آراء متنوعة

مخاوف التطبيع مع إسرائيل: عندما يقود الهوس السياسة في العراق

في الأسابيع الأخيرة، دخل التطبيع مع إسرائيل حلبة السياسة في العراق بقوة. على نحو سريع ولافت، اتفقت القوى السياسية المختلفة بشدة بخصوص قضايا كثيرة، والأهم بينها تشكيل الحكومة، على تمرير قانون لتجريم التطبيع مع إسرائيل. ينتظر مقترحُ القانون هذا الذي مر بقراءة أولى في البرلمان قراءةً ثانية ليصبح قانوناً نافذاً.

بعيداً عن النص الإشكالي، العمومي والمطاط، لمسودة القانون التي تخرق مواد دستورية أساسية وتستعير تقاليد الدول الشمولية التي تعاقب مواطنيها بالإعدام على الحق بإبداء الأفكار، فإنه يسعى لصناعة مشكلة جديدة لا وجود حقيقي في الواقع، ويقترح حلاً دكتاتورياً وسلطوياً لها غير قابل للتطبيق ايضاً.

يعني التطبيع إعادة الأشياء المرتبطة بالوقائع البشرية كالعلاقات والترتيبات والأوضاع، إلى وضعها الطبيعي المفترض والصحيح. في السياسة، يصبح المصطلح أكثر تحديداً ليشير إلى إعادة أو تشكيل علاقة ود وتواصل بين طرفين أو أطراف عديدة متخاصمة يمكن أن تصل خصوماتها حد الحرب. في السياقات العالمية يُفهم التطبيع عموماً بوصفه شيئاً إيجابيا لأنه ينهي الصراع ويقود إلى السلام والاستقرار عبر تفاهم الأطراف المتصارعة لحل الصراع واتخاذ خطوات تزيل أسبابه أو تخفف منها على الأقل. ينطوي التطبيع في هذا الفهم على التواصل مع الآخر وبناء الجسور معه لخلق وقائع مشتركة إيجابية تمنع عودة الصراع.

برز مصطلح التطبيع في الثقافة السياسية العربية بعد زيارة الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، لإسرائيل في 1977 التي قادت إلى توقيع معاهدة السلام بين الاثنين، المعروفة بـ”كامب ديفيد” في 1979. أعادت لمصر أرضها المحتلة في سيناء مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل وعلاقة استراتيجية مع أميركا التي توسطت بين الطرفين لإبرام المعاهدة. برزت حركة مقاطعة واسعة، سياسية وشعبية، لفكرة التطبيع هذه، قادها على المستوى الرسمي العراق عبر مؤتمري قمة للجامعة العربية عُقدا في بغداد في نوفمبر 1978 ومارس 1979 كانت نتيجتهما قطع علاقات الدول العربية بمصر وفرض حزمة عقوبات ضدها. أنهت معاهدة كامب ديفيد حالة الحرب بين مصر وإسرائيل وفتحت مساراً لتطبيع العلاقات بينهما. كان العالم العربي مصعوقاً من “خيانة” السادات، وأصبحت “مقاومة التطبيع” حينها فعلاً وطنياً لنصرة فلسطين ضد “الكيان الصهيوني الغاصب.”

إحدى أكبر مشاكل الثقافة السياسية العربية هي هيمنة الاندفاعات العاطفية والتفسيرات الأخلاقية المثالية عليها، وبالتالي رفضها النقاشات الهادئة والعقلانية للكثير من الأشياء، الأهم بينها حقوق الفلسطينيين بإزاء إسرائيل. على مدى نحو 75 عاماً من الصراع المسلح مع إسرائيل، كانت الخسارات العربية والفلسطينية تتوالى، لكن لم يدفع تراكم هذه الخسارات الخاسرين إلى التفكير بسبل أخرى، غير الصراع المسلح، لتحقيق نتائج أفضل. خرج السادات عن طريقة التفكير هذه ليحاول سبيلاً آخر ليحقق عبره هدَفه باسترجاع الجزء المحتل من أرض بلاده ومنع استنزاف موارد دولته على التسلح والاستعداد لحرب مقبلة. دفع الرجل حياته ثمناً لمغامرته الناجحة تلك.  في الحقيقة، يكشف أي نقاش منطقي للنتائج أن ما قامت به مصر كدولة لم يضر بمصالح الفلسطينيين وحقوقهم، بل بالعكس كان يمكن أن يفيدهم كثيراً لو لم يكن تفكير زعاماتهم حينها، كما الزعامات العربية الأخرى، واقعاً تحت هيمنة العواطف والأيديولوجيا. احتوت معاهدة كامب ديفيد على مسار تفاوضي يفضي إلى حكم فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة وتطبيق القرار الدولي 242، الذي اشترط على إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في حرب 1967. رفضت هذه الزعامات هذا المسار “الخياني” لتقبل، بعد 15 عاما أخرى من الخسارات والتراجع الإضافي، بما هو أقل منه وأكثر تكلفة. كانت تلك اتفاقات أوسلو الأولى في 1993 والثانية في 1995 التي فسحت المجال لتشكيل سلطة فلسطينية محدودة، قابلة للاتساع مستقبلاً، في الضفة الغربية وقطاع غزة.

