آراء متنوعة

مقابر الخالدين

أثار موضوع احتمال نقل رفات عميد الأدب العربى د.طه حسين من مقبرته ردود فعل واسعة امتدت بين مصر وفرنسا ذهابًا وإيابًا إذ إن الأمر يتصل بالرائد الحقيقى للتنوير فى تاريخ مصر الحديث، إن طه حسين لم يكن ثائرًا على النظم العتيقة فى دراسات الأزهر الشريف فحسب ولكنه كان رائدًا للتجديد فى حياة المصريين والعرب، بل إن تناوله للإسلام الحنيف، وكتابه على هامش السيرة، وزيارته لأداء العمرة فى الأرض المقدسة، وحفاوة الشعب المغربى وملكه، وزياراته للشام بأقطاره المختلفة، وتمثيله للجامعة المصرية فى افتتاح الجامعة العبرية فى القدس عام 1926، ورئاسته لتحرير مجلة الكاتب التى كان ناشروها من اليهود المصريين واقترانه بزوجة فرنسية من أصول راقية بعد إعجابها به وحبها له، إنه ذلك الذى يتحدث الفرنسية التى تعلمها (سمعيًا) كمن يعزف البيانو من غير (نوتة)، فالشيخ طه، والدكتور طه، وطه باشا هى كلها ألقاب حازها الأستاذ العميد فى مسيرة حياته عبر (الأيام) تحفته الخالدة وكتابه الأثير، وكنت قد تلقيت اتصالًا تليفونيًا منذ عدة شهور يشكو صاحبه من محاولة نقل رفات ملكة مصر السابقة فريدة (صافيناز ذو الفقار)، وقال إن هناك محاولات لنقل رفات كثير من المشاهير من قبورهم إلى أماكن أخرى نتيجة لشق الطرق.

وإعادة تنظيم الشوارع والأحياء، من منطق أن الحى أبقى من الميت معتمدين فى ذلك على سوابق كثيرة، أهمها ما جرى لمقابر اليهود المصريين عند إنشاء الطريق الدائرى، وهى بالمناسبة أمور تبدو متكررة فى كثير من الدول فى ظل ظروف معينة، ولكن الفارق أنه فى مثل هذه الحالات يجرى الاستعداد ببناء مقابر بديلة لا تقل فى أهميتها عن تلك التى دفنوا فيها، ومع اعترافى بأن الموتى متساوون ويصبح الراحل إلى السماء مجرد ذكرى على الأرض إلا أن الأمر يقتضى نوعًا من الاهتمام برموز وشخصيات لا ينبغى الافتئات عليها أو إنكار وجودها، ولا زلت أتذكر أن السيدة السورية ضحى حفيدة الرائد التنويرى الشيخ عبد الرحمن الكواكبى والتى تسعدنا بوجودها فى مصر قرب مقبرة جدها العربى الحلبى صاحب (أم القرى) وكاشف (طبائع الاستبداد) كانت ولا زالت حفية بقبر الجد وترميمه بل سعت من خلالى عدة مرات للتواصل مع وزراء التربية والتعليم المصريين لإعادة بعض مقالات ذلك الرائد الراحل إلى الكتب المدرسية فى مصر اعترافًا بالفضل وتخليدًا للذكرى، ود. طه حسين- أيها السادة – هو ظاهرة فكرية وثقافية، إنسانية وحضارية، ونمط فريد من نوعه بين المفكرين والأفذاذ المعاصرين والراحلين، فهو الذى حاول بجدية والتزام الخروج من شرنقة الماضى والدخول المتوازن فى ساحة الحداثة، ودعا إلى تطوير التعليم وبحث فى مستقبل الثقافة فى مصر بكتابه الشهير الذى أصدره عام 1938 وكان بحق فريدًا ومتميزًا ونسيجا وحده، ولذلك فإننى أشارك الكاتب الكبير والمفكر الموسوعى محمد سلماوى دعوته إلى إنشاء مقبرة جماعية للمتميزين فى تاريخنا الفكرى وأصحاب البصمات الواضحة فى حياتنا المعاصرة، أسوةً بالأمم المتحضرة وفى مقدمتها الجمهورية الفرنسية، ويمكن أن تضم هذه المقابر رفات عظمائنا والخالدين فى تاريخنا من مختلف فروع المعرفة وأنواع التفوق وأسباب النبوغ، ولتكن المقبرة مركزية تضم أبناء الوطن الذين يراد تكريمهم بغض النظر عن أى تفرقة بسبب المواقع الجهوية، أو الفروق الدينية، أو التخصصات الثقافية، إذ يجرى تكريمهم بسبب الجهود الكبيرة والبصمات الباقية فى تاريخهم المشرق، فيكون للسياح والزوار مجال لارتياد تلك المواقع باعتبارها آثارًا عزيزة على الشعوب والقلوب فى كل الأحوال، يومها تلتقى رفات الكبار طه حسين والعقاد وسلامة موسى وأم كلثوم وعبد الوهاب وغيرهم، فإذا كانت مدافن الأسرة المالكة ترقد فى مسجد الرفاعى فإن مقابر العظماء ممن خرجوا من صفوف الشعب هم أيضًا مصدر للإلهام والتعبير عن الامتنان لمن أزاحوا الغيوم وفتحوا طاقات السماء أمام الأجيال القادمة، إن ذلك أقل القليل وفاءً لذكراهم الخالدة واحترامًا لتاريخهم الذى لا ينسى.

نقلا عن “المصري اليوم”

 

الكاتب
مصطفى الفقي

عنوان المقال

مقابر الخالدين

نقلا عن العربية نت

تابع موقع مانكيش نت على جوجل نيوز

Subscribe
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.