يحيط بنا عالم مختلف. وإن البحث عن عوامل خارجية للوضع الحالي في كوردستان لا يقتصر على بعد سياسي واحد.

وبما أن الفهم الدارج إن إقليم كوردستان وبغداد لم يستطيعا الثقة ببعضهما خلال عقدين، فمن الطبيعي ألا يستوعب البعض خطوات نيجيرفان بارزاني الكبيرة خلال فترة قصيرة من الزمن.

لكن يمكن الوثوق بها منذ البداية لأنها تستوفي شرطين صعبين للغاية: الأول المسؤولية والثاني محاولة تغيير الوضع الحالي.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب فقط، ولا تعكس آراء الموقع. الموقع غير مسؤول على المعلومات الواردة في هذا المقال.

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
Don`t copy text!