آراء متنوعة

لماذا يشمتون فى الموتى؟

أعجب كلما مات وطنى أو وطنية، وكلما لقى رمز مصرى ربه، كيف يظهر الإخوان الشماتة به، رغم أنه بين يدى كريم، رحمته وسعت السماوات والأرض.

ينطلق الإخوان فى هذه الشماتة، وعدم احترام جلال الموت من منطلقات أهمها الاستعلاء الدينى والإيمانى، على أساس أنهم الأكثر إيماناً وإسلاماً، لذا فإن موت الآخرين هو عقاب من الله.

والغريب أن الجماعة وأفرادها كلهم بلا استثناء يرون أن ما يلحق بمعارضيهم من ضرر هو عقاب من عند الله، على أساس أنهم الفئة المؤمنة الراعية للدين، وغيرهم هم المرتدون، حتى لو لم ينطقوا بهذا ظاهرياً بألسنتهم.

إنهم يرون أنهم فئة اختارها الله، ولعلنا نذكر ما كان يقوله صبحى صالح: «اللهم أمتنى على دين الإخوان»، كما يرون أنهم فئة يجب أن تقدَّس، وغيرهم طالما ليس على الأقل متعاطفاً معهم أن يلعن ليل نهار، لأنه على الباطل، والجماعة وحدها على الحق المبين!

وإن تتبعنا سيرة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) فسنجد أنه كان يحترم ويقدِّس جلال الموت، ليس فى بنى آدم فقط، بل فى الطير والحيوان، يقول سيدنا أنس بن مالك، رضى الله عنه، إن النبى، عليه الصلاة والسلام، كان يزورنا كثيراً ويتفقد أحوالنا، وكان لى أخ فطيم، أى لم يتجاوز العامين أو الثلاثة، وعندما وجده النبى هادئاً لا يتحرك، قال لأمه: «ما لى أرى ابنك خائر النفس»، أى لا يتحرك، فقالت: «يا رسول الله كان له نغر (عصفور) يلعب به فمات»، فداعبه عليه الصلاة والسلام: «يا أبا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟»، فكنَّاه، أى سماه، بقوله «أبا عمير» تكريماً له، رغم أن الكنية للكبير شرف، ويسأله عن حاله احتراماً لمشاعره.

ولم يشتم النبى أو يلعن أحداً مات أبداً، حتى لو كان مختلفاً معه دينياً أو سياسياً، وهو ما جرى فى وفاة عبدالله بن أبى بن سلول، المشهور أنه زعيم منافقى المدينة، والذى كان يحارب الرسول سراً، ونزلت فيه آيات قرآنية كثيرة، يقول عبدالله بن عمر، رضى الله عنهما: لمَّا توفى عبدالله بن أُبَىٍّ بن سلول جاء ابنه عبدالله بن عبدالله إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يُصَلِّى عليه، فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليصلى، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله تُصَلِّى عليه وقد نهاك ربك أن تصلى عليه؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا خَيَّرَنِى اللَّهُ، فَقَالَ: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً}، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِين».

وكان النبى الكريم يحترم الجنائز، ويدعو المسلمين لاحترامها، فعن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم الجنازة، فقوموا لها حتى تُخلِّفكم أو تُوضع)؛ قال ابن بطال: «قال المهلب: القيام للجنازة دلالة على التعظيم لأمر الموت، والإجلال لأمر الله؛ لأن الموت فزع، فيجب استقباله بالقيام له والجد».

وورد فى سيرته صلى الله عليه وسلم أنه رأى جنازة يهودى، فقام إجلالاً لها، ولم يروَ عنه أبداً أنه شتم أو لعن أو دعا، أو قال نفق فلان، رغم أنه يهودى كان يحاربه ليل نهار.

ما يجب توضيحه أن التشفى بالموت ليس خلقاً إنسانياً ولا دينياً، فكما مات وائل الإبراشى أو تهانى الجبالى سيموت غيرهما، فالحياة رحلة قصيرة، كما أن الشماتة بالموت الذى يقع للغير تتنافَى مع الرحمة التى يُفترض أنّها تسود بين الناس، وهى خلق المنافقين الذين قال الله فيهم: (إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسَؤُهُمْ وإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً).

الخلاصة أن الإخوان يتغاضون عن جلال الموت الذى لا يضاهيه شىء.. فيشمتون فى الموتى ويسلقونهم بألسنة وأقلام حداد، وكأنهم يملكون مفاتيح الجنة، رغم أن أرواح المتوفين غدت بين يدى الله وفى مستقر رحمته، إن شاء عذبها وإن شاء عفا عنها، وكلنا لن ندخل الجنة بأعمالنا، بل بعفو الله ورحمته.

* نقلا عن ” الوطن”

جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

 

الكاتب

ماهر فرغلي

عنوان المقال

لماذا يشمتون فى الموتى؟

نقلا عن العربية نت

Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
التقيمات المضمنة
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
0
التعليق على هذا المقال - شاركنا رأيك x
()
x

يستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط وبالتالي يجمع معلومات حول زيارتك لتحسين موقعنا (عن طريق التحليل) ، وإظهار محتوى الوسائط الاجتماعية والإعلانات ذات الصلة. يرجى الاطلاع على صفحة سياسة الخصوصية الخاصة بنا للحصول على مزيد من التفاصيل أو الموافقة عن طريق النقر على الزر "موافق".

إعدادات ملفات تعريف الارتباط
أدناه يمكنك اختيار نوع ملفات تعريف الارتباط التي تسمح بها على هذا الموقع. انقر فوق الزر "حفظ إعدادات ملفات تعريف الارتباط" لتطبيق اختيارك.

وظائفيستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط الوظيفية. ملفات تعريف الارتباط هذه ضرورية للسماح لموقعنا بالعمل.

وسائل التواصل الاجتماعييستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف الارتباط الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي لعرض محتوى تابع لجهة خارجية مثل YouTube و FaceBook. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.

أعلاناتيستخدم موقعنا الإلكتروني ملفات تعريف ارتباط إعلانية لعرض إعلانات الجهات الخارجية بناءً على اهتماماتك. قد تتعقب ملفات تعريف الارتباط هذه بياناتك الشخصية.