عراقياً، لم يكن التطبيع مع إسرائيل أو مقاومته شأناً يثير الاهتمام، خصوصاً بعد دخول البلد في تجربة صعبة وفاشلة للنهوض من ركام نظام صدام حسين. لكن ارتبط مصطلح التطبيع في خضم هذه التجربة بمعنى آخر إيجابي، محلي الطابع، يتعلق برفع المظالم السابقة. كان ذلك بخصوص ضرورة تطبيع الأوضاع في محافظة كركوك عبر إزالة آثار سياسات التعريب، القائمة على التغيير الديموغرافي، التي اتبعها النظام البعثي السابق وكان ضحيتها الكثير من الأكراد العراقيين في كركوك. ورد المصطلح في الدستور العراقي، ووثائق رسمية كثيرة، في إطار السعي لحل تلك المظالم وإعادة الأكراد إلى أراضيهم التي أجبروا على مغادرتها.

عاد المصطلح بقوة الى حلبة السياسة، مستعيداً معناه القومي العربي السابق، عندما عُقد مؤتمر في أربيل، حضره نحو 300 شخصية عراقية، وطالب مشاركون فيه بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. كان المؤتمر الذي رعته منظمة أميركية تعنى بشؤون السلام مفاجئاً في تناوله هذا الموضوع ليثير الكثير من الغضب الرسمي والحزبي والشعبي العراقي، وبعضه مفتعل ومسيس. كان توقيت المؤتمر لافتاً إذ حصل قبل أسبوعين تقريباً من إجراء انتخابات أكتوبر العام الماضي لتستفيد منه الماكنة الدعائية لحركات الإسلام السياسي الشيعي القريبة من إيران في التحشيد للفكرة المغلوطة والمضللة أن العراق يواجه “خطر التطبيع” وبالتالي فلا بد من وقف التغلغل الإسرائيلي المزعوم في البلد، عبر إقليم كردستان الذي يُقدم في هذا السياق على أنه الخاصرة الرخوة باختياره المتعمد، التي يعبر منها هذا التغلغل المريب! مَثَّل هذا التفسير استثماراً مؤامراتياً مناسباً لهذه الحركات في إطار تبريرها ضرورة استمرار وجود “محور المقاومة” للتصدي لخطط التغلغل هذه. كان هذا أقصى ما يمكن الحصول عليه من مؤتمر أحمق تخلى عنه بسرعة المشاركون فيه، بضمنهم مطلقو دعاوى التطبيع.

لم يكن للمشاركين في المؤتمر وزن سياسي في البلد، فضلاً عن أن دعاوى التطبيع فيه لم تكن تعبر عن أي رغبة شعبية أو سياسية عراقية. في الحقيقة، إسرائيل عموماً غائبة في السياق العراقي، شعبياً وسياسياً، باستثناء “محور المقاومة” الذي يمثل انشغالات سياسية وأيديولوجية إقليمية إيرانية وليست هموماً عراقية حقيقية. ليس هناك تيار سياسي أو اجتماعي عراقي يدعو إلى التطبيع، أو مهتم بالموضوع. السياق الحقيقي الوحيد الذي ترد فيه إسرائيل عراقياً غير سياسي وإنما إنساني مرتبط بوطنية عراقية صاعدة ساعية، في جزء منها، لتصحيح أخطاء الماضي. في إطار مراجعة تأريخ البلد، ثمة حس بالظلم الذي تعرض له اليهود العراقيون واضطرهم لمغادرة العراق في الخمسينات فصعوداً هروباً من سياسات التمييز المنهجي الذي مارسته ضدهم الدولة العراقية في عهديها الملكي والجمهوري. تحول هذا الحس الذي تغذيه مشاعر بالحنين إلى عهود عراقية سابقة سادها تسامح عرقي وديني أعلى مقارنة بشحة التسامح في عهد ما بعد 2003 الذي سادت فيه مختلف أنواع الصراعات الطائفية والعرقية إلى دعوات فردية، غير مؤثرة، بإنصاف متأخر كإعادة الجنسية العراقية لهؤلاء اليهود، أو تعويضهم عن أملاكهم المُصادرة.

قانون تجريم التطبيع مع إسرائيل لا علاقة له بمشاكل العراق، بل هو اختراع لمشكلة وهمية أخرى. هو دليل إضافي على أن الصالح العراقي العام تحدده صراعات الأحزاب المعزولة في عوالمها المتخلية وليس حاجات المجتمع الحقيقية.

– يتبع – 

 

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

الكاتب
عقيل عباس

عنوان المقال
مخاوف التطبيع مع إسرائيل: عندما يقود الهوس السياسة في العراق

نقلا عن سكاي نيوز عربية

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